"عن الشعور بالوحدة"
دانه فيصل مدوة .. خبيرة تسويق إستراتيجي و علاقات عامه ، صاحبة شركة تسويق و الرئيس التنفيذي لها ، وأم لطفلتين .. كثيراً ماتلهمني حياة هذه الإنسانه في تعاملاتها اليومية وروحها اللطيفة وأدوارها كأم ومدربة وشخص ناجح في مجاله .. دانه بالأمس حكت قصة لطيفة في عدة سنابات ، وكان كلامها تلقائي جداً .. حاولت كتابة المحتوى بشكل قريب للقارئ قد ماأقدر وأنقل كمية هذا الإلهام والقناعات الي حكتها دانه بسلاسة جميلة وقصة تحمل مغزى عميق وقريب جداً للقلب ..
ماأطول .. اترركم معاها :
وانا صغيرة بحكم انه في طفولتنا عشنا بأكثر من مكان فكان فيه شخصيات موجودة لفترة زمنية معينة في حياتنا ، وبعدين اختفت بحكم الجغرافيا .. ففي طفولتي كان في شخصية بحياتي مو بشكل مباشر ، بشكل غير مباشر ولكن أشوفها وأثرت فيني .. وهذا التأثير الي تركته لليوم أذكرها فيه .. بس تأثيرها علي كان سلبي مو ايجابي ، مو كل الشخصيات المؤثرة الي تأثر علينا بشكل مباشر او غير مباشر يكون تأثيرها ايجابي ، في شخصيات تؤثر علينا سلباً وليس إيجاباً .. ولكن المهم شلون إحنا نتعامل مع هذا التأثير في النهاية .. ماأعتقد أبداً انه كان في حوار مباشر مابيني ومابين هذي الشخصية ، اي شيء يتعدى السلام .. ولكن قضيت وقت ”حوالين“ هذي الشخصية .. كنا نزورها وانا ممكن كان عمري تقريباً سبع سنين وهي في اواخر الستين بدايات السبعين .. فيعني الفارق العمري الكبير خلاها ماتلتفت لي ، ماكانت تحس بوجودي الا اذا مثلا تحركت زيادة عن اللزوم او سويت اي نوع من الازعاج ، علماً اني كنت طفلة هادية ومؤدبة جداً فما كنت اسبب ازعاج ، فكنت ممكن اكون في المكان وهي اصلاً مو حاسه بوجودي .. ولكن كان وجودها هي له ”سطوّه“ وأحس فيه .. عادتاً الوقت الي كنا نزورها فيه فترات متباعدة ودايماً كل مانزورها يكون فيه ناس ثانين غيرنا وكأنه في يوم مخصص معين نزورها فيه ، وطبعاً كطفلة الإحساس بالزمن عندنا مختلف تماماً فيمكن كنا نزورها كل شهر لكن انا بالنسبة لي كانت فتراة متباعدة جداً .. فلأن المكان يكون مزحوم وعادتاً بناس كبار جايين يأدوون ”واجب“ فكانوا الأطفال وهم قلة ، ماكان يكون في اطفال عادتاً انا وخواتي بس ، يبتعدون عن مكان الكبار ويروحون اي مكان ثاني يجلسون فيه عشان لانسبب ازعاج .. ومع ذلك كنت احس بطاقتها بالمكان .. وكانت سلبية جداً .. ليه ؟
ولا مرة أعتقد اني قلت للي اكبر مني الموجودين لأي درجة كنت أكره هذا المكان .. كنت أحس انه في حدود معينة لنا كأطفال مالمفروض نتعداها وانه في احد اكبر منا يدري انه احنا في هذا المكان لسبب .. قد يكون البر ، قد يكون ان احنا نشوف احد طاعن بالسن ونتعلم شلون نتعامل معاه .. بس أياً كان الهدف من هذه الزيارة لم يتحقق ، تحقق شيء آخر مختلف تماماً ..
أنا تعاملت معاه بطريقة أو بأخرى .. ولكن مو الهدف الي هم كانوا يرجونه من هذي الزيارة .. ابداً ..
هذي الشخصية كانوا يجتمعون حوالينها تقريباً عشرين او ثلاثين شخص كل واحد فيهم موجود هناك لسبب ، في من باب القربة وفي من باب الجيره في من باب الصداقة القديمة وفي ناس يبرونها لان هي كانت تعرف امهم ولاجدتهم ويخصصون يوم يزورونها فيه ، فالمكان يكون ”مالك فيه محط رجل“ .. ومع ذلك ، ماكانت تتكلم الا عن وحدتها ، وتحسسهم انه في يوم من الايام انتم راح تكونون في مكاني وراح تكونون وحيدين ”نفسي“ .. وكان دايماً كأنها قاعدة وبجمبها وحش اسمه الوحدة ، تخوفنا كلنا منه ..
وانا ماكان عاجبني هذا الشيء ، ماكنت مقتنعة فيه وماكنت حابه كرهها هي لواقعها .. كنت جداً اكره هذا الشيء فيها ..
في طفولتي ماكنت اقدر احلل الامور كما هو الحال الان ولكن ماكنت قادرة أتعاطف مع شخص يتكلم عن الوحدة في غرفة فيها ثلاثين شخص .. كلهم بلا استثناء جايين يحاولون يحسسون هذي الشخصية بالأمان ، ان احنا موجودين ، لسبب او لآخر احنا موجودين ، ولكن هي كانت مختارة انها تحس بالوحدة وتفرض هذي الوحدة كوحش موجود وشر لابد منه لنا جميعاً كباراً وصغاراً في هذي الغرفة .. كنت حاسة انها مختارة هذي العزلة ومختاره تفرضها على نفسها وعلينا وتفرض هذا النوع من ”الموت“ على المكان الي هي عايشة فيه ، في كل زاوية في البيت نحس ب“الموت“ ، علماً انها ماماتت الا بعدها بثلاثين سنه ولكن هي كانت قاتلة نفسها قبلها ..
وإن كنت طفلة كنت أقدر أدرك انه في وجوه مكررة دايماً تكون موجودة وتزورها ، وكنت تقدر تلمس ان هذي الشخصيات على اتصال دائم مع هذي المرأه ، ويلبون احتياجاتها .. سوبر ماركت ، كهربائي ، اثاث ، طبيب ادوية صيدلية أياً كان ، من عرض السوالف تقدر تدرك هذا الشيء .. ومع ذلك كانت تعاقبنا وتعاقبهم جميعاً بالكلام المستمر عن وحدتها ..
من هذي الزيارات انا بديت افكر واكوّن صورة عن ماهي الوحدة ..! وكيف ممكن شخص يكون وحيد جداً في غرفة فيها ثلاثين شخص ، ولازال يشكي ..!
عوامل الزمن والجغرافيا أدت الى اختفاء هذي الشخصية من الحياة .. أو من حياتي أنا على الأقل ، بالنسبة لي في ذهني كانت ومازالت هي الوجه القبيح للوحدة .. لأنه من بعدها ومن بعد ”وحش“ الوحدة الي كانت تصوره بديت اشوف في محيطي وفي العالم الخارجي انه في عدة اوجه للوحدة ، ومو كلها بذات القبح .. في منها أوجه جميلة ! وبديت أدرك الفرق مابين العزلة والوحدة وكيف أنت ممكن تكون في غرفة فيها ثلاثين شخص ومع ذلك وحيد أو ممكن تكون في معزل عن العالم بإختيارك ولكن سعيد .. وبديت اقيس هذا الشيء على نفسي وعلى العالم الخارجي واتعرف اكثر على كل هذي الأشكال وكل هذي الأوجه من الوحدة ..
طبعاً انا كنت انقل لكم منظوري للشخصية كطفلة ، لاني وأنا طفلة ماكان منطقي بالنسبة لي شخص دائماً وأبداً يشكي الوحدة في غرفة دائماً فيها ثلاثين شخص .. لأني ماكنت أعي الفرق ما بين Alone & Lonely !
مااعي الفرق بين Alone يعني بمفردك ..
وlonely يعني وحيد .،
بمفردك انت تكون بمفردك في غرفة ، مافيها اي احد اخر ، فقط ..
ووحيد ممكن ان أنت تحس بالوحدة في غرفة فيها ثلاثين شخص .. لأن هذي الوحدة نابعه من الداخل ، هذي فجوة مايعبيها احد ، مايعبيها أي كم من الناس مهما بذلوا من مجهود وهذي المعاناة عانتها هذي المرأه إلى ان ماتت ..
وقد يكون أقسى شكل من أشكال الوحدة هي وحدتك مابين الناس .. يعني هذي المرأه عانت لين ماتت لأن هذي الفجوة الي هي فيها ماأحد قدر يملاها .. بس السبب هي ليش اصلاً موجودة ..! هذا السؤال ، من أين أتت هذي الفجوة الي مهما بذل الآخرين من مجهود ماكانت تتسكر أبداً ..! ابدً ..!
وأصلاً دايماً الناس تخاف على الناس الآخرين من الوحدة .. بمجرد مااحد يكون بروحه يقولون عسى مافلان فيه شيء ؟ عسى مو مكتئب ؟ عسى مو متضايق ؟ لايقعد بروحه مو زين ، اخاف يسوي شيء غلط ، اخاف زعلان ..
نخاف ، نحس انه لطالما احنا مع اخرين إذاً احنا في أمان .. ولكن الأمان ماكان موجود ولا هذي الشخصيه الي تكلمت عنها في البداية شمت ريحة الأمان ، بالرغم من كل الناس الي حوالينها ..
الأمان هو قدرتك ان أنت تكون مع نفسك ، ومطمئن ..
في ناس بمجرد فكرة انهم يكونون بروحهم الفكرة مرعبة بالنسبة لهم وغير قابلة للتنفيذ .. لا لالالا مستحيل أقعد بكوفي شوب بروحي ..! مستحيل أتغدى بروحي او اكل بروحي ، مااقدر اسافر بروحي ..!
بمجرد ما يطلعون الناس من البيت ، يحسون بالوحشة .. أعتقد قمة الوحشة ان انت ماتقدر تقعد مع نفسك .. ماعندك عالم خاص ، عالم خاص فيك .. من أنت ؟ بدون كل الناس الي حوالينك ..؟
من انت بدون ربعك بدون اهلك بدون عيالك .. أنت بمفردك ، بس أنت كوحدة واحدة .. من تكون ؟
في ناس مايقعدون بروحهم الا اذا هم نايمين .. اذا كان بروحه بسرعة يصيبه الملل او الخوف .. يحتاج أحد دايم معاه ..
هذي الحاجه للآخر مو بس حاجة رفقة وصحبة ، هذي الحاجة دايماً للآخر بالنسبة لهذا النوع من الناس تكون حاجة أساسية لصحتهم النفسية ، لتوازنهم العاطفي ، لقدرتهم على الإستمرار .. مايقدرون يعملون أي شيء بروحهم .. هي تبدي بشكل بسيط وتتفاقم مع التقدم بالسن ، تتفاقم بشكل بشع يصل إلى الوجه القبيح الي كانت عليه هذي المرأه ..
من هذا انا كنت حاسة بهذا القبح وإن ماقدرت أفسره التفسير الصحيح ..
تقولك لالالا مااقدر اقعد بروحي يزر عقلي ! لا أمَلّ احتاج اكون مع ربعي احتاج احد يرد علي الصوت ، جنه من غير ناس ماتنداس ، ومن هذا الكلام ..
ولكن هو الخوف الأعظم انها هي ماتقدر تجلس مع نفسها ، لانها ماتدري شتسوي بعمرها .. وهنا يكمن الجرم الي احنا نرتكبه في حق انفسنا .. ان احنا ماقدرنا نشكل هذا الأمان الداخلي مابينا وبين انفسنا ، ويكون عندنا عالم خاص فينا .. هذا العالم الخاص نضع فيه الي نبيه ويحسسنا احنا بالكمال بروحنا ، بدون الحاجه للآخر .. نبني لنا عالم لما نكون بمفردنا مانكون وحيدين ، نكون كاملين ..
ترتكب جريمة في حق نفسك اذا أنت لم تهيئ نفسك أن تكون قادر على أن تكون بمفردك بدون لاتكون وحيد .. ان انت تخلق عالم تمارس فيه ماشئت من هوايات فردية ، نشاطات فرية ، قراءات افكار تأملات ، عبادة متعة .. أياً كان ، ولكن هذا المكان لك بروحك ، وأنت قادر فيه ان انت تحس بالأمان بدون الحاجة للآخر .. شئنا أم أبينا راح يجي وقت وراح نكون فيه بروحنا .. هل احنا مستعدين له أم لا ؟ ولا راح ننتهي نهاية هذي المرأة ..!
أي شخص تسأله عن عزلته وأي شخص يقدّس عزلته وتسأله عنها راح يقولك هي الملجأ .. أنت بحاجة ، كلنا بحاجة لملجأ نلجأله عشان نعيد ترتيب أنفسنا ، نفكر بنفسنا وبحياتنا عشان نقدر نكون حاسين بالأمان بدون ان نعتمد او نحتاج للآخر ..
ماهو ملجأك ؟ فليكن مايكن .. رسم ، نحت ، كتابة قراءة مسلسل معين هايكنق مشي تفكر صلاة عبادة ، اي متعة من متع الحياة الي تبي تنغمس فيها ، اي زهد تبي تزهد فيه .. على راحتك ، ولكن هو عالمك انت الخاص .. عشان لاتنتهي نهاية هذي المرأة ..
هذه المرأه اتوقع سبب وحدتها الي هي حاسه فيها شخص اختفى ، مات او هجرها او اياً كان ماادري ، لكن مايملى مكانه احد ، كل الي قاعدين .. هذا كان ذنب هي ارتكبته في حق نفسها .. ماعندها ملجأ ، ولا قدرت تسوي ملجأ ، مهما تعددت الملاجئ .. وماتت وحيدة لأن وحدتها من الداخل بالرغم من كل الناس الي كانوا يزورونها .
****************************
بالنهاية ، وكزاوية اخرى للموضوع .. اعتقد كل شخص فينا يملك قصته الخاصة مع الوحدة .. وتعريفه الخاص لها ، قد تكون عزلتك هي مكانك الوحيد الي تكون فيه كنفسك ونفسك فقط ، او هذا مايحدث معي على الأقل .. قد تكون متعتك واحدة أو قد تمكتلك الكثير من الأشياء التي تستطيع إبهاجك .. ليس المهم أن تجد حرفة أو صنعه تتقنها فقط لبقية حياتك ، المهم أن تكون لك لمستك الخاصة ورؤيتك الخاصه للأشياء .. زاويتك الخاصة التي تستطيع من خلالها أن تتجرد من الجميع ..
أرى أن الإنشغال بالذات ، اصلاحها او مجاراتها قد تكون أعظم مهن الحياة التي لم نعلّم على تقديرها كما يجب ..
* اقتباس أخير من كتاب Modeling Self-love and Awareness :
إذا أخفقنا تعليم أطفالنا كيف يكونون بمفردهم من غير أن يشعروا بالوحدة ، سوف يكونون دائماً وحيدين .
-سناب الجميلة دانه :
