كنت اتأمّل البارحة في الحال، حالي .. ودنياي التي لو وجدتُ كلمةً واحدةً لوصفها لقُلت بأنها دوائر.. 

دوائر..

عليك أن تتعلّم، أن الحياة دوائرٌ ومشاعرٌ وتبادُل أحوال.. حالٌ لا يمضي، وحالٌ لا يبقى، وحالٌ هو يسير ولكنّ أهله على غير وعيٍ به.. فضلٌ بل فضائل عميقة وعظيمة ومتغيّره ومتسارعة وحاضره وحاصلة..

حصولٌ مستمر..

بين غمضةٍ عينٍ والتفاته؛ قدرٌ مُخبأٌ بين السماوات يتنزّل في باطن الأرض..

عيونٌ مختلفة.. تتلقّى تلك الأقدار على شكلِ دوائر.. تسري أو تحجمُ أو تتوقفُ لا ضير، سوى أنها تدور في هذا الفَلك..

كم من أفلاكٍ ومداراتٍ لم نعرفها بعد..! أليس يكفينا أن نكون بها أوعَى، وبشأنها أكثرُ إدراكاً أنها مراحل؟ وأنها تدورُ؟ وأنها وأنها على حلقاتٍ تكوّنُ مداراً من مرحلة؟ 

المراحلُ دوائرُ اذاً.. من قصةٍ إلى قصةٍ تتشابكُ مع نفسها، تستطردُ بالمجاز والتفصيل، تروحُ بعيداً وتتوسّع، وتظنُ أنها تكبُر ومن ثمَّ؛ يتضائلُ حجمها من مجرّد فكرة الرجوعِ إلى أوّل حبكتها، ويخفّ انتفاشها، وترجُع حلقةً صغيرة، كجنينٍ صغير، كقطعةٍ كمُضغةٍ كنشوةِ معنى إنسان، كقَدر..

قصصٌ صغيرةٌ هي الحياة، أفلاكٌ نظنّها كبيرةٌ هي المراحل، مواطنُ اللهوِ فيها تكون أروع حينما نبتعدُ عن الأساس وننسى المحوَر والنواة ونظلُ على أطرافِ الحلقةِ متنعّمين ببردِ اليوميّ حتى يتنسى لنا رؤيتها من بعيد، مفهوم الحلقة، لنرجع للدفئ في وسطها من جديد وندرُك بالوعيِ أن هذه الحياة مراحل..

أتفكرُ بالناس..

هم أيضاً يا إلهي قصصٌ واختلافاتٌ وانطلاقات ثانية، غامرة، متشعّبةٌ ومشبّعةٌ بالمعنى.. لكلٍ منا في حياته معنىً لو يستقيم لفضيلة الإدراك وصونِ الذاكرة ووعِي الدوائر..

استطردُ حتى أعود للدائرة.. 

حلقةُ حُفّاظٍ للقران، مجلسُ شورى، أرضٌ كما كُرة، كوبٌ للقهوةِ، قدحٌ للشايِ، فتحتُ أنفٍ، أطرافُ أصابعَ، تكويرةُ بطنِ الحاملِ، عينُ حمامٍ، صحنُ المائدةِ، جذوعِ الشجرُ المقطوعِ، بعضُ الثمرِ وحوضُ النخلةِ ..

تعودُ بي سلسلة القصصِ الخاصة بي حتى أتحلّق حول حوض النخلة.. أين تعود قصّتك..؟

الذكريات كنوز.. تصنع تصوّراتنا للحياة، ونحيا بها..

قد تنثرُ ذكرى طيّبه نفحةً على يومٍ عاديّ فتشعلُ في دواخلك الرغبة بالحياة، العودة للأمل.. وقد تمرّ أيام تكون بشخوصها هي الذكرى، كصفحات مليئة مليئة غامرة نريد أن نعود لفكّ سطورها بعد الهدوء، وتذوّق دروسها بعد صمت، وإعادة كتابتها بشكلٍ منمّقٍ يليق بها..

أتعلم يا صديقي؟ 

مُعضلتي تكمن في خوفي من كشف الوَرق.. أعلمُ ما كتبته على مرّ السنين لأنه عَبر على روحي أولاً، وأخافهُ لأن موعد الكشف يعني مواجهة الذات كما تكون، لأنه مادامت الأروراق مطويّة، فشكلُ الحلم بوسعه أن يبلغ أقصى مدى .. ولكننا حينما نفتحها، نحنُ نواجهها، نرانا كما نكون على مرآة الحقيقة، وهنا يحصُلُ أن نرتجف من الخطوِ للأمام ، لأن الكَشفَ يعرّي.. 

صديقي العزيز.. 

تعلّمت أن بين عين الرغبةِ وعين الحقيقة تسقط الكثير من أقنعتنا البشرية طمعاً بالرضى وشهوةً للمحبة.. قد نكذب عُمراً حتى لا يسقطُ جدار المحبة فنكون كما نكون..

حينما أتأمّل.. فالطفلُ بالأفعال يتعلّم، وليس بما يقال له من منصّة تربية.. فجميعنا نعرف الفضائل ولكن من ذا الذي يطبّقها على أرض الواقع؟ شحيحون هم.. ولأن الطفل يتعلّم بالممارسة، فنحن هنا نتربى بشكلٍ عميق على إبطان ما نُحسّه، وتورية ما نبتغيه حتى لانؤثّر أو نجذب الانتباه .. تظلّ فينا أشياء تريد الانتباه ، والإحساس ، والوعي.. ولكن الرغبة في توريتها سلامة.. قيل لنا أننا سليمون مادُمنا مستورين بغطاء الذات والصمت.. أليس على الجميع أن يكون مهذّباً لبقاً في نهاية الأمر..؟

أحسّ يا صديقي برغبة أن أبوح بصدقٍ من أكون، وعلى ماذا أُقيم أركاني.. أن أقيمها بثبات وقوامٍ لا أخجل منه، أن أبقيها نابضةً بكلّ حقيقتي وجميع ما أكتب.. أن أعير الانتباه لذاتي، لأفكاري التي تغيّرت أمام الخيارات، لعيني التي كبُرت وفكري الذي نضج وروحي التي أزهَرت.. أخجلُ من خجلي بالإعتراف أنني صرتُ مختلفةً في رؤيتي للحياة ، في اختياراتي، في كياني الذي ظننته عُمراً كاملاً كياناً لائقاً.. أن الآن واليوم وقبل مُدّةٍ قد تغيرتُ كثيراً، ومنه قد تغيّرت منطلقات رؤيتي للحياة .. لم أتبدّل لأنني لستُ المعدن الذي يصدأ ولكنني أريد أن لا أخشى من بريقي الموجود في قلبي، ولا أخجل منه .. أريد أن ما بقيت الحقيقة في صدري أن أكون لها، أركّبها، أتنفّسها واحيى بها حتى آخر معنىً وعلاقة وكلمة.. وأن أبقى على خير….

هل فكّرت يوماً أن العصافير لا تحتاج إلى من يوقظها؟ وأن الكون كلّه يُشرق مع الشمس؟ وأن النهار يُحيي، والأرضُ تشرق وتبتسم وتحزن كما نُشرق ونبتسم ونحزن في مراحل ..!

لست أعلم متى يجب علينا أن نكون متفتّحين ومتى ننغلق للزرعِ قبل الحرث ونصبر تحت الأرض قبل أن نشقّ أسوارها ولكنني أعرف أن الجميع لا يفكّرون بالطريقة نفسها وأن البذور تختلف ليس بمراحلها فحسب، بل وحتى في وجهتها ومقدار غذائها الذي تحتاجه من الشمس، إذا كان ذلك كذلك فعلينا أن نحترم .. خُلقنا لذات الغاية ولكن الله لم يُلزم أيّاً منا بتوقيت هدايته المحدد .. سنمشي على هذه الأرض، سنُخطئُ ألف مرةٍ قبل أن نتوب، ثم سنعود ونتردد حتى نعي جذورنا جيّداً ويكون لنا أمام النفسِ باب نميز ملامحه مع تقدّمنا في العُمر والتجربة ..

هل فكّرت يوماً من أين يأتي الإبداع ؟ ولماذا بحجم الموتِ تُولد ولاداتٌ جديدة ؟ ولماذا اعتدنا أن نسمع الفجيعة ولا نطوي لها أياماً كاملةً من العزاء؟ ولماذا نحنُ لاهون جداً أمام نكباتنا؟ لا لشيء، بل هو خدرٌ لا يؤدّي أما الإبداع فهو وليدُ عملٍ بعد فراغ تأمّلٍ عميق والولاداتُ كما الموت سُنّةُ وجود الإنسان على هذه الأرض والدمارُ الحاليّ نتيجةُ بُعدٍ قديم واستسلامٍ مخزي أمام الحال والإخوة والأرض ..

أعتقد يا صديقي أنني أسرفت في محاولة مواساتك والحقيقةُ ليس بأنك معزولٌ عن المواساةِ ولكن لأنك مُبتلّ وكلّ أدواتي التي أستطيع من خلالها مساعدتك على الدفئ لا تبرر حقيقة أن واقعنا اليوم مخيف .. ولكن دع الخوف لي ، وتمسّك بحبل نجاتك الأخير ؛ قوّتك ووسام شرف نزاهتك البعيدة عن عالمٍ يحترق بطمعه ..

هل فكّرت يوماً أنك قد خطوت خطواتك الأولى على الأرض فاحتفل الوالدان؟ وتركت صدر أمك بعد الرضاعةِ فتولّت؟ وأنك كنت تحبو وتقف وتسقط؟ 

كنت أتفكّر اليوم في الذين يحتاجون للغير بشكلٍ نفسانيّ حتى يكونون على أرضهم في اتزانٍ شعوريّ .. شعرت أن مراحل الناس في نفوسهم تختلف في الطفولة والنُضج ليس تبعاً للجسد فحسب بل وأيضاً للصحة النفسية .. فقد كنت تحتاج من يثبّتك على الأرض حينما كنت طفلاً أو من يمسُك يديك لتشعر بالثقة أمام خطواتك في الحياة حتى تولّيت كبيراً فأسقطت عن جسدك وهم الرغبة في السَند البشريّ وحملت نفسك .. فتعلّم الشُكر على عدم الاتكال …

هل فكرت يوماً في الفن؟ 

وكيف أنه يجمع البشر ، كبيرهم وصغيرهم ناضجهم وطفلهم على طاولةٍ واحدة ؟ وأن تذوّقه جزءٌ من معانينا ..! وأن سِرّ الارض كامنٌ في إعمارها ..!

نحنُ ياصديقي دائماً على  بُعد خطوةٍ واحدة من الفهم، مسافةٍ واحدةٍ من المشي، طريقةٌ واحدةٌ من التفكير، مسافةٌ قصيرةٌ من الفن، حتى نكون في ذواتنا أرحَب …

-رسول حمزاتوف/ داغستان بلدي.

هي كذاك يا رسول.. بالنسبة للشعر، وبالنسبة للكتابة.. فنحنُ ومهما حاولنا إجبار نفوسها على حضور الطقوس، إلا أن الروح عصيّة، والإلهام لا يهبطُ في البُقعة التي نريدها من الوقت دوماً بل وعلى العكس، قد يُباغتنا في أشدّ الأوقات حَرجاً عن الكتابة ونسياناً لها..

ابتسامة الدواخل على الأحاديث العابرة..

أجلسُ بسكون.. لاشيء يعبي هذا الفراغ الذي أسمع من خلاله صوت أنفاسي.. أُبارك لنفسي بدايةً جديدة، وأستدرِكُ جميع ماابتغي أن يكون في عامي الجديد حاضراً.. 

تصالحت مع الصباح والنور.. صارت الشمس مصدر طاقة وليست شعاعاً أفرّ منه.. صرت أرى الدفئ خلف الأشياء الظاهرة، أتذوّق التواقيت وأغوص في نفسي بشكلٍ أعمق..

ما أعد به نفسي الآن تجاه ما سيكون، أني أريد الهبوط على طقوسي بتذوّق، أن أحسّ بها بجميع حواسي كاملة.. أن أُحييها في نفسي خصوصاً حينما تحين ساعة الكتابة فالكلمات في نهاية الأمرِ لها حيواتٌ تستحقّ الإحتفاء والتأمّل، أريد أن أتذكّر النية التي دعتني للقيام بالأمور التي أؤمن بصحتها ومناسبتها لي فأنا أخشى أن أضيع في سرّ الواجبِ والخوف من عدم تمامهِ وأنسى سبب المحبة التي من انطلاقتها عرفت ما أعرفه.. 

ولأن الذكريات أبواب، ونحنُ حينما نهدأ، نبدأ بالتساؤلِ حول غايات القلق التي جعلتنا نتمم ما انتهى أمره -ككُل الأمور التي تعبر- بكلّ ذلك الشعور الضيّق من الرؤيةِ ونقول : لماذا كان لنا فيه نظرةٌ من القلقِ ولم نُدخله على ذواتنا من بوابةِ الرضى..! 

أريد أن أدخل من باب الرضى حافيةً من جميع توقعاتي على عامي الجديد .. راضيةً بكلّ ما وهبني الواهب وماسيكون..

لا تحتاج الكتابة منا غزير التجارب ولكنها تحتاج من صاحبها الإبصار والانغماس في فكرةٍ واحدة.. أن نضعَ للكلمات أوزاناً وأجنحة، أن نُسافرَ ونلمس السماء والغيم ونصعدُ الجبال ونقارُب الطير وننتشي في الغسق.. أن نصعد رؤوس النخيل ونؤنسن ونجسّد الجمادات ونجعل لها شعوراً وحكايا وزوايا من النظرِ، بل وآراء..! 

الكتابةُ يعني أن تحيا وفيما حولك  حيواتُ في جميع الأشياء، ستسمعُ همسها حيناً وتتولّى عنك أحيانا ولكن صمتك لن يعني يوماً السكوت من داخلك.. 

هي أن لا يكون العابرون من البشرِ سوى قصصٍ تمتزجُ فيك، وتتطبّعُ فيها..

هي قهوتك حين تحلو وصباحُك حينما يُكرِم ومكتبتُك حين تفيض وصديقة عقلك وغريمتهُ في آنٍ واحد..

الكتابةُ هي نفسك.

وبعيداً عن جلال الصمتِ وفراغ الدواخل وعصيان الكلماتِ ووصف الطقوس.. أرجوا أن يكون هذا العام مباركاً وخفيفاً بحجم المساحة التي بَقيت، والأشياء التي تركت.

انتبه يا رسول… لا تخنق العشب.

أحب الضحك البريء على الأحداث العابره..

أحب الأماني المتواضعه، لأن أصحابها لمسوا فَقد المألوف فحضوا بالحمد على نعمة الموجود دوماً..

أحبّ غيم السماء وامتزاج بياضه بالأزرق كعناق والدةٍ دافئ..

أحب ابتساماتنا على فكرةٍ مرّت بالبال فكان في صوتها سلوانا في جلسةٍ هادئة..

أحب اللّين والأشخاص العميقين وسريان المرتاحين مع ذواتهم ومع الحياة..

أحب صحرائنا ورمل مدينتي الأحمر حينما يزهوا بعد مطرٍ ويطيب، ثم يُكرمني بالمدى..

أحب الأصفر من الورد، أشعر أنه يخبّئ في سرّ جماله احتمالات الحياة كُلها، وكأنما في زُهوّ اصفره انتقامٌ للمعروف بالجفاف أن احتمال الحياة في اللون مُمكنا..

أحب الذين يحبّون ذواتهم.. أرتاح للذين يعرفون من يكونون، للذين لا نعيد في جلوسنا معهم تنقيح انفعالاتنا الطبيعية مع مجريات الحديث.. 

أحب تفاصيل الأيام، حينما تخبوا وتظهر وتختلف وتغور كما الشمس تحتجبُ خلف الغيم بجمالٍ قبل أن تبرز حكمة الدفئ والنور.. شيءٌ في احتجابها يكون أجمل..

أحب الأسئلة التي تحتاج عُمراً للجواب، تلك التي تخصّ كلّ تجربةٍ على حِده وكلّ انسانٍ لوحده ليجدَ جواباته المناسبة..

أحب الاختلاف بين الناس.. وجهات النظر التي تُثري موضوعاً واحداً 

أحب الايماء والتلميح والمرارغة على الفعل والتصريح والمباشرة.. 

أحب أن تأخذ الحياة وقتها، والأحداث وقتها، والمشاعر وقتها.. حتى تنبض وتنضُب أو تعلوا وتكون سلاما..

أحب من ملامح أخلاق البشر الهدوء والحياء والمسؤولية والأمانة والاكتفاء.. أحب أن يشبه الناس أنفسهم..

يا رب.. جمّلنا بالجميل الذي ترضى، وزيّن نفوسنا بالتقوى واجعلنا من الصالحين وثبّتنا حتى نلقاك يا أرحم الرحمين..

قد أكون تعلّمت الكثير عني في الفترة الماضية كما لم أتعلّمهُ في حال انغماسي في اشياء كثيرة، وكبيرة.. وأشعرُ رغم اسراف المعذرةِ أن في داخلي اشياء تحتاجني.. تحتاجني بأن أتغيّر..

مثلاً .. لماذا من السهل أن نعيد أخطائنا المألوفة مرّتين؟ 

ولمَ أحياناً نريد أشياء متناقضة، أو ننشدُ فكرةً ثم نهربُ منها حين تكون..؟

ولمَ يبدوا الصحيح صعباً دائماً بينما تكون ممارساتنا الخاطئة أسهل على النفس..؟ لماذا نميل للاستمتاع بالذنوب ونحن نعرف عواقبها؟

حُب النفس في أن ترفعها ولكن لماذا أراها تتوق وتخشى وحدتها كلّما جاوزت عن الأرضِ السحابَ وارتفعت..! هذا الطين يا صديقي يكون لزاما، خَلقُ الله على هذا الجسدِ فيما نقاوم أن نكون طيناً، نجنَحُ للروح ولكنّ الباقي فيما يزال بين أيدينا.. لا نعلم مدّة الوقت الباقي ولكننا نعلم أنه موجودٌ بقدر ما ندركُ أننا موجودين..

أتفكّر.. لماذا تنعقدُ عندي فكرة السعادة بفكرة الشقاء..؟ في كلّ مرةٍ أضحك، ألهوا، وأنغمس؛ أتذكّر.. شيء ما يسحبني من الدوران ويعيدُني أحزانيَ الأولى.. فهل كان لزاماً أن أدرك السماء باكراً وألمس شواهِقَ النخيل في عُمري الأوّل من وحدتي حتى لا أضيع في زحام الحياة وزخمِ اللهوِ الأرضيّ المكثّف منها..! 

أفكاري قطيعٌ لا يهدأ.. يُدركه العطش فيمضي ويمضي على سهولٍ وجبال، يَفرُطُ مني أحياناً وأجمعهُ حيناً ولكنه لايعرفُ كيف يتوقّف. لطالما قلتُ للناس أن يوقفوا قطيعهم ويتعلّموا الصبر والسكون.. ما أخشاه أن قطيعي لم يتوقّف يوماً وما أخشاه أنه قد صار صعباً عليّ أن أشرح المسافة، فأنا في سفرٍ دائم وقطيعي يحكمني ولا أحكمه.. فلقد لجمتُ نفسي بالعزلة منذ جبلٍ طويلٍ حتى أحببتها واستسلمت لرهبتها حتى ربّيتني عليها .. لذلك لا يزال الارتخاء صعباً، خيوطي مشدودة، أحمالي على أكتاف الأنعام لا تستقرّ، تأتي ريح من هنا وهنالك، يلطّخُ وجهي التراب تارةً والأمطار بالبشائر تارةً أخرى ولكنني أمضي وأمضي طويلاً ولا أتوقّف..

فلربما هي الحياة مُضيُّ رغم كلّ شيء، ولربما هي صبرُ التوقّفُ رغم الخجلِ من الحال، ولربما هي جمعُ قطيعي أو انتشاره، ولربما هي البحثُ الدائمُ عن الماء؛ عن النعمة، عن التحرر من العبثِ وصفاء الجبال البعيد.. ولربما هي جميع جميع تلك الأشياء مجتمعةً في نفسٍ واحدة.. لربما هي نفسي التي لا تعرفُ من خلال استقرارها في مكانٍ واحد كيف تستكينُ في خيال.

تتقلّب صفحات الأيام وتكبّرُ مع مضيّها قصتين، الأولى تُعنى بحجم الشعور والثانية تأتي على قدرِ تفاصيل الواقعِ ومابين الاثنين قصص وحكايا وكثير من الأسئلة بعضها يثير وبعضها يعبُر وبعضها يشكّل فينا انحنائات لم تكن لتعطي من جوهرها قامتنا الأسلم لولا عبورنا على جسر التفكّر والمحنِ والنقص حتى نرسوا من جديد..

أعود..

أرجع لترتيب نفسي في داخلي، أنفض عنها العوالق، أضبطُ موجتها على وقعِ الاستبطاء الخفيف الذي أحبه.. وأنا معها بين شدٍ من الوترِ وجذب، تريد الانعتاق مما تعلمه وأريد منها أن تعود لانضباطها المعهود على طقوسي.. أتبسّم ، لأن شيئاً مما قد كنت أكرهُ في طفولتي من القيد أراني الآن أختارهُ، ولكني في هذا الوقت أختارهُ بتمعّن ووعي الذي يعلم أن في الرجوع كنوزٌ لاتجدها في دهشة العابرِ وضجّة المتغيّرات الدائمة التي لا تجُد بين أصواتها صدى أنفاسك..

الصدى..

ذلك الذي قد نُسرف عمراً باحثين عن فحواه، من نحن وما نكون، كيف نسمعنا، وكيف يسمعنا الآخرون؟ كيف نريد أن يكون أو كيف نريد نحنُ أن نكون.. هل نسمّي الأشياء بأسمائها حقاً، وهل نريد؟ أم علينا أن نجدد لربما في التجديد ما يفيد، لكن ماذا لو كان التراكُم أولى من البناء الحديث الصغير في كلّ مكان..! 

الموج البطيء..

شاهدتُه ياعزيزي مؤخراً.. كان عذباً نابضاً بالحياة، وكأنه النُقطة الأخيرة من امتدادٍ طويل لسفرِ هذا الماء حتى يكون زبدا.. عبَرت عليهِ قرونٌ من التعب ودهورٌ وشمسٌ وصار غيمةً ثم نزل إلى الأرض.. سافر طويلاً حتى يتقدّم ليلامس أطراف أصابع قدميّ الملهوفةَ شوقاً للبحرِ ودهشته منذ نعومتها.. الموج البطيء ياصغيري له صوت، وصوته يُشبهك اذاما كنت باحثاً عن حقيقة الطبيعة وحقيقة الحياة.. ذلك أنه قادمٌ من رحم الأرض، من بطنها وسطحها حتى قبّل ثغر اليابسةِ وارتطم بعد سفرِ الهواءِ بزَبده وماكان إلا ليعود، وتلك مثابرتنا مع الحياة، نرتطمُ ونعود.. 

القيدُ والطقس..

النفس يا صغيري لا تغترّ دوماً بهبةِ المألوفِ جداً والمتوقّعِ أو هي ماعادت تفضّلهُ في هذا الزمنِ الدعائيّ الهشّ الذي يغريها بالجديد من الأمرِ في كلّ مرحلة.. ولكن ثمّة ما يكونُ في الغوصِ والتحديق مايجعل السلامه، كلّ السلامة في الاستمرار، في العاديّ، في تبصّر النعمة ثم شكرها شكراً يليق.. حتى تسكنَ هذه الرغبة بالتملّك والامتلاك للجديد، هناك.. حينما نسافرُ من سكون، تنضب الدهشه ويحلّ محلّها شعورُ الابتسامةِ تجاه الجمال، ذلك أن العابرَ والمختلف لا يُمتلك، إنما هو وحيٌ وإلهام.. نعودُ لذكراه ولا نعود إليه بنفسه.. ليبقى الطقسُ والقيد هما حبلين نقيّد بهما الأيام ونبني من خلالهما الطريق الطويل لهذه النفس بحدود التقوى نحجّم جموحها ونباركُ خفّتها وندعوها للصلاح والتهذّب والعلمِ والتعلّم والحِلم والتحلّم حتى تغدوا سليمةً ومعافاة..

صديقي العزيز.. 

أشعُر أنني كُلّما أكبُر، أقدّر الموجود بشكلٍ أعمق.. أتحسس النعمة بروح أصفى، أبتلع الحياة بلقماتٍ أبطأ وأخفّ، أسري مع الزمن ولا أسابقه، أستنشقه.. أتطيّب به، أحتفي بجمالهِ ولكنني لا أرغب بتملّكه، أبارك العابرين عليّ ولا أحملهم معي، أضعُ حقائب السفرِ وأعود ولكنّ شيئاً مني لا يريد البقاء فيما تركت إن تركت وشيءٌ كبير مني يريد العودةَ كلّما فارقت مكاني وكأن الروح.. كأن الروح يا صديقي تعتاد وتستكين لما وُهبَت حينما تتفكّر أن الموجود هو كلّما تبحثُ عنه وهو كلّ ما ينقصها.. يكون هنا الغنى امتلاء الرضى لا رغبة التغيير.. 

اللهمّ شأناً وطريقاً يرضيك ونفساً تحبّك وروحاً طاهرةً ترتجي السلامة من جميع مافي الأرضِ لما في السماء.