Wed.. 13.Mar.2024
3.Ramadan.1445
من قصيدة أناديك يا ملكي وحبيبي لمحمد علي شمس الدين :
“كان يجالسني فوق العشب على أكتاف مدينته
ويجاذبني أطراف الحلم وأطراف العالم
ينظرُ آناً للبحر وآوانة ينظر في بحر كآبته
فتهاجر من جفنيهِ حمامة وعد تظهر بعد الطوفان
ويقول بأن الله تكلّم في حنجرة العصفور
وحنجرة الوادي
وترنّم في حنجرة الإنسان
لا بأس قريبٌ منك الله إذن
وصلاتك أعمق من هذا البحر وأبعد من تلك الشطآن
فاغرف من نفسك
حتى تعرف نفسك
يا ملكي وحبيبي.”
تجولُ في نفسكَ طويلاً، حتى تخرج من الأيام برضىً يغمرك.. تتوجّس، تشكّ، ترضى، ثم تتيقّن، ثم يكون اليقين لك أعلى مراحل الهدوء، أعلاها بالإعتداد بالصمت الوافر،
لسكينةٍ تهديك دهشة الجلوس جمباً إلى جمب مع لذّة المعنى…
عن الصمت لا يتحدث أحد، ذلك أن مايجولُ فيه ومن خلاله يكون أبلغ من جميع الأصوات اللغوية، من جميع القصص البشرية، من جميع الأشعار التي تحاول كشف حجاب سرّهِ مرةً بالجمال ومرةً بالحب ومرةً بالحُزن .. من حيث يكون الصمت لوحدهِ عنوان.
يأتي السكون حليفاً للصمت الواعي.. سكونٌ لا يريد من دواخلك أن تتحرّك، وليسَ يستجدي العبثَ ولا يهديك هذه المساحة للّعب، إنما يكون صمتاً قويماً تستقرّ فيه وتهدأ أنفاسُك بعد يومٍ طويل مع الفكرة، تدخلهُ فتأوي للبيت بعد صراعٍ طويل مع اليوم؛ مع الحياة..
سمعت اليوم من كاتبةٍ كندية اسمها (لينزلي كاميرون ويلسون) كانت تقول أن ما يجعلنا نتّصل هو مشاركتنا لليوميّ، ما يجعلنا نقربُ من بعضنا البعض هو فضولنا خلف مايكون في اليوميّ، ما يجمعنا هو نشاطنا اليوميّ.. حينما تريد أن تتعرّف على أحدهم تقول له: “كيف تقضي يومك؟” وحينما تحبّ أحدهم تقول له: “كيف كان يومك؟” وحينما تواسي صديقاً تقول له: “في الغدِ سيكون حالكَ أفضل”..
ولطالما تسائلت في داخلي ماذا لو كانت الحياة هي اليوم..؟ ماذا لو أحسسنا في أعماقنا أن كلّ يومٍ لوحدِه لا يتكرر ؟ وقد يقول البعض أن شكل الأيام يبدوا واحداً.. ولكنها كلّ يومٍ تذهلني فكرة الإستيقاظ على حالٍ جديد في النفس، مطالعةُ الحالة التي أصحوا عليها ، فضولي تجاه مشاعر اليوم، عراكي الطويل حتى أؤدي ما أراه صحيحاً، ضجيج رأسي حتى أنغمس في الكتابة، استجلابي للمصطلحات التي تصفُ الدقّة خلف ما أحاول الوصول إليه..
اليوم الذي يبدأ وحيداً وننتهي فيه وحيدين بغضّ النظرِ عمّن بوسعنا أن نختلط به ونتحدّث معه..
اليوم الذي يعيدُ الله فيه لعينيك قدرتهما على رؤية الكلام وملاحظة الألوان والنظر للمدى البعييد آخر الشارع، الأذنين اللتانِ يمنحك فيهما الله قدرة سماع الأصوات، سماع الآذان، وسماع همس نفسك، حيثما ولّيت هنالك أصوات وهنالك عوالم خلفيّة تختبئُ وراء الصوتِ كما يُحجبُ بعض الكلام خلف النوايا والغايات..
يومٌ جديد من بداية النورِ وحتى أحلكِ السماء.. نعم يتكرر، لربما يتكرر الضوء وتعتاد العَتم ولكن الدهشة في ذلك التكرار..
يومٌ عن حياة .. تصحوا مرةً على أمل، تصحوا مرةً على خوفٍ من حُلم، فيختلطُ الحلم بالواقعيّ، فتضحك على نفسك..
يومٌ من الحديث الطويل بينك وبين نفسك، تقول، ماذا لو كُشفت ؟ ماذا لو كان حديثي يُسمَع..!
يومٌ تصغي فيه لجلال الصمت في نهايةِ ليلةٍ هادئة.. صمتٌ لا يثير الأسئلة ولا يستدعي الجوابات، صمتٌ متيقنٌ من غايته فيك .. يعرف أنه يأتيك بهُدنة سلام..
ماذا لو كانت الحياة، يوماً.. واليوم حياة؟