عائدين إلى ذواتنا من عُمق النسيانِ واللهو، 

نحاول معها فنَرى في التقرير ما يقول؛ 

أحياناً تكون الحياة لحظة، خصوصاً من مستقبلها.

أحيان تكون فكرة نقاومها، خصوصاً من كئابتها.

أحياناً تجتمع لك محاسنها فتكون بيت قصيدة، 

أحياناً تبقى كما حُلم،

وأحياناً تصفعنا بالواقع

أحياناً تتجوهرُ في أعيننا كلّ ملذاتها، 

وأحياناً تزولُ متعتها كتُراب..

قيل أن العربيّ يكرهُ الإقتناء وكثرة الجَمع ويحبّ المدى، يؤمن أن في الخلوّ صفاء، يُشبه في نفسهِ وفي تخلّيه رمال الصحراء الجديدة، رمال الصحراء النقيّة وكأنما هي في حركتها ورجوعها لأوّل خلقها في كلّ مرة،  تضللُ في بواطنها السرّ.. 

العربيّ خفيف .. يهنأ في تأمّلهِ الفضاء الفسيح، يأتي على الدُنيا بعمل، بارتباطٍ سماويّ، ثمّ يحبّ لو أنه ودّعَ ولو لم يترُك.. ماضيهِ فناء ومستقبلهُ سَعه.. يتروّى ولايطمع بالريّ، شحيحٌ على نفسهِ بقدرِ شُحّ صحراءه عليه، ناظرٌ للعلوّ كمرحلة، طامعٌ بالعاديّةِ كمساحة، عارفٌ بأن أقصى ما يكونه أن يكون نفسه، غير آبهٍ بما سيكون..

هذه الأرضُ انعكاسنا.. مرآتنا، ترابنا الذي منه نستمدّ أولوياتنا عليها، وهمومنا فيها، وعودتنا إليها.. كيف نبدوا بالنسبة لها يا ترى؟ سائرين؟ أبناء؟ أطفالاً متكبّرين لم يتعلموا بعد أن رجوعهم إلى جوفها؟.. هل نبدوا لها مزعجين، خرّبوها.. أم طيّبين مشوا عليها، وكم مشى من قبلهم من أمم..؟ وهل تحبنا كما نعشق أجزاءً منها ونشعُرُ أننا متغرّبين على كثيرها ؟ لا أعلم..

العودةُ إلى الذات من عُمق النسيان تقول:

الحياةُ مرحلةٌ للروح، الحياة مدرسةٌ للنفس، الحياةُ اختبارٌ للإيمان، الحياةُ ساحةٌ من الجوائز للمتأمّلين.

بالأمس كنت أستمع للدكتور طلال الخِضر حول دراسة العربيّ للدراسات الإسلامية في الغرب، وقد استخدم مُصطلحين أساسيين كُنت أعدّ نفسي أعرف فكرتهما التي انطبعت في نفسي من خلال التجربة، ولكنه حين ذكرهما أكّد عليّ وجودهما، قال على الدارسِ أن يمتلك أدوات نقدية يستطيع من خلالها أن يخاطب الغرب بما تعكسهُ ثقافتهُ على نفسه ومجتمعه ويعرف كيف يقرأ نتاجهم من زاويتهِ لا زاويتهم، إن غايتنا في العلم “التعرّف” كمصطلحٍ قرآني بينما كانت غايتهم في العلم عنا السيطرةُ والاستعمار.. 

ثم قال على الباحث أن يمتلك في نفسه ثقة حضارية بما يستطيع تقديمه وما يثق به.. عليه أن يعي أن الآخر ليس أفضل منه وإن تقدّم فالأفضليّة الحالية لا تلغي جودة الحضارة المتروكه .. لذلك فحينما تمضي إلى هناك كُن واثقاً من جمال حضارةٍ أنجبتك وكُن عالماً بمكانك الفسيح بين الأُمم..

لا أعلم متى صار لي رؤيتان للعالم، إحداهما من هويتي وأُخرى من زاوية الغربيّ الذي أثّرت عليَ ثقافتهُ منذ مراهقتي.. كلّ ما أعرفهُ أنني صرت الآن أستطيع الرؤية من جانبين ونقد الجانبين أيضاً متى احتجت .. ولكن مصطلح التعرّف أثارني حقاً، نحن مع الآخرين أدوات تعارف، لا نريد أن نقيس ذواتنا بأحجامهم ولسنا نريد أن نرى أنفسنا من خلالهم أو نقارننا بهم.. نستطيع أن نتعرّف ونتجاور ونبني الجسور ولا نلغي بعضنا.. ليس حياداً ولكن بالتصالح أمام الإختلاف الذي سيكون دائماً قائماً.. فهل سيكون..؟

أن نكون بالمسافة، بعيدين عن كلّ الذين يحبوننا.. متقاربين بالنفس والروح والأخبار والعاطفة.. وافرين  بالعطاء لأن شحنتنا مع ذواتنا تكون مليئة، وغرفتنا من الحب الداخليّ مغمورةً باللطف، لم يكن بيننا -في كل الذي نواجهه ونراه- من يمتصّ منا طاقاتنا بالمحبة، ورغبتنا في أن نكون أرقّ وأصلح وأفضل، لذلك كنا دوماً قادرين على أن نكون لأحبابنا الأبعد؛ رسائل محبة..

البُعد كان نقمة طفولتنا، اختبار حياتنا وحيدين، شحّ صداقاتنا لأننا لم نعرف يوماً كيف نبقى بين الآخرين،

ولكن البُعد صار نعمةُ نضوجنا، والبُعد تشكّل فصار رقّة عزلتنا ونديم ليالينا وأجمل أفكارنا.. زرع بيننا بذوراً من الأُنس بالذات والعائلة ولم يُفقدنا طعم الأحباب بل زاد من غلوُّهم، ومن قيمة وجودنا بينهم أيضاً.. صار لنا وزناً حين الحضور، فقداً حين الغياب، من دون أن نُضطّر لنلقي ذلك بتأكيد الفعلِ أو جزم الأحكام..

الغياب ألم، ولكن التواري جمال.. يؤتيكَ جمالاً لمن تحبّ.. يجعلك تقدّره بشكلٍ أعمق . قد قرأت يوماً أنه لا وجود لمصطلح “التخلّي والهجر” بالنسبة لعلاقاتك مع الناضجين، لا يسريان هذين المصطلحين إلا مع الأطفال دون السابعة، وما عداها فأنت لا تتخلّى عن الكبار، لربما هم من تخلّوا عن ذواتهم وطلبوا التعويض منك، من وجودك.. وهذا مالا يصحّ.. وهذا ما أتعلّم الاتساق معه في عمري الآن..

أجدُ والدتي تتُقنُ فنّ الحضور، والإقتراب وإن لم يكن لها عظيم انسجام.. لكنها تتقن كيف تكون أُماً، حتى ولو لم يكن من حولها أبناءً لها، ذلك ما يُفسَرُ قرب بعض الأقارب لروحها كوالدةٍ أكثر من والديهم الفعليين، والدتي تعرف كيف تُشعر الآخر وإن كان مهاجراً أو غريباً بالانتماء، لربما فقط تستطيع أن تستمع، أو ترحم، أو تتواجد بشكلٍ مضاعف.. فينتشر ذلك الإحساس في مجلسها ويفوح..

قد يبدأ والدي بالحديث، تتواصل قصصه، فترمقني والدتي بنظرةٍ مبتسمة.. تعطيه كلّ اهتمامها، كلّ استماعها، كلّ انحنائها لذكرى لربما قد كان يقولها للمرة الألف من حياتهما سوياً، ولكنها تستمع وتصغي وتتفاعل كأنها المرة الأولى، ليس لأنها تحبّ الحديث الطويل ولكن لمجرّد أن والدي يريد أن يروي القصة من جديد ويستذكرُ دروسها..

ولأن بُعدي قد كان دائماً.. وكوبي قد كان طيلة أيام المعرفةِ مملوئاً ومحمولاً بالمحبة ومتواجداً.. أخشى ياصديقي أن القُرب الدائم يخيفني ولا يهذّبني.. أن يثير في نفسي الملل عوضاً عن الحماسة، ولا يدفعني للكشف عن المخبوء حينما يبقى كلّ شيءٍ ظاهر.. أخشى أن القرب يأخذ من ذاتي مالا تأخذه المحبة في البُعد منها.. لستُ أخاف من كلّ السطوع الذي يظهر ولكنني أخشى من التلعثمِ بالفصاحةِ حال الوجود، أن أنسخ ما يكون أمامي وأعكسه في نفسي، أن يكون المرئيّ لي هو كلّ شيء، ولا أعطي الفرصة من شدة الحبس للرؤية من زاوية جديدة، والتغيير من خلالها.. أخشى مما سيكون أكثر مما هو كائن، لذلك فالاقتراب الشديد يكون دوماً علامة توجّس، وهاجسٌ مخيف من تلاشي الدهشة.. 

أقول لنفسي دائما فلنكن ناضجين.. ولنلقي بمايدهشنا فينا خلف اهتماماتنا ولنبدأ برؤية ما يملأنا من الحياة؛ ولنغترف.. وبتلك القناعة أواجه الأيام.

تسمع نصيحةً ما أثناء صراعك لأمرٍ ما تعيدك إلى فكرتك الأولى؛ لن تصفوا لك الحياة..

مرّت عليّ بالأمس.. كانت تقول: “في الحياة سيكون لديك دائماً مشاكل من نوعٍ ما، نزاعات، أخطاء تحاول إصلاحها .. ومع ذلك عليك أن تتعلّم كيف تستمع في عيشك وتشكر عيشتك رغماً عن ذلك الذي يشغلك، وتحاول إصلاحه.”

انني أجلسُ يا صديقي على ضفاف نفسي.. أعود إليها كمن يعودُ للبحر، للسمر، للنجاةِ من زِحامه لهدوء العُمق ورقّةِ النسيم وظلالِ الحكمة.. لبعض الناس تكون نفوسهم بالتحديد هي ما يهربون منه طيلة العُمر، بالنسبة لي، فأنا بعد الله إليها أعود.. فتمدّني، تضمّ روحي، تتقبّل أنفاسي وأخطائي، تفتح لي طريقاً من الأمل، تُفرجُ لي فسحةً من المقضيّ أو تحملني على سفينةٍ مما كان، تقول لي أن ما سيكون خيراً كما الذي كان، كما كلّ الذي عَبَر من الموج، ككلّ الذي قد كان في حالٍ ما يؤذيكِ فصار في نهايته موج، موجٌ يسبحُ في مداك.. لن تظلّ لن تغرق لن تتخلَى ولن يتم التخلّي عنكِ مني حينما تعرفين الله حقّا..

من وسط البحرِ يا صديقي يكون الموج هادئاً.. تكون السماء قريبة، والنجوم قريبة، بعيدين عن ضجيج المُدن والناس، وحدي أنا برفقة من أكون، في رحلتي الفرديّة، في وجودي الذي لا يثبته سوى إحساسي بأطرافي وهذا الجسد.. نتمايلُ مع الماء، ولكننا لا ننسى كيف نتراقص مع الميل، كيف نضحك، كيف نجدُ دهشةً ما من زاويةٍ مائلة، كيف نحافظ على الطفولةِ في دواخلنا، كيف نُبقي على قناديلنا حيّة، لا يمسّها منا لغوب، نصادقها بالانفتاح فتصدقنا برغبة التغيير، والاجتهاد، والممارسة، والطقوس.. فنظلّ نلعب.. نلعبُ معها بلا تعب..

لا أعرف كيف بالتحديد أكرمني الله ووجدتُ بعد البحث ضفافي وألفتُ بحري وخضتُ فيه الموج وسامرتهُ وأحببته، ولكنني أعرف جيداً يا صديقي أن الباحث ولو لم يلقى فهو يقترب، والسائلُ وإن لم يشبع فهو يغترف والمحاولُ وإن لم ينجح فهو شريف. 

التكرارات..

تكرار التسبيحات اليومية،

الأفكار التي تتكرر على النفس،

الوشوَشةُ في يومٍ ساكن، تتكرر 

تغاريد العصافير في الصباح، لا يبدوا في ألحانها المعادة اختلافاً كبيرا، تتكرر..

القصة التي استمعناها قبل النوم مراراً، نعرف خاتمتها ولكننا نرتاح لأنها تتكرر..

أغنياتنا المُفضّلة، ألحاننا المختارة من الموسيقى .. نختارها، نطرب لتكررها كلّ مرة..

الأيام التي نصحوا عليها ونحن نعرف تماماً من نكون، تتكرر.. 

الصلاة، بأفعالها وما نقول فيها؛ تتكرر.. 

البيت حينما يُعاد من أول القصيدة إلى آخرها، نستلذّ تكرار معناه..

الحقيقة أن قصّة حياتنا معبّأة بتكرارت لولا الاختصار لصارت جميع التفاصيل مُحبطة .. نحنُ ربما بشكلٍ ما نحافظ على التغيير، نتكلّم عن الأشياء التي تغيّرت فينا، نقبضُ على القَصص المختلفة والمشاهدات العذبة التي لامستنا في أيام، ولكن اللغز، السؤال، الحقيقة تنطوي غالباً أمام تلك التكرارات التي لا يعرفها سوى نحن من خلال علاقاتنا مع الأشياء وانعقادات الكلمات في صدورنا ومدى أثر التكرار ووعينا عليه..

حينما نتأمّل في حقيقة المطر، فالقطرات تتكرر حتى إن كانت حديثة عهدٍ بربّها وكلّ حبةٍ منه كانت وحيدة ومختلفة، إنما أُشير لفعل السقوطِ والإنهمال.. احساسٌ يتكرر على الأرض ، وفي كلّ تكرار دهشه، وفي كلّ هطولٍ نعمة، وفي كلّ كرةٍ فرح..

الفصول كذلك، لا جديد .. الثلج يهطُل على أماكن بعيدة، والبرد يتكرر على الصحراءِ المتجرّدة، الورود تزهرُ في الربيع، في الخريف يتساقطُ الشجر والشمس في الصيف تذيبنا من القيظ.. دورةٌ تتكرر، تعرفها الأرض ويلمسونها النباتات والبشر على حدٍ سواء..

من هو ذا الخارج من التكرار ولو غيّر أمكنته؟ لربما يرتحل المرتحلون لشيءٍ ثابت وجدوه في نفوسهم ولو تغيّر شكلُ الأرضِ أو البشر من أمامهم، لربما استطاعوا قتل تكرار المشاهدِ ولكنهم في نفوسهم عرفوا دورات تكرر الشعورِ فقبضوا عليه، واستأنسوا به، وحمدوه..

من هو ذا الذي ينفكّ عن التكرار ولو نما وانتمى، وإنني أُفكرُ أن بعض الدهشةِ يخبوا خلف شعور الشُكر على الرحمة .. أن نستشعر حجم النعمة في التكرار.. أن يدهشنا من ذواتنا حجم أن نعود وندور ونتقلّب ونتكرر ولا نتغيّر..

لا شيء يا صديقي يقطعُ فكرةً مؤذية تعود على نفسك وتتقافزُ على عقلك كطفلٍ صغيرٍ يقول لك: أنا هُنا، ورؤيتي حاضرة ، بقدرِ ما يجعلك تغمضُ عينيك وتتنفّس وتعترف بحضورها وتصغي لإلحاحها وتكونُ في جوابها والأخذِ بها حكيماً.. 

تأتي الحكمةُ من الصبرِ على أصدائنا في هذه الأرض، من الوعيِ على التكرارات، من رؤية الحياة من بوابة الرحيل، من الإصغاء والاستماع جيداً لكلّ ما بوسع الأرض أن توصله إليك وأن تقوله.. 

التكرار نعمة، التكرار رحمة، ولا يكون لهُ وصول .. وهذا أجملُ مافيه؛ دورانه.

الرجوع.. 

رجوع الأمور إلى محلّها.. الأفكار إلى أعشاشها الدافئة في النفس.. الكُتب إلى رفوفها النظيفة، الجسد إلى عاداته القويمة.. الفكرُ إلى أركانه..

الرجوع الذي يضمنُ توبتنا عن الخطأ.. الرجوع الذي يقوينا اشتداداً لاحتمال سوءات أنفسنا.. رجوعٌ يضمن لنا اكتمالنا بالمساحة التي وضعناها حتى نتقبّل، نتقبّل ذواتنا كما تكون..

هنالك حقلٌ أريد أن أتركهُ للمتحرّك من الذرّ، للباقي من الريح، للنسيم الذي يحمل البذور.. حقلٌ تلقائيّ لا يكون فيه خططٌ مسبقة ولا أحداث مستعجلة، قابلاً للريّ من أيّ مصدرٍ كان، وللنماء حسب أيّ زراعةٍ.. أريد أن أربّي في نفسي مساحة القبول في أن أبقى في شِعابي ولو تغيّر كلّ حال، أو بقيت الأحوال؛ أن أكون كما أنا..

أحياناً أفتّش في نفسي، اذاما كان هدوئي لضمانة الرجوع فحسب، لضمانة أنني سأعود لشرنقتي وأصعدُ إلى خلوتي وسأتخفف من الدنيا بما فيها، أم أنه الهدوء القويم الضامنِ للنفسِ رغم تغيّر المساحة وخنقها لبساطتي رغم ضخامتها؟ 

لمظفّر النواب بيتٌ قد حاكاني قال فيه:

“أنا إنسانٌ بسيط، ذهبتُ إلى الأشياء بلا قناع.”

وتسائلتُ في نفسي عن الأقنعة، كم مرةً كان عليّ ارتدائها وغفلت، أو نسيت، ثم تضائلت.. وكم قناعاً في الحياة علينا أن نرتدي، وهل كُنا من صدّنا عنها نخاف، نخاف أن نضيع بين نفوسنا بالأقنعة، أو يجذبنا إحداها فنهوي فيه..؟

حين الرجوع.. حينما تهدأُ العواصف جميعها أحبّ أن أذكّر نفسي أن لديّ الكثير من البدائل وتنتظرني الكثير من الأحلام والمتراكم لإقبال عليه، وعمله.. وحين أدركُ ذلك الصوت أتحسس أيضاً خواطري المختبأة خلف الأمور التي أشعرُ حقاً بجدارتها، بجدارتي لفعلها.. فتراني أبدأ خفيفاً خفيفاً ومن جديد.. البناء لا يتغيّر، ولكنه يتراكم.. والخبرات من خلال الصدّ والردّ، تكون في بيانها أفصح، وفي جمالها أبقى..

لك الحمد يا رب الإياب.. اجعلنا منك ومعك وفيك وإليك من الأوّابين.

يأتي الغروب.. مودّعاً 

تزفُر الأشجار بعد وقوفها ليومٍ طويل 

ترجع الطيور إلى أعشاشها بسلام،

يمسحون عن أتعابهم نهاراً طويلا..

الجميع أدّى مهمّته قبل حلول العتم، والشمس راحت تطلُع على مكانٍ جديد، ألقَت بنورها على حركةٍ ثم تركت جميع الأحياء للسكون..

لا يحلّ العتم مرةً واحدة، ترتّب الشمس رحيلها بالألوان، الأغمق من الأصفر، ثم البرتقاليّ فالأحمر.. تغمقُّ قليلاً قليلاً قبل أن تودّعك.. تبرر لك أنها راحلة، ليس لسوء ما فعلت ياصغيري بل لحُكم السماء.. لأنه وجَب وقت الرحيل..

العُشب كان حليفها في الصيف ويكون طفلها في الربيع.. يقدّم لها الورد ويسامحها جفافهُ بالشتاء، يختبئُ خلف الأبيضِ فيخبوا شعاعها..

الشمس ترحل .. وتضمنُ مع جمال رحيلها قُبلةً لبني البشر.. حيث في الليل بعدها تثورُ الشجون ويغنّي الناس وتُقدحُ قريحة الشعراء ويسهرُ العاشقون .. تتركُ هي للّيلِ مهمّة الفؤاد؛ أشجانه.. ومهمّة الروح؛  ارتفاعها.. ومهمّة الجسد؛ نسيانه..

حينما ترحل الشمس تتوقّف حياة البصر، وتُقدحُ شعلةَ حياة البصيرةِ وتشتعل.. أفكارك في الليلِ ليست هي أفكارك بالنهار ناهيك عن أفكارِ لحظة الغروب تلك، لحظةُ السحر تلك، لحظة مجدِ المودَّع تلك..

في الليل.. يزور القمر.. يخبُر أن أمنا الشمس ستعود، وأنه بضوءه سيكون الحارس حتى ولو ثرنا عليه واختبئنا منه وتشاغلنا عنه.. للقمرِ طاقةٌ هادئة ووديعة تشبهُ الأحضان..

الشمس قبل عودتها علينا، توقظُ الطيور أولاً.. ثم توقدُ اللون الأزرق في سماءنا وتبعثه، ثم رويداً رويداً تصبّ نورها على عيوننا وأفئدتنا وأرواحنا وتثير خبايانا التي غطَاها الليل وتفتّشُ عنا.. ثم تحلّ على جمالٍ في مكانها الصحيح.. الأحمرُ فالبرتقاليّ فالأصفر والأبيض.. تعود لتُحيينا..

بياض وحضور وإزهار.. الكون أوسع من نفسك

أدِر وجهك للإيمان، تسلم، وتعلَم.. 

تعلّم أن الله أكبر،

أكبر من دنيا تحتضنك وأموال تعطيك الرزق وأشخاص يملؤون فراغاتك.. 

الله أكبر.. 

أكبرُ من تجويفة جسدك وشقاء قلبك واشتياق أجنحة روحك للسماء.. 

الله أكبر..

والمدى أوسعُ من أحزانك الصغيرة، من أوجاعك القصيرة، من وقوفك وتردداتك..

الله أكبر..

والروح في هذه الدنيا تغترف، والجسد يظلّ يقترف بينما تكونُ نفسك أوسع وأكبر.. 

الله أكبر..

من حيث لا تضلّ ولا تشقى ولا تتعب، ما أمامك لا يشفع لما خلفك وما خلفك لا يكون سوى فيضٍ وما أنت إلا الندى..

الله أكبر..

والنور لا يُعرفُ إلا بعد عَتم، والإشراق لا يحلّ إلا بعد ظلام والفُكرُ لا يهتدي إلا بعد عميق ضلال السؤال وضآلة المؤمنِ دائماً ماتكون حكمته..

اللهُ أكبر..

ولقد أعطانا الأقدمون عناوين للوصول، لا نعلمُ من حيث كُنا نستكملُ السير أم نظلّ نتخطّفُ وتأكلُ رؤوسنا الطير.. ولكننا بالأحلامِ نحاول، نتجافى ببصيرتنا عن الموت، ونؤمّلُ بتخليد فكرة..

اللهُ أكبرُ يا عزيزي..

والقيود لا تكون إلا على الذين يبتعدونَ ولا يتقرّبون، والكون لا يكون سوى للأكبر..

أنباء وعلامات ومجاميع رؤىً لا تحولنا إلا لفكرةٍ نستفيض منها، وقوّةٍ نتدّثرُ بها ولمحةٍ على أطرافِ السماء تؤدي بنا للأقومِ والأكبر..

اللهمّ اجعل حضورك في هذا العقلِ علامة، وبقاءُ اليقين فيك والتوكّل عليك على حجم وجوده دائماً واجعلني منك وفيك وبك ومعك وإليك من الشاكرين المدركين المبصرين جلالك وعظمتك.. يا رب..

أن نخلق التفاصيل.. من عمق الصمت الخالص، 

أن يكون لنا من الحياة؛ مهدّئات.. وما يقول لنا حين نفزع ونسرع ونضيع أننا بخير، وعلى خير..

أن يكون لنا في الفراغات؛ استدراك عميق، للمعنى.. 

أن ينعجن الأمان في تكويننا لجميع خطاباتنا الداخليّة، ونلمسه..

أن نجاور ونتجاور ونحبّ ونُحَب ونتجاوز أتعاب العالمِ في سكون ذواتنا..

أن نُبقي وتبقى عاداتنا أموراً نؤديها فنستريح..

أن تتضاعف الكلمات التي بوسعها أن تصف جميع أحوالنا.. حتى نكتب فتكون لنا الكتابة خيمة، حماية، دفئ، وعنوان أمان..

أن نكون بخير، ونستشفّ من أيامنا القصص التي تشحذ رغباتنا في الحياة وتُضاعف أحلامنا وتبني بزاويتها جسوراً بيننا وبين عزيمتنا لنشعر بأننا قادرين على ما نحن قادرين عليه، ومسلّمين على مالم نكن لنقدر عليه..

أن نمتلك جبالاً من الوعي ولكننا نستخدمه، في الحال والشعور والمساحات والعلاقات مع الآخرين.. نصرفهُ ولا نبالي بارتفاعه وهبوطه، بل نكونه، ونتبنّاه..

أن يُرى فيك شيئاً ما.. أن تهَب الآخرين علامةً حتى ولو لم تكن متضمناً فيها، أن ترسل رسالةً من رسائل الله فتجري على لسانك بشكلٍ منساب، من دونما شعور.. 

أن تتمنّى فتُحصّل أمنيّتك ليقول لك الله من خلال التحصيل أنك بخير.. ولا تزال يا عبدي قريب..

أن يكون انسجامك مع نفسك متحلّقاً حول السماء، السَعه تفعلُ في دواخلك ما لا يفعله الأحباب ولا المقرّبين ولا الأصدقاء، النجوم ، ثلاثةٌ منها فقط هي التي تبدوا ساطعةً في سماء الرياض، تعطيك مع صمت الليل ما لايمنحه لك أيّما يحمل البهجة إليك ولو حاول..

كم هي بعيدة.. كم أنت قريب.. كم تكون صغيراً، وكم يكون الكون شاسع العَظمةِ والوُسع فما بالك بربّ الأكوان سبحانه..! صغير وحجم مشاكلك أمام سماء الليل يبدوا كما رأس الإبرة، أو أصغرُ بكثيير من ذلك، كلّ شيءٍ ماضٍ، ونحن على أجل .. بل لربما نحنُ نحقق الأجلَ من خلال ختم الأيام وابتدائها من جديد، حتى موعد الأجل..

أفكار صغيرة تزورك في العَتم، وتقاومها.. وأفكار كبيرة تزورك بين الناس، وتحاربها أو توثّقها، ما قام في صدرك كان واحداً ، ولكنّ اتجاهاً منه كان ملاكاً وآخر قد كان وخزاً من شيطان.. أنت وليّ أمر نفسك ووليّك الله، مصدر الفكرة واحد، ولكن بالقلب وحده نعالج أصعب ما فينا.. ريحٌ هو الإيمان تقتلعُ في سريانها أشجاراً من الشكوك والقلق المتجذّر والخوف، كلّ شيءٍ يغدوا بعدها ساكناً، بعد التحوقلِ والمشيِ والسماءِ والتذكّر، نكون بخير..

اللهمّ واجعل الإيمان فينا مرساةً للنجاة، وأشعل في صدورنا قدح المحبّة التي لايشغلنا في نورها وأنوارها عنك شخصاً من العالمين، واملأنا برغبة النجاة ورغبة الحياةِ ورغبة العبادةِ وحبك، حتى تكون استقامتنا على بابك ألذّ علينا من الدنيا وما فيها.. يا رب..