يا لهذا الجمال في كونك الواسع .. يا دائم الوُسع وعظيم الوجود وربّ الدهشةِ والنورِ وخالقهما..

اللون الأزرق، من يخلقُ بهذا البهاء سوى الله؟
للجمالِ براءةٌ أستسيغها وتشبهني، تُدخلني دروباً من أمل .. أقول الأمل فتبتهجُ لي الحياة .. لأن في بعض الأمل رغبةٌ بالحياة، بالرضى، وباستلام الوجودِ كما يكون..

سافر، فلنسافر يا صديقي في أقدارنا على أرض ربنا الواسعة، لن يصيبنا من سأم ولا نصب، مادام يشهدنا فسنكون بخير.. لنطلق لإرتحالات نفوسنا قبل قلوبنا العنان ولنرضى بأن نكون واحداً مع الريح، واحداً مع الطوفان، واحداً مع الحياة، واحداً إلى واحد..

فلندور ولنسعى ولنسمح للبهجة أن تسلل فينا، فقد مضى علينا في الكهولةِ زمن … قد صار للحكمةِ أن ترشدنا للقبولِ لكلّ ما يكون، لن نتوقّف في وجه الحياة ونختار لها بأسها، سنسيرُ مع كلّ ما يكون، لن نتحدّى طقوسها ولكننا سنتلحّف في البرد ونتخفف حال اشتداد الحرارةِ وسنقبلها ونُقبل عليها كما تكون..

ياصديقي ألم تتعلّم بعد أن هذه الدنيا أحوال؟
ألم يُريك دائماً في اشتدادها الأمل، وفي أكبر آمالها الأحزان وفي أجلّ صفاءاتها التَّوق وفي أكبرِ محطّاتها الوَجد؟ ألم تتعلّم بعد أن في زُرقتها سماء، وفي أسودها نور وفي أحلكِ أيامها فرج، وفي أسعد أيامها شقاء؟ أين أودت بك دروس الأمسِ التي قد قالت لنا أن كلّ حالٍ سواء، مادام قلبك ثابتاً ووجدت الله، فمن وما فقدت؟

أضحك الآن، لأن جميع ما كتبتُهُ قد آمنت به .. ومثّلتُ يوماً كهولتي كالعيشِ على طرف الحياة، ومن يرى الأمور من أطرافها يسلم، يسلم لأن الخوضَ عنده لا يكون إلا بمقدار زاويتهِ مما يرى، ولطالما حَمتني ودفّئتني نار وحدتي التي شاهدتُ منها الأطراف عِوضاً عن الانغماس في الحكايا، فكانت حياتي رضىً…

أعيدها الآن، وأقصدُ نفسي تماماً .. لتوطين الرضى وتعميقِ جذور الارتكاز .. أنا اليوم بخير .. لوحدي بخير، إلى جانب ناري بخير، بطرفي على خير .. وسأكون بخير.

يبدوا الإنغماس في بوادرِ مايجلبك على الفرح، عليك جميلا..

يبدوا عليك البللُ من المطرِ؛ جميلا..

تبدوا عودة الحياة على وجنتيك وأنسام عطرها الجليل على أنفاسك وربيعُ سلامها في صدرك وانعكاسِ أصواتها على ملامحك، على سمعك، على بصيرتك؛ جميلا..

تبدوا جميلاً حينما ولّيتَ وجهك شطر قبلة السماء، وسمحت للأرضِ أن تطفوَ فيك..

تبدوا جميلاً حينما سلّمت همّك واستويت على خطوكَ وترافعت في شأنكَ واستسلمت..

تبدوا بهيّاً حينما سموتَ في تنازلك للأرض سجوداً ماجعلك في مواطن النجومِ أنفَا..

تبدوا جميلاً حينما ضعفتَ واتكلت، وانكسرت فواسيت كسورك بالمقاومة، وحزنت فداويت حُزنك بالتوكّلِ ورضيت، فدانت لك الفُرص وتفتّحت لك الأرضُ راغمة..

تبدوا جميلاً حينما احترمت ما كان، ورضيتَ عمّا مضى وسمحت له بأن يتلاشى منك ماجعل الدهشة تسري بين عروقك، وتحملك على الطفولة الدائمة..

تبدوا جميلاً حينما عَفوت وصفَحت، فكنتَ في فكرك الأكبر والأبلغ بالحريَة ما فتح لك من القادمِ آماداً من الآفاق والسعة..

توسّعت، وانغمستَ، وتجمّلت، وآمنت فأوتيتَ ونُعّمت؛ فكُنت جميلاً.. 

ولا عجب أن يدركني جمال الأيام منك والأمكنة، فيخون قلمي صحرائي اليابسة ويجلعني أكتب بكلّ ذلك الانهمال المطريّ البعيد….

كشموخ النخيل،

كجسارة السعف على قوانين الجمال، 

كعشبةٍ في إسمنتٍ صحراويّ،

كقشةٍ كانت حتميّةً حتى تقصم ظهر البعير

كذبابةٍ لا تهاب مُقلة الأسد،

كمؤمنٍ ينتظر الفرج

ككتابٍ مجهول يُسفر عن أجوبة

كمسافرٍ لبيئةٍ لا تعرف أهله،

كورقةِ نباتٍ تتدلّى ولا تزال تُنجب أوراقاً جديدة

كعزيمة المُختار لأحلامه

كالقابضِ على الفُرصةِ بنواجذه

كتنازع علوّ الأصوات بين المؤذّنين 

كوردةٍ بريّةٍ في ربيعٍ صحروايّ

كرقصةِ المُقاومين 

كابتسامةٍ في حرب

كعصفورٍ في مشفى

كضحكةٍ على سرير المرض

كدمعةٍ في حضور سعادة؛ 

نقاوم الحياة ونُسدل على الأوجاع ستار الأمل..

ثمّة ما هو نبيل وبريء فيما هو إنسانيّ وفطري ومتدّفق، هنالك ملمحٌ أحاول إمساكه في أصعب الظروفِ وجعاً، وهي الرغبة العارمة في الأمل من الكبار أو حينما لا يُدرك الطفل كيف عليه أن يكون أو كيف من المفترضِ أن يشعر، يرى الحقيقة في أمّ عينيه ولكن مردودهُ صمت.. طبيعة، وإنسان..

في الحياةِ ما أحاول التقاطه من البهاء.. من الفكر الذي لا يُهدَر، ومن غضاضةِ الرحمةِ واللين من جودة النفوس.. 

أريد أن أشاهد عِباب أمواجها وأسمعه، أنلا يفوتني الزَبد لأنني أنتظر الموجة القادمة دائماً، وأنلا أقاوم الانجراف.. 

عن تلك الميلانات الطفيفة على شواطئ العالم ما يجعلها بكلّ الانعطافات ساحرة .. آهـ لو كان لي مع الشطئان والماء ووسامة الغروب موعدٌ يوميّ ..! لكنتُ أسرفتُ في النظر….

في عمق الصعوبات هنالك ما أحاول تحكيم نفسي فيه وعليه، أن كلّ شيءٍ سيكون بخير، أن الله معنا، وأننا على قدر الحضورِ في العاصفةِ نستطيع الخروج منها.

مالذي يجعل الثبات سيّداً للرحلة؟ حتى ولو رأوك مختلفاً وبعيداً وقديماً عن “الأفكار الجديدة”؟

هو ما تراه في نفسك، ما تحسّه في يومك، وما تعيشه في واقعك..

يجعلك الشعور بالطمأنينة عبداً خالصاً لكلّ الأمور التي من شأنها أن تأخذك حتى أبعد مدى مما تؤمن بوجوده حتى ولو تخبّطت وارتبت، تعود، لعبادتك، لخضوعك، لفكرتك الدافئة عن الله كأنما تعود لمأوى في برد، وتنزعُ عنك معطف التشكيك عند الباب، وتدخل بقلبٍ راضٍ عن حكمته، ويدين حافيتين بالمقدرةِ سوى من طلب غايته ولباسٍ مبللٍّ بالدمع من مطرِ جميع الأسئلةِ والفلسفةِ والمنطق، داخلاً حُجرةً تكون فيها أعلى من نفسك، وأكبر من منطق عقلك.. خاضعاً للقلب، سارياً لما يشاء للروح أن تميل إليه، مستدفئاً بنور طريقٍ وافر، بشعلةِ حُبٍ لا تعرف الانطفاء، لمأوىً لا يتغيّر..

تدور الدنيا والعالم، تفتّش عن أكثر الحجرات رفاهيةً ما بوسعه أن يعطي عقلك بحبوحةً من السَعة، ثم ترجعُ فتجد أن لا مأوى بقادرٍ على منح دفئ اليقين ووُسعِ العالم الخالصِ كما مأواه، ذلك الذي يجعلك في دهشة تسليمٍ لا تنضب، ورحمةً في دربك لا تنقطع..

أيحدُثُ معك يا صديقي أن تحدّث نفسك أو شخصاً قريباً منك شيئاً صغيراً مما يقلقك، فتجد الجوابات تنهمل على مصراعيها بين يديك بعد وقتٍ بسيط؟ أيحدُث أن تحدّث روحك بالفضلِ فيزيد الفضلُ عليك؟ 

هل تعي حجم الدهشةِ حينما يكون لكلّ سؤالٍ لكلّ قلقٍ لكلّ حديثٍ مسيرةٌ من طمأنينةٍ وجواب؟

حينما أتبصّر بالمُضيّ والحدث، أراجعُ أن الله كان دائماً ما يرسلُ على روحي الرسائل.. هذه الأمور لا تأتي بشكلٍ مباشر، تكون باطنة، حدثٌ يُفضي لحدث وكلمةٌ تفضي لكلمةٍ توصُلك لإدراك، ذلك الإدراك هو الإيمان، أن ما جرّ سلسلة جميع تلك الأحداث والأقوال والرسائل والجُمل التي قيلت لك في مواضعها فجعلتك تتفكّر؛ ماسيّرها سوى حكيم.. وأن تعلم كيف تلتقط اشاراته، كيف يُخبرك عن نفسه، كيف يجعلك تُدهش وتضحك وتحنّ وتحبّ ولا ترجوا غيره ! ذلك نعيمٌ آخر..

المسير في جنب الإيمان مسيرٌ مع ضياء، مع قنديل، مع جوابات تقويّك على ظلمة النفق.. أمامك درب وخلفك ضلالٌ تركت منه نفسك ومضيت عنه، ما فات لم يكن بين يديك لإصلاحهِ وما هو آتٍ ليس تحت تصرّفك بل في تصرّف الحكيم، عليك فحسب أن تُمسك قنديلك بصدق، وترافقهُ بمحبة وتقرأُ من خلال الإبصار رحماته الصغيرة عليك، وتحبّها لأنك تميل عليه وتحبه..

اللهمّ يا من وسع ضياءه الظلمات، يا سيّد النور العظيم .. اسألك بنور أسمائك الواسعة أن تجعلنا لك وتُمضينا إليك راغبين توّاقين مفتقرين وأن تديم على نفوسنا رغبتها فيما عندك وأنلا نرجوا يا عظيم الكرم.. سواك.

يا لهذا السكون المحتّم، والوحدة التي ليس وراءها سوى دروس وأصوات ومواطنُ تعليمٍ تُمضيها على نفسك وتبقى معك..

يا لهذا الهدوء الحكيم العظيم الذي يجبرك على السكوت وقت الثرثرة..

يا لتلك الملامح الطفلة التي لا تعكسُ سوى روحكَ وتصوّراتك عن الحياة حتى ولو مضى بك الزمن..

يا لذلك الخيّال الذي يسافرُ بك حتى أبعد بوّاباتِ الدهشة ويطيرُ في سماوات آفاقك ويُنسيك ويسكرك..

يا لتلك العوالم التي تعيش بها، والغرف التي لا تنتهي في خياراتك ويا لحظوتها بإنتقاءك !

يا لتلك الأبواب التي تركتها، وتلك الأبواب التي فُتحت عليك من بعدها فكانت، وكُنت..

يا للفصول التي عَبرت على قصّتك، يا لليالي التي هدهدتك والولادات التي في خضمّ شِدّتها اعتصرتك حتى تكون على التجربةِ وليداً جديدا..

يا لرقّةِ إلتفاتتك للماضي حينما تستحضره، تراه ولا تغوصُ فيه، عالماً من كلّ منطقٍ ما شكّلك، عارفاً بكلّ فخرٍ من تكون، حاملاً همّك منطويٍ عن هموم غيرك، جاعلاً للناس من نفسك منافذَ من زجاج، ولكنّ شرفتك المفتوحةُ الوحيدة من روحك تكون لله..

يا لوسامةِ قراراتك التي تُفضي للمزيد من التعب، والمزيد من الرضى في آن!

يا للطافةِ أخطائك التي توجّهك للصعود ولا تربكك..

يا لجمال منفاك وهو يصارعك وتطرحه، ويعاقبك وتدفعه، ويهينيك فترفعه، ويؤويك فلا تخضع.. 

يا روعة البداوة في صفاء حقيقتها.. يا نفوسنا الأبيّة في وجه العُدوان.. يا صحارينا المُقفرةُ أمام اخضرار العالم، يا أبيضنا من الأيام يا سعة تكويننا يا عَدمنا ويا ماضينا ويا أرزاقنا ويا أجدادنا ويا مواويلنا وأغانينا..

إليكِ يا تلك الروح الجميلة أقولُ كلّ يومٍ بين الذكرى وبين النسيان وبين بناء الاعتقادِ والهروب من الأحزانِ وعلقم الذاكرة..

الجمال لا يكون أمراً نتعلمه، ولا درساً نتلقاه..

الجمال أمرٌ نجالسه في ذواتنا حتى نحسّه فينا ونصغي ونتتبع حتى نراه ونكونه ونحددّ دربه ونعيشه، وحتى نلمس الجمال، فلا بد أن نؤمن بالعزلة، ذلك القدرُ من السكون بوحدتنا ما يوجّه بعد الله لنا الطريق والدرب، ما يعلمنا ذلك الذي نحتاجه ونبتغيه حتى ولو كان على خِلاف العالم والدنيا، تلك الجوهرةُ الحيّةُ من قبس الحياة، من غلاوة المشهدِ وروعة الروح.. لوعةٌ هي الأيام حتى تُبدي لك تفصيلاً صغيراً حميماً تحسّ معهُ بالدهشه وتحفظهُ لحياة، كإنعكاسِ حُلم النهرِ بين الرمال، كواحةٍ في عينيّ بدويٍ عطشان، كفرحةٍ في السلام مع قافلةِ الحبيبةِ بعد حرب.. ككلّ الأشياء التي تشبهك.. لا قصيدةَ تكتبُ كما قصيدةٍ أخرى حتى ولو أخرجت بالاجتهادِ جميع قصائدك، هي معك لا تكون كما سواك، في لحظةِ تكوينٍ تقتربُ للجمال، لكلّ ما أعرفهُ وآئلفهُ منك، تقرّبني إليك ولو بالذكرى، وتُبعدني عنك ألف ميلٍ آخر.

دعوةٌ مفتوحة، على حجم الأمل..

أدعوك يا صديقي؛

أن نسترق من الحياة حلاوة أيامها، ونسرق لنفوسنا النظر ونستغرق في العُمق..

أن نبني من الكلمات ما يكون مساحتنا مع الآخرين ونوسّعها حدّ أن تملأ بالفضاء مدانا..

أدعوكَ ونفسي لجلساتٍ مطوّلةٍ مع الكلام، وبين الكلمات .. أن نتناول المعنى كمن يبحثُ عن طمأنينته وسط خوف..

أدعوك يا صديقي أن نخفف على ذواتنا وطأة الجزع ونستخرج من أعماقنا آفاق الرضى، فالحياة متاهات، وحياة راضية لا تشبه حياةً خاليةً من الرضى..

أدعوكَ يا صديقي أن نُصاحب الحب بكلّ ما يحمل في قلوبنا .. أن تهتزّ أصواتنا حين ننثُر حقيقته وننطلق منه، أن نقول جميع ما في صدورنا من خبأ، فاللغةُ كشفٌ ومكاشفة..

أدعوكَ يا صديقي أن نستحمل أيامنا على بطئ، ونتوائم مع سكونها آملين آمنين بفضل الكريم الواسع..

أدعوكَ يا صديقي معي لحياةٍ مُمتدة، لا يسوؤها الخلوّ ولا ترهقها العزلة ولا تَضمرُ دهشتها مع مرور الأيام، بل كُلما امتدّ بها المدى صارت بدواخلها أعرف وبألغازها أغزر وبفضولها تجاه معناها والأمور، أضوأ..

أدعوكَ يا صديقي لرحمة الإيمانِ حينما نعترف أننا ضعفاء بالنّقص والله وحده سيّد الكمالِ في هذا الكون، حياةً لا نضخّمُ فيها حجم البشر ويبقى في صدورنا خالقها أكبر من كلّ شيءٍ وأمر.. حياةً تشبهُ في جمالها حضور الله على هذا الكون ومدلولات جمالهِ وتفصيلهِ.. أن نعيش ببُعدٍ سماويٍّ خالص، فلا يضرّنا ما كان في الأرضِ ولا يمسّنا كلامٌ لم يُنزّل ونظلّ نسعى ونسعى عارفين أن من في السماءِ يُبصرُ ويرى..

أدعوكَ يا صديقي لحياةٍ مليئةٍ بالنور والطفولة والصباحات العامرة والشجر، فيها من الاستشفاءِ بقدرِ مافيها من البشر ومن الحب بقدرِ ما فيها من الأمل ومن السعادةِ بقدرِ ماتحملُ من الأحزان ولكنّ جودتها بأنها تعيشُ في الشعورِ كلّه فيمتلئُ منها القلب حبوراً وحضوراً.. لستُ أدعوكَ لغفلةٍ أو تمثيل، وإنما حياةٌ كاملة، بحجم الشعور والنور والرحمة والخيال والدهشة والإيمان والحضور والمعنى، بتفصيل إنسانيتنا وما نكون تماماً..

وحتى تُقبل يا صديقي العزيز على مداي، وترجع بعد سفر.. آملُ أن تكون دعوتي على مقاسِ قلبك واستجابتك.. 

وأرجوا أن تبقى بخير وعلى خير. 

وداعة الشيوخ حال يضحكون، وحال يشاهدون أشياء جديدة، يعرفها زماننا ولا يألفها زمانهم .. حال يُدهَشون فيفقدون من كان بوسعه أن يلازمهم في هذه الدهشة بالتحديد ومن كان سيصلُح لها..

وداعة العجائز حال الصلاة، تمرّدهنّ على الإمام السريع في السجدات.. يطلن السجود حتى أن تتمّ دعوتها ولو خالفت الإمام..

وداعة البحر الرقيق في شطئانه، العميق في جوفه .. وداعة الأمواج التي تأتيك كأنها جديدة، ليس كأنها قد سافرت آلاف الأميال حتى تصل إلى أطراف أصابعك قبل أن تعود..

وأنا أيضاً أريد أن لايكون وجودي مُكلفاً مهما حاولت أن أصل .. وأبتغي أن يكون وصولي كما الموج، أن يبدوا تلقائياً يصبّ في مصلحة المرفأ ولا يضرّني.. أريده وصولاً تلقائياً جليلاً خفيفاً حتى ولو طالت رحلتي في البحر وتنوّعت عليّ أشكال الطقوس فيها.. أبتغي أن تكون نفسي خفيفة، أن أعمل ما أعمله من دون أن أؤذي أحدا.. أريد لسفري أن يكون خفيفاً، وروحي أن تبقى خفيفةً هي الأخرى وعملي ولساني، أريدهما أن يبقيا ناضجين، ثقيلين كما يجبُ للثقل أن يكون..

وداعةُ النخيل في المطر.. 

طقسٌ من التجدد ، يرطّبها وهي حافيةٌ لا تألف الماء، مايجعلها تأوي إلى الماء في صعوباتها وتخبّئه وتتزوّد منه..

وأنا أيضاً أريد أن أكون كما النخلة.. أن أستطيع اعتياد الشمس والجفاف كما أعتاد الحب والمطر، وحينما لا يُمطرني وجود الأحباب بالسيلِ الهادرِ من الحبّ في قلبي أريد أن أتعلّم كيف أستدفئ بالشمس وأنضجُ ثماري ولا تحرقني، أن أتقن لعبتي مع فنود الحياة وإن تبدّلت أحوالها.. أن يكون الثبات في استقامتي موضعاً وليس حكايةً عابرة..

وادعةُ المدينةِ في آخر الليل، وأوّل الصباح..

وأنا أريد لذلك السكون أن يحلّ دائماً في نفسي، واحدٌ يثير أشجاني وآخرٌ يجددني، صمتٌ يكون كما طبيب أنفاسي، سكونٌ له طعم هواءٍ مختلف، ومددُ ضياءٍ مختلف، وألوان شعورٍ باردة، تأتي كما هدوء الفجر الأوّل ، جميلةً وغير مبررة .. أريد لسمائي أن تعرف كيف يكون السكون رغم كلّ حالٍ قابلٌ للحصول، أتخيّل، في كلّ معضلةٍ وانزعاج، شكل السماء في بتولها الأخير أو في سموّها الأول، فأطيرُ من عمق الخوفِ إلى مواطن السكون وأذكّر أن كلّ شيءٍ ماضٍ، وعلى كلّ ذلك الارتجاج أن يهدأ في نهاية الأمر..

وداعة كوب قهوةٍ يتقطّر، وداعة بقبقةِ الماء المتبقّي على السقوف وهو ينزل على الأروقةِ بعد ليلةٍ ممُطرة، وداعة الجوريّة الغبية حينما تزهرُ على شجرتي التي انتظرتها لمنتصف العام، ثم تذوي في يومين من شمسنا الحارقة، وداعة الرضيع الذي تتألم بواطنه ولا يعلمُ كيف يخبرُ عنها سوى بالإيماء كما القطط، وداعة شجر الحيّ، وداعةُ بيتٍ قديم، وداعة الدواليب المُهملة، وداعة الثمار الساقطةِ على الأرض حين حان وقت قطفها ولم يحملها أحد.. وداعتي وأنا أحاول سِراً أن أجد موضوعاً للكتابة، لأن الكلمات تتطاير، وأنا عبثاً أحاول جمعها وردّها من جديد لبوابةِ الأدب….

عائدين إلى ذواتنا من عُمق النسيانِ واللهو، 

نحاول معها فنَرى في التقرير ما يقول؛ 

أحياناً تكون الحياة لحظة، خصوصاً من مستقبلها.

أحيان تكون فكرة نقاومها، خصوصاً من كئابتها.

أحياناً تجتمع لك محاسنها فتكون بيت قصيدة، 

أحياناً تبقى كما حُلم،

وأحياناً تصفعنا بالواقع

أحياناً تتجوهرُ في أعيننا كلّ ملذاتها، 

وأحياناً تزولُ متعتها كتُراب..

قيل أن العربيّ يكرهُ الإقتناء وكثرة الجَمع ويحبّ المدى، يؤمن أن في الخلوّ صفاء، يُشبه في نفسهِ وفي تخلّيه رمال الصحراء الجديدة، رمال الصحراء النقيّة وكأنما هي في حركتها ورجوعها لأوّل خلقها في كلّ مرة،  تضللُ في بواطنها السرّ.. 

العربيّ خفيف .. يهنأ في تأمّلهِ الفضاء الفسيح، يأتي على الدُنيا بعمل، بارتباطٍ سماويّ، ثمّ يحبّ لو أنه ودّعَ ولو لم يترُك.. ماضيهِ فناء ومستقبلهُ سَعه.. يتروّى ولايطمع بالريّ، شحيحٌ على نفسهِ بقدرِ شُحّ صحراءه عليه، ناظرٌ للعلوّ كمرحلة، طامعٌ بالعاديّةِ كمساحة، عارفٌ بأن أقصى ما يكونه أن يكون نفسه، غير آبهٍ بما سيكون..

هذه الأرضُ انعكاسنا.. مرآتنا، ترابنا الذي منه نستمدّ أولوياتنا عليها، وهمومنا فيها، وعودتنا إليها.. كيف نبدوا بالنسبة لها يا ترى؟ سائرين؟ أبناء؟ أطفالاً متكبّرين لم يتعلموا بعد أن رجوعهم إلى جوفها؟.. هل نبدوا لها مزعجين، خرّبوها.. أم طيّبين مشوا عليها، وكم مشى من قبلهم من أمم..؟ وهل تحبنا كما نعشق أجزاءً منها ونشعُرُ أننا متغرّبين على كثيرها ؟ لا أعلم..

العودةُ إلى الذات من عُمق النسيان تقول:

الحياةُ مرحلةٌ للروح، الحياة مدرسةٌ للنفس، الحياةُ اختبارٌ للإيمان، الحياةُ ساحةٌ من الجوائز للمتأمّلين.

بالأمس كنت أستمع للدكتور طلال الخِضر حول دراسة العربيّ للدراسات الإسلامية في الغرب، وقد استخدم مُصطلحين أساسيين كُنت أعدّ نفسي أعرف فكرتهما التي انطبعت في نفسي من خلال التجربة، ولكنه حين ذكرهما أكّد عليّ وجودهما، قال على الدارسِ أن يمتلك أدوات نقدية يستطيع من خلالها أن يخاطب الغرب بما تعكسهُ ثقافتهُ على نفسه ومجتمعه ويعرف كيف يقرأ نتاجهم من زاويتهِ لا زاويتهم، إن غايتنا في العلم “التعرّف” كمصطلحٍ قرآني بينما كانت غايتهم في العلم عنا السيطرةُ والاستعمار.. 

ثم قال على الباحث أن يمتلك في نفسه ثقة حضارية بما يستطيع تقديمه وما يثق به.. عليه أن يعي أن الآخر ليس أفضل منه وإن تقدّم فالأفضليّة الحالية لا تلغي جودة الحضارة المتروكه .. لذلك فحينما تمضي إلى هناك كُن واثقاً من جمال حضارةٍ أنجبتك وكُن عالماً بمكانك الفسيح بين الأُمم..

لا أعلم متى صار لي رؤيتان للعالم، إحداهما من هويتي وأُخرى من زاوية الغربيّ الذي أثّرت عليَ ثقافتهُ منذ مراهقتي.. كلّ ما أعرفهُ أنني صرت الآن أستطيع الرؤية من جانبين ونقد الجانبين أيضاً متى احتجت .. ولكن مصطلح التعرّف أثارني حقاً، نحن مع الآخرين أدوات تعارف، لا نريد أن نقيس ذواتنا بأحجامهم ولسنا نريد أن نرى أنفسنا من خلالهم أو نقارننا بهم.. نستطيع أن نتعرّف ونتجاور ونبني الجسور ولا نلغي بعضنا.. ليس حياداً ولكن بالتصالح أمام الإختلاف الذي سيكون دائماً قائماً.. فهل سيكون..؟

أن نكون بالمسافة، بعيدين عن كلّ الذين يحبوننا.. متقاربين بالنفس والروح والأخبار والعاطفة.. وافرين  بالعطاء لأن شحنتنا مع ذواتنا تكون مليئة، وغرفتنا من الحب الداخليّ مغمورةً باللطف، لم يكن بيننا -في كل الذي نواجهه ونراه- من يمتصّ منا طاقاتنا بالمحبة، ورغبتنا في أن نكون أرقّ وأصلح وأفضل، لذلك كنا دوماً قادرين على أن نكون لأحبابنا الأبعد؛ رسائل محبة..

البُعد كان نقمة طفولتنا، اختبار حياتنا وحيدين، شحّ صداقاتنا لأننا لم نعرف يوماً كيف نبقى بين الآخرين،

ولكن البُعد صار نعمةُ نضوجنا، والبُعد تشكّل فصار رقّة عزلتنا ونديم ليالينا وأجمل أفكارنا.. زرع بيننا بذوراً من الأُنس بالذات والعائلة ولم يُفقدنا طعم الأحباب بل زاد من غلوُّهم، ومن قيمة وجودنا بينهم أيضاً.. صار لنا وزناً حين الحضور، فقداً حين الغياب، من دون أن نُضطّر لنلقي ذلك بتأكيد الفعلِ أو جزم الأحكام..

الغياب ألم، ولكن التواري جمال.. يؤتيكَ جمالاً لمن تحبّ.. يجعلك تقدّره بشكلٍ أعمق . قد قرأت يوماً أنه لا وجود لمصطلح “التخلّي والهجر” بالنسبة لعلاقاتك مع الناضجين، لا يسريان هذين المصطلحين إلا مع الأطفال دون السابعة، وما عداها فأنت لا تتخلّى عن الكبار، لربما هم من تخلّوا عن ذواتهم وطلبوا التعويض منك، من وجودك.. وهذا مالا يصحّ.. وهذا ما أتعلّم الاتساق معه في عمري الآن..

أجدُ والدتي تتُقنُ فنّ الحضور، والإقتراب وإن لم يكن لها عظيم انسجام.. لكنها تتقن كيف تكون أُماً، حتى ولو لم يكن من حولها أبناءً لها، ذلك ما يُفسَرُ قرب بعض الأقارب لروحها كوالدةٍ أكثر من والديهم الفعليين، والدتي تعرف كيف تُشعر الآخر وإن كان مهاجراً أو غريباً بالانتماء، لربما فقط تستطيع أن تستمع، أو ترحم، أو تتواجد بشكلٍ مضاعف.. فينتشر ذلك الإحساس في مجلسها ويفوح..

قد يبدأ والدي بالحديث، تتواصل قصصه، فترمقني والدتي بنظرةٍ مبتسمة.. تعطيه كلّ اهتمامها، كلّ استماعها، كلّ انحنائها لذكرى لربما قد كان يقولها للمرة الألف من حياتهما سوياً، ولكنها تستمع وتصغي وتتفاعل كأنها المرة الأولى، ليس لأنها تحبّ الحديث الطويل ولكن لمجرّد أن والدي يريد أن يروي القصة من جديد ويستذكرُ دروسها..

ولأن بُعدي قد كان دائماً.. وكوبي قد كان طيلة أيام المعرفةِ مملوئاً ومحمولاً بالمحبة ومتواجداً.. أخشى ياصديقي أن القُرب الدائم يخيفني ولا يهذّبني.. أن يثير في نفسي الملل عوضاً عن الحماسة، ولا يدفعني للكشف عن المخبوء حينما يبقى كلّ شيءٍ ظاهر.. أخشى أن القرب يأخذ من ذاتي مالا تأخذه المحبة في البُعد منها.. لستُ أخاف من كلّ السطوع الذي يظهر ولكنني أخشى من التلعثمِ بالفصاحةِ حال الوجود، أن أنسخ ما يكون أمامي وأعكسه في نفسي، أن يكون المرئيّ لي هو كلّ شيء، ولا أعطي الفرصة من شدة الحبس للرؤية من زاوية جديدة، والتغيير من خلالها.. أخشى مما سيكون أكثر مما هو كائن، لذلك فالاقتراب الشديد يكون دوماً علامة توجّس، وهاجسٌ مخيف من تلاشي الدهشة.. 

أقول لنفسي دائما فلنكن ناضجين.. ولنلقي بمايدهشنا فينا خلف اهتماماتنا ولنبدأ برؤية ما يملأنا من الحياة؛ ولنغترف.. وبتلك القناعة أواجه الأيام.