يا لهذا السكون المحتّم، والوحدة التي ليس وراءها سوى دروس وأصوات ومواطنُ تعليمٍ تُمضيها على نفسك وتبقى معك..

يا لهذا الهدوء الحكيم العظيم الذي يجبرك على السكوت وقت الثرثرة..

يا لتلك الملامح الطفلة التي لا تعكسُ سوى روحكَ وتصوّراتك عن الحياة حتى ولو مضى بك الزمن..

يا لذلك الخيّال الذي يسافرُ بك حتى أبعد بوّاباتِ الدهشة ويطيرُ في سماوات آفاقك ويُنسيك ويسكرك..

يا لتلك العوالم التي تعيش بها، والغرف التي لا تنتهي في خياراتك ويا لحظوتها بإنتقاءك !

يا لتلك الأبواب التي تركتها، وتلك الأبواب التي فُتحت عليك من بعدها فكانت، وكُنت..

يا للفصول التي عَبرت على قصّتك، يا لليالي التي هدهدتك والولادات التي في خضمّ شِدّتها اعتصرتك حتى تكون على التجربةِ وليداً جديدا..

يا لرقّةِ إلتفاتتك للماضي حينما تستحضره، تراه ولا تغوصُ فيه، عالماً من كلّ منطقٍ ما شكّلك، عارفاً بكلّ فخرٍ من تكون، حاملاً همّك منطويٍ عن هموم غيرك، جاعلاً للناس من نفسك منافذَ من زجاج، ولكنّ شرفتك المفتوحةُ الوحيدة من روحك تكون لله..

يا لوسامةِ قراراتك التي تُفضي للمزيد من التعب، والمزيد من الرضى في آن!

يا للطافةِ أخطائك التي توجّهك للصعود ولا تربكك..

يا لجمال منفاك وهو يصارعك وتطرحه، ويعاقبك وتدفعه، ويهينيك فترفعه، ويؤويك فلا تخضع.. 

يا روعة البداوة في صفاء حقيقتها.. يا نفوسنا الأبيّة في وجه العُدوان.. يا صحارينا المُقفرةُ أمام اخضرار العالم، يا أبيضنا من الأيام يا سعة تكويننا يا عَدمنا ويا ماضينا ويا أرزاقنا ويا أجدادنا ويا مواويلنا وأغانينا..

إليكِ يا تلك الروح الجميلة أقولُ كلّ يومٍ بين الذكرى وبين النسيان وبين بناء الاعتقادِ والهروب من الأحزانِ وعلقم الذاكرة..

الجمال لا يكون أمراً نتعلمه، ولا درساً نتلقاه..

الجمال أمرٌ نجالسه في ذواتنا حتى نحسّه فينا ونصغي ونتتبع حتى نراه ونكونه ونحددّ دربه ونعيشه، وحتى نلمس الجمال، فلا بد أن نؤمن بالعزلة، ذلك القدرُ من السكون بوحدتنا ما يوجّه بعد الله لنا الطريق والدرب، ما يعلمنا ذلك الذي نحتاجه ونبتغيه حتى ولو كان على خِلاف العالم والدنيا، تلك الجوهرةُ الحيّةُ من قبس الحياة، من غلاوة المشهدِ وروعة الروح.. لوعةٌ هي الأيام حتى تُبدي لك تفصيلاً صغيراً حميماً تحسّ معهُ بالدهشه وتحفظهُ لحياة، كإنعكاسِ حُلم النهرِ بين الرمال، كواحةٍ في عينيّ بدويٍ عطشان، كفرحةٍ في السلام مع قافلةِ الحبيبةِ بعد حرب.. ككلّ الأشياء التي تشبهك.. لا قصيدةَ تكتبُ كما قصيدةٍ أخرى حتى ولو أخرجت بالاجتهادِ جميع قصائدك، هي معك لا تكون كما سواك، في لحظةِ تكوينٍ تقتربُ للجمال، لكلّ ما أعرفهُ وآئلفهُ منك، تقرّبني إليك ولو بالذكرى، وتُبعدني عنك ألف ميلٍ آخر.

أضف تعليق