أتعلم مالذي يؤلم حينما تفتح الجروح مرةً ثانية؟

علمك أنها ستمضي أيضاً.. وكأن مشاعرك بتلك البساطة وذلك التعقيد في آن.

وهكذا هي حياتي يا صديقي.. بين شعورٍ وكلمات، وبين خيبةٍ وارتفاع، وضجيجٍ وهدوء، وذنبٍ ورجوع لدرجةٍ تشعرني أحياناً أنني من بُدّ العابرين أستطيع أن أطوّع روحي حسب ما أبتغي وكأن لي حاسةً سادسة أمارسها من خلال الصمت والتبصّر؛ فتكون حياتي كما شبكةٍ لا مجال فيها للعبَث، كلّ سؤالٍ يؤدّي وكل علاقةٍ تُحرز، وكلّ حركةٍ تكون في دائرةٍ محددة من وقع الحياة عليّ، وفيما تبدوا حيوات الآخرين بالنسبةِ لي مطراً من المفاجئات تبدوا حياتي مصباً متوقّعاً للنهرِ من البحر، دِفةً ضيّقة يسري فيها ماءٌ بارد يشحنه اليقين ويباركُه ورود السائلين.. أقبلُ أن تعبُر عليّ جميع مخلوقات الله، وترتوي، وكأنني أميلُ بأن أكون ذلك المعبَر فيما يبدوا لي أن الناس يحبون الحصول.. 

حينما أطالع النفس ياصاحبي لستُ أشاهدُ تعقيداً أريد فكّ أسراره.. إنما صار المتضادُ فيها من الشعورِ والفعل أمراً متقبّلاً في أعمق أعماقِ تكوينها..

حينما كنتُ نوراً كنت أكره الظلام

وحينما كنتُ حالمةً كنت أكره التكرار

وحينما كنتُ طيّعةً كنت أحاول الحصول على نتيجة، أما الآن.. الآن بالتحديد فقد صرتُ أشاهد الاختلاف كجزءٍ من تكوين، قد لا أكون وصلت لمرحلة حب الظلام أو التكرار أو الطواع، ولكنني أتفهّم بشكلٍ أعمق لماذا تمرّ.. ولم تعد حين تمرّ تخالفُ تكويني كما السابق فأقفزُ بهلعٍ لأعرّف نفسي من جديدٍ إليّ، إنما صارت جزء مني..

وأعتقد يا عزيزي أننا في هذا العُمر، وهذه المرحلة من الحياة نكون أمام شعور التفهّم وشعور الإدراكِ وشعور القبول مما كناه من شعورِ العناد العشرينيّ الذي يتطلّب نفساً تكون غطرستها أكبر من تقبّل الواقع، ولا أجدُ أحلى في الحياة من أن تضحك عليك، وتضحك عليها في آن حينما يكون عُمق التعقيد بساطته وعمقُ البساطةِ تعقيدها.. 

تحاصرني الآن فكرةٌ واحدة؛ لا سبيل إلا المُضيّ إلى الأمام.. 

المضيُ مع القبول، 

المضيُ حتى ولو كان على مضض، 

المضيُ رغم جميع الأشواك.. 

المضيُ على فرحٍ وعلى حزنٍ وعلى جميع الخواطر..

المضيُّ فحسب.

الحقيقة يا صديقي أنها لم تتغيّر تلك الأشياء الكبيرة في نفسي، 

لا زلت أتسائل كيف يكون شعور القلب حال استلقاء إنسانٍ صغير في غابةٍ معمّرة، وكيف تكون هيبة الشجر، والنجوم لا تزال تغريني في الليل وأقتضبُ حال وجود الغيم الذي يحجبُها عني..

لا زلت في طفولتي أحملُ خططاً وأحلاماً ومواعيد لقاء وحقائق أريد أن أكشفها..

لم تتواضع في عينيّ الدهشةُ يوماً ولكنّ شيئاً ما في داخلي كبُر، وبات المستعصي من أيامي أمراً لا أريد نواله باستماتةٍ كما كنت أظنّ أنني سأفعل..

تعظّمت في دواخلي المتوقّعات، والمنهج السماويّ علمني كيف أنظرُ للأرض بتواضعٍ أكبر والأولويات التي كنت أكره انصياعي لها قبلاً صرت الآن أحبّ تأديتها على شكلها الكامل والامتثال للفكرة التي وإن سَلبت مني شيئاً ما، من مكنوناتنا شيئاً ما، فهي بالمقابل ترفعُ احترامنا لذواتنا أكثر..

تعلّمت أننا ببساطتنا الإنسانيّة نحبّ الأمور الواضحة، 

عطاءٌ بردّ ومنحٌ بأخذ وحجمٌ على قدرِ حجمٍ آخر.. ولكن المؤجَل من الأمور دائماً ما يكون أحلى، والمتأخر بالصبر دائماً ما يكون أجدى.. فكيف نمسك عصاة الصبر من المنتصف..! بمحاولاتي، ذلك دائماً هو ما أعوّل عليه..

أحبّ الحياة.. ولكن الألم جزءٌ منها أيضاً، وأريد قبوله

وأحب التوسّع.. ولكن النضوب شيءٌ من عمليّةِ أفكارٍ كاملة، وأريد التصالح معه

وأحب الوصول.. ولكنّ الضياع جزءٌ حتميّ من الطريق، وأحبّ لو كنت على نفسي ألطف من خلاله

وأحب النتائج جداً، ولكن الأسباب عملٌ لا بُد من القيام به.. وأحب لو شددتُ همّتي بشكلٍ أعلى

وقد تخرسني الأحلام أو تعبّئني الطموحات كلّ يوم، ولكنني من دون التوكّل والثقة والعمل تكون صحرائي صِفراً بينما قد تتحوّل الكثبانُ إلى غضا، وأحب أن أفكر لو كان بوسعي أن أملأ الصحراء بالشجر..

لكلٍ منا يا صديقي مفتاحه، ولكننا بالإنسان الضعيف فينا جميعاً نتّفق أن الحول والقوّة والتوق والهمّة أمور لا تُعطى ولا تكمُن في نفوسنا بلا سبب إنما تكون مدَد، وهذا المدد لا يكون إلا عُمراً.. لا يكون سوى من عُمقٍ إيمانيّ خالص، يوصلنا لأبعد مدى.. 

اللهمّ توفيقاً فتوكّلاً فيقيناً فرسوّاً منك وإليك.. يا الله..

لم يفُت بعد شيء ..

نحنُ جديرون لأننا بعيدون عن هذا العالم، عن تلك العوالم؛ حينما نختار أغطيتنا منها وعنها بعناية، ونلوذ بالصمت..

لم يُخلق عالمنا بعد، ورودنا صغيرةٌ جداً كما تجاربنا وأسفارنا، أما أعشابنا فهي خضراء على قدرِ دهشاتنا، نادرة ولكنها متتالية، نعيشُ كما لو كان اليوم كلّه يومنا الخاص واحتفالنا الخاص وجرعتنا الخالصة من الحياة، بسيطون جداً ونحبّ بساطتنا.. 

مترددون ونجزمُ أن إحجامنا قد كان أرسى لنا من أيّ انطلاقةٍ عابثة.. 

متحفّظون، وأهلنا قد كانوا متحفّظين قبلنا ولم نخرج عن جواربهم رغم أننا كرهناها يوماً، ذلك لإننا حال الكبر علمنا أننا مثلهم؛ أضعف من أن ندوس على العُرف وأخوَف من أن نسمح للبرد أن يتسلل أطرافنا..

أقسامنا من الرزق كبيرة وكثيرة ومغموسة بالرحمة، ذلك أن بلاءاتنا قد كانت في ظاهرها دوماً ملموسة، ولكن يسكن بواطنها الكثير الكثير من الرحمة.. شكّلت لنا في دواخلنا تعاطفاً وفي عزلتنا أصدقاء، أصدقاءُ منّا..

مدفوعين بإلهاماتنا، نحبّ الذي نراهُ صحيحاً، يحرّكنا الشعر والأدب وتُشعلنا أمورٌ بسيطة، أرواحنا تستطيع أن تعلوا بمزاجاتنا عالياً عنان السماء.. 

ندور مع الفَلك، نمتطي الحياة كرحلةٍ لايهيبنا فيها كثرةُ محطاتها ولا استبطاء وصلنا ووصولنا، 

حينما نملّ؛ نغني ونحدوا وحينما نتوقّف ننام وحينما نمضي لا يخدعنا السراب ولكن تشدّنا الحقيقة وتروح إليها مطايانا؛ بنفوسنا قبلنا..

لسنا في ميادين لسباق أيّ أحدٍ حتى نفوسنا.. لنا من الأمرِ أن نعيدَ كلّ العطايا لمصدرها الأوّل، ونشكر.. ولنا أن ننتظرُ بحماسةٍ للذي لم يُخلق بعد، وهناك نُعلّق أثواب حُسن الأمل..

نحن بخير..

في روحي أشعرُ بمجدٍ عتيق أكاد أتذوّق حلاوة وداعته.. المجد الذي نشعرُ بأننا منه، وربما قد ورثناه يعطينا شيئاً من وداعة الروح، ذلك لأن كلّ إنسانٍ فينا يعرف أوّله، وجميعُ أوّلنا صفاء..

أحنّ لأوقاتي البطيئة وأنا أعيشها.. يتملّكني حنين دائمٌ نحو الواقع، وكأنما أعيش في بوتقةٍ حالمةٍ ولم يغمرها موج الشعور/ الحياة بعد.. وكأنني من خلال اليُسر أنتظر الأعسر..

ثمّةَ ما أحاول الوصول إليه، ولطالما أخبرت نفسي بأن التوق لمحةٌ نبيلةٌ للروح، أن نترنّم بأحلامنا رغم الواقع وأن نحمل في داخلنا الأمل رغم ملامح اليأس، الشيء الذي يجعلني عندما أصل لتلمّس النجاح، أستعذبه وأدور حوله، أحاول أن أفهم لماذا استقصيته وماذا بوسعه أن يعطيني أكثر، وكيف.. كيف بوسعي أن أرتاح بوجوده أو عدمه، ما يجعل نفسي بين الواقع والمتوقّع متوسّطة الميلِ راغبةً في الاتزان..

أشعر باستقرار الحالِ والدواخل والنفس.. وكأنما عثرتُ على جوابٍ بعد سؤالٍ طويل.. الجواب الذي لا يدعوك للمزيدِ من الأسئلةِ بقدرما يجرّك للعيش فيه.. تريد أن تحلو بالخلوّ معه، حتى يحصل لك من أمرك اليُسر وأُنس الركود على موجةٍ واحدة.. موجةٍ تحبها..

هنالك ما بوسعي أن أفنَى فيه، 

هنالك ما باستطاعتي أن أعيشه، 

وهنالك ما يدعوني أن أتناغم معه..

ولطالما كان العيش بأصعدة؛ 

الروح فالعقل والقلب والبصيرة..

وحينما تلتقي يوماً موجة الحياة فيك على ثغورها الأربعة، وفي صفحةٍ واحدة؛ تكون حتماً بخير.

نرتّب الأمل على حوافز الطريق، علّ رذاذاً من ذكراه يحيينا..

نسوق مركبنا الحياتيّ محمّلين يوماً بالمشاعر ومدفوعين بها، ويوماً نقودها لأجل أن تنتهي، أن تنتهي فحسب غير راغبين بأيِّ أثرٍ ممتد، ولا أثرٍ يُذكر..

يوماً نخوض بكامل فَألِنا السُبل، ونجد المحطات ونجيدها ونعرف الطريق إلينا جيداً، نحفظهُ كما نحفظ بيوت طفولتنا.. وفي أيامٍ أُخرٍ يكون الطريقُ هباءً وضياعاً والخطوات في ضياعنا ثقيلةً جداً..

الذي تخيّلناه سيكون سرّ خلاصنا وسعادتنا، الشخص الذي انتظرناه طويلاً ليُحيي فينا شيئاً ما؛ أتى.. ولكننا كنا نحنُ من نواسيه ونحييه ونهذّب شعاث أحزانه.. لم يساعدنا بشيء، ظننا أننا من خلال الوجود والبقاء والمشاركة، سنكبُر.. ولكن تجربتنا قبلهُ ومعهُ كانت وصارت واحدة..

قطّعنا من ذواتنا أجزاءً جميلةً من طاقاتنا، أستثمرنا أبهى أشكالنا الممكنة، حتى صارت العزلة لنا تذكيراً بما ذهب لا احتفاءً بما قد بقيَ لنا.. صارت القصص التي يوماً أثارتنا جزءً من الماضي، ولم يعد لنا منها شيء..

أشعلنا الأمسَ سُدىً حتى صار الحاضرُ ذكرى، والغد الذي نتوق للتواجد فيه، يعيش في الأملِ وحسب..

نعيد تكرار اللحظات التي كنا فيها نحن، وحضرنا فيها كما نحن وكمن نكون، ذكريات معدودة، ذكريات محدودة شكّلتنا بادئ ذي بدءٍ حتى صار علينا أن نوارينا، وشيئاً فشيئاً احتجبنا عن الواقع، فحجبنا الشعور وخلفه جميع تلك الكلمات التي كانت حثيثةً لنضج تلقائيتنا، وبلغنا ونضجنا وكبرنا ولكن على حساب موتنا، على حساب موت الكلمةِ فينا كنا نكبر..

عرفنا الشعور واحداً واحداً حينما صادفنا وحدتنا على الطريق، سامرنا الحزن وجاورنا الفرح واسترخينا بعد بكاءٍ طويل وهدهدنا الغضب بالأمل والصمت بالثرثرةِ مع ذواتنا حتى ننام.. فينا الكثير من الصناديق المُغلقةِ عن كلّ أحد، فينا نحن.. نحن الذين نتوق للبقاء، نحن الذين نتوق للأثر، نحن الذين نتوق للوجود؛ ولا يرانا أحد… ولا نرنوا لأن يرانا أحد..

هذه الحياة طريقي الذي قد لا يكون طريقك، بهاء ما أريده أمام ما لن يكون شُعلتك، مسيري الذي قد لايُشابهُ أيّاً من مسيرتك، وغموضي.. غموضي الذي أحجبهُ بالقصص التي قد لا تشبهُ شيئاً من إلمامك أو إلماحك، ولكنني أعرف جيّداً صمتنا، أعرف جيداً حِسنا ورهافتنا، أعرف كثيراً أن الإحساس هو ما نستشعره أكثر مما نبديه، ذلك الذي لا نعطي لذواتنا الحق فيه ولو مع رقيق بصيص الأمل،

سنكون الأثر..

يا لهذا الجمال في كونك الواسع .. يا دائم الوُسع وعظيم الوجود وربّ الدهشةِ والنورِ وخالقهما..

اللون الأزرق، من يخلقُ بهذا البهاء سوى الله؟
للجمالِ براءةٌ أستسيغها وتشبهني، تُدخلني دروباً من أمل .. أقول الأمل فتبتهجُ لي الحياة .. لأن في بعض الأمل رغبةٌ بالحياة، بالرضى، وباستلام الوجودِ كما يكون..

سافر، فلنسافر يا صديقي في أقدارنا على أرض ربنا الواسعة، لن يصيبنا من سأم ولا نصب، مادام يشهدنا فسنكون بخير.. لنطلق لإرتحالات نفوسنا قبل قلوبنا العنان ولنرضى بأن نكون واحداً مع الريح، واحداً مع الطوفان، واحداً مع الحياة، واحداً إلى واحد..

فلندور ولنسعى ولنسمح للبهجة أن تسلل فينا، فقد مضى علينا في الكهولةِ زمن … قد صار للحكمةِ أن ترشدنا للقبولِ لكلّ ما يكون، لن نتوقّف في وجه الحياة ونختار لها بأسها، سنسيرُ مع كلّ ما يكون، لن نتحدّى طقوسها ولكننا سنتلحّف في البرد ونتخفف حال اشتداد الحرارةِ وسنقبلها ونُقبل عليها كما تكون..

ياصديقي ألم تتعلّم بعد أن هذه الدنيا أحوال؟
ألم يُريك دائماً في اشتدادها الأمل، وفي أكبر آمالها الأحزان وفي أجلّ صفاءاتها التَّوق وفي أكبرِ محطّاتها الوَجد؟ ألم تتعلّم بعد أن في زُرقتها سماء، وفي أسودها نور وفي أحلكِ أيامها فرج، وفي أسعد أيامها شقاء؟ أين أودت بك دروس الأمسِ التي قد قالت لنا أن كلّ حالٍ سواء، مادام قلبك ثابتاً ووجدت الله، فمن وما فقدت؟

أضحك الآن، لأن جميع ما كتبتُهُ قد آمنت به .. ومثّلتُ يوماً كهولتي كالعيشِ على طرف الحياة، ومن يرى الأمور من أطرافها يسلم، يسلم لأن الخوضَ عنده لا يكون إلا بمقدار زاويتهِ مما يرى، ولطالما حَمتني ودفّئتني نار وحدتي التي شاهدتُ منها الأطراف عِوضاً عن الانغماس في الحكايا، فكانت حياتي رضىً…

أعيدها الآن، وأقصدُ نفسي تماماً .. لتوطين الرضى وتعميقِ جذور الارتكاز .. أنا اليوم بخير .. لوحدي بخير، إلى جانب ناري بخير، بطرفي على خير .. وسأكون بخير.

يبدوا الإنغماس في بوادرِ مايجلبك على الفرح، عليك جميلا..

يبدوا عليك البللُ من المطرِ؛ جميلا..

تبدوا عودة الحياة على وجنتيك وأنسام عطرها الجليل على أنفاسك وربيعُ سلامها في صدرك وانعكاسِ أصواتها على ملامحك، على سمعك، على بصيرتك؛ جميلا..

تبدوا جميلاً حينما ولّيتَ وجهك شطر قبلة السماء، وسمحت للأرضِ أن تطفوَ فيك..

تبدوا جميلاً حينما سلّمت همّك واستويت على خطوكَ وترافعت في شأنكَ واستسلمت..

تبدوا بهيّاً حينما سموتَ في تنازلك للأرض سجوداً ماجعلك في مواطن النجومِ أنفَا..

تبدوا جميلاً حينما ضعفتَ واتكلت، وانكسرت فواسيت كسورك بالمقاومة، وحزنت فداويت حُزنك بالتوكّلِ ورضيت، فدانت لك الفُرص وتفتّحت لك الأرضُ راغمة..

تبدوا جميلاً حينما احترمت ما كان، ورضيتَ عمّا مضى وسمحت له بأن يتلاشى منك ماجعل الدهشة تسري بين عروقك، وتحملك على الطفولة الدائمة..

تبدوا جميلاً حينما عَفوت وصفَحت، فكنتَ في فكرك الأكبر والأبلغ بالحريَة ما فتح لك من القادمِ آماداً من الآفاق والسعة..

توسّعت، وانغمستَ، وتجمّلت، وآمنت فأوتيتَ ونُعّمت؛ فكُنت جميلاً.. 

ولا عجب أن يدركني جمال الأيام منك والأمكنة، فيخون قلمي صحرائي اليابسة ويجلعني أكتب بكلّ ذلك الانهمال المطريّ البعيد….

كشموخ النخيل،

كجسارة السعف على قوانين الجمال، 

كعشبةٍ في إسمنتٍ صحراويّ،

كقشةٍ كانت حتميّةً حتى تقصم ظهر البعير

كذبابةٍ لا تهاب مُقلة الأسد،

كمؤمنٍ ينتظر الفرج

ككتابٍ مجهول يُسفر عن أجوبة

كمسافرٍ لبيئةٍ لا تعرف أهله،

كورقةِ نباتٍ تتدلّى ولا تزال تُنجب أوراقاً جديدة

كعزيمة المُختار لأحلامه

كالقابضِ على الفُرصةِ بنواجذه

كتنازع علوّ الأصوات بين المؤذّنين 

كوردةٍ بريّةٍ في ربيعٍ صحروايّ

كرقصةِ المُقاومين 

كابتسامةٍ في حرب

كعصفورٍ في مشفى

كضحكةٍ على سرير المرض

كدمعةٍ في حضور سعادة؛ 

نقاوم الحياة ونُسدل على الأوجاع ستار الأمل..

ثمّة ما هو نبيل وبريء فيما هو إنسانيّ وفطري ومتدّفق، هنالك ملمحٌ أحاول إمساكه في أصعب الظروفِ وجعاً، وهي الرغبة العارمة في الأمل من الكبار أو حينما لا يُدرك الطفل كيف عليه أن يكون أو كيف من المفترضِ أن يشعر، يرى الحقيقة في أمّ عينيه ولكن مردودهُ صمت.. طبيعة، وإنسان..

في الحياةِ ما أحاول التقاطه من البهاء.. من الفكر الذي لا يُهدَر، ومن غضاضةِ الرحمةِ واللين من جودة النفوس.. 

أريد أن أشاهد عِباب أمواجها وأسمعه، أنلا يفوتني الزَبد لأنني أنتظر الموجة القادمة دائماً، وأنلا أقاوم الانجراف.. 

عن تلك الميلانات الطفيفة على شواطئ العالم ما يجعلها بكلّ الانعطافات ساحرة .. آهـ لو كان لي مع الشطئان والماء ووسامة الغروب موعدٌ يوميّ ..! لكنتُ أسرفتُ في النظر….

في عمق الصعوبات هنالك ما أحاول تحكيم نفسي فيه وعليه، أن كلّ شيءٍ سيكون بخير، أن الله معنا، وأننا على قدر الحضورِ في العاصفةِ نستطيع الخروج منها.

مالذي يجعل الثبات سيّداً للرحلة؟ حتى ولو رأوك مختلفاً وبعيداً وقديماً عن “الأفكار الجديدة”؟

هو ما تراه في نفسك، ما تحسّه في يومك، وما تعيشه في واقعك..

يجعلك الشعور بالطمأنينة عبداً خالصاً لكلّ الأمور التي من شأنها أن تأخذك حتى أبعد مدى مما تؤمن بوجوده حتى ولو تخبّطت وارتبت، تعود، لعبادتك، لخضوعك، لفكرتك الدافئة عن الله كأنما تعود لمأوى في برد، وتنزعُ عنك معطف التشكيك عند الباب، وتدخل بقلبٍ راضٍ عن حكمته، ويدين حافيتين بالمقدرةِ سوى من طلب غايته ولباسٍ مبللٍّ بالدمع من مطرِ جميع الأسئلةِ والفلسفةِ والمنطق، داخلاً حُجرةً تكون فيها أعلى من نفسك، وأكبر من منطق عقلك.. خاضعاً للقلب، سارياً لما يشاء للروح أن تميل إليه، مستدفئاً بنور طريقٍ وافر، بشعلةِ حُبٍ لا تعرف الانطفاء، لمأوىً لا يتغيّر..

تدور الدنيا والعالم، تفتّش عن أكثر الحجرات رفاهيةً ما بوسعه أن يعطي عقلك بحبوحةً من السَعة، ثم ترجعُ فتجد أن لا مأوى بقادرٍ على منح دفئ اليقين ووُسعِ العالم الخالصِ كما مأواه، ذلك الذي يجعلك في دهشة تسليمٍ لا تنضب، ورحمةً في دربك لا تنقطع..

أيحدُثُ معك يا صديقي أن تحدّث نفسك أو شخصاً قريباً منك شيئاً صغيراً مما يقلقك، فتجد الجوابات تنهمل على مصراعيها بين يديك بعد وقتٍ بسيط؟ أيحدُث أن تحدّث روحك بالفضلِ فيزيد الفضلُ عليك؟ 

هل تعي حجم الدهشةِ حينما يكون لكلّ سؤالٍ لكلّ قلقٍ لكلّ حديثٍ مسيرةٌ من طمأنينةٍ وجواب؟

حينما أتبصّر بالمُضيّ والحدث، أراجعُ أن الله كان دائماً ما يرسلُ على روحي الرسائل.. هذه الأمور لا تأتي بشكلٍ مباشر، تكون باطنة، حدثٌ يُفضي لحدث وكلمةٌ تفضي لكلمةٍ توصُلك لإدراك، ذلك الإدراك هو الإيمان، أن ما جرّ سلسلة جميع تلك الأحداث والأقوال والرسائل والجُمل التي قيلت لك في مواضعها فجعلتك تتفكّر؛ ماسيّرها سوى حكيم.. وأن تعلم كيف تلتقط اشاراته، كيف يُخبرك عن نفسه، كيف يجعلك تُدهش وتضحك وتحنّ وتحبّ ولا ترجوا غيره ! ذلك نعيمٌ آخر..

المسير في جنب الإيمان مسيرٌ مع ضياء، مع قنديل، مع جوابات تقويّك على ظلمة النفق.. أمامك درب وخلفك ضلالٌ تركت منه نفسك ومضيت عنه، ما فات لم يكن بين يديك لإصلاحهِ وما هو آتٍ ليس تحت تصرّفك بل في تصرّف الحكيم، عليك فحسب أن تُمسك قنديلك بصدق، وترافقهُ بمحبة وتقرأُ من خلال الإبصار رحماته الصغيرة عليك، وتحبّها لأنك تميل عليه وتحبه..

اللهمّ يا من وسع ضياءه الظلمات، يا سيّد النور العظيم .. اسألك بنور أسمائك الواسعة أن تجعلنا لك وتُمضينا إليك راغبين توّاقين مفتقرين وأن تديم على نفوسنا رغبتها فيما عندك وأنلا نرجوا يا عظيم الكرم.. سواك.