الغنيّ ليس حيثما يكون، بل كيفما يعامُل تفاصيله.

لطالما تقدّمنا خطوات طويلة في تحصيل الحاصل وتقويم المختلّ وبرهَنةِ التقادم، ولكننا ننسى أن التأصيل هو نقطة الصفرِ في كلّ أمرٍ وهو عنوان الفكرة. حينما نضيع نعود للفكرة، وحينما لا تكون فكرة لايكون الانطلاق إلا نسيمٌ تحرّك من غير مبتدأٍ وراح في مهبّ الريح..

صديقي العزيز..

تعالَ واقترب من بحر الحقيقة.. أعدك أن سيربُكك ولكنه سيشدّنا سوياً كما مصفوفةِ الحجر حينما يحجز الماء من التبعثر.. 

انظر معي للمدى، أخذنا الوقت طويلاً طويلاً قبل أن نرى، وها نحن نقترب والوصول يشبهنا، نحن هنا.. في هذه البقعة من المعلوم وهمّنا أن نكون كما عَلم، أن ندعوا وجوه المغتربين الباحثين على هذه الأرض.. أن نطرح غرورنا جانباً ونبدأ بفعلِ الذي قد كان ينتظرنا، لا شيء يغيّب وجه الحقيقةِ ولو ظلّت عنّا.. ولكن الجزم بوجودها هو البوصلة..

صديقي العزيز..

حينما تُمسك خيطك، ستبدوا كلّ الأشياء التي ظننتها يوماً تافهة، في محلّها الصحيح. وستعلم أن حياتك تأخذ مجراها على شكل الطبيعة الربّانيّة لا كما شاء لها البشر.. أنت دفقٌ عزيزٌ حينما تكون الفطرةُ منبعك والحقيقةُ وجهتك والوصول غايتك والأخلاق مسارك والعدلُ شعارك ونيّتك.

نحن بخيرٍ ياصديقي مادُمنا نحسّ ونقاوم عن مبدأ، عن حلقةِ هويةٍ لا تحيلنا للضعفِ ولكنها تحملنا للقوّة، نحن بخيرٍ حينما نستسلم، فنمدّ الكفّ ونغضّ الطرف ونقيم فينا تهذيب النفس كدليل وكعلامة..

وأنا أتمنى يا صديقي.. أن يكون أثرنا طيّباً على هذه الأرض يخبُر عن عبور مفكّرين حملوا همّ أن يكونون هُم.. لحموا قطعةً على قطعةٍ في الدرب حتى صار صعوداً.. تخابروا بالجديد فاستمعوا له وطربوا للصدقِ فحققوه وكانوا لمن حولهم أطواق نجاة ولمن بعدهم مراجعُ أجوبه.. مفكّرين عاشوا بهمّ الأسئلةِ ولكنهم كانوا مُخبرين عن غضاضة السموّ البشريّ. وملائيكية الوجود الأرضيّ الذي لا يكون شحيحاً حينما نختار أن نجعله بالإيمان ذو غاية..

يا الله.. أنت كفيل القوت والقوة والفكرة والكلمة والسؤال والجواب.. ارزقنا يا رب وبارك لنا فيما أعطيت وامنحنا صدق الإحساس وبلاغة الكلام وحُسن التواصل ومهارة الوصول انك قديرٌ مجيد.

يا رب.. 

أن نفهم حال العالم الذي نقوم عليه، ونكون فيه.. 

أن نعي حجم أدوارنا في الحياة وفي أيّ منها نكون..

أن نتعلّم قبل أن نصاب بالسفهاء منا..

أن تلهمنا صحّة اللسان مع حجم المواقف وحكمة التبدّي فلا نقول مالا نعلم ونعي مانقول ولا نؤذي فيما بينهما عبداً من عبادك..

برّئنا يا الله من ذموم خلقك وشياطين انسك وجنك..

صديقي العزيز..

البحر يتلعثم في موجٍ لطيف، يريد أن يحكي لي حكاية الشمس ولكنّ الليل خيّم، فصار بين انعكاسات أنوار الشوارع فضاءً متبتلاً خاضعاً لصنارات الصيادين، وهاجس الأحباب وزحام الزائرين.. تبدوا لي فيه حكايةٌ طويلة لم تروى بعد..

وللبحر قصّته مع الليل ولي أنا ياصديقي قصةٌ أخرى معه.. أيصحّ لي القول أني أشعر ببحر الخليج ينساب في داخلي؟ فكلّما شعرت بالغُربة تذكرت رقّة موجه فسكنت وعذوبةِ مداه فاطمئننت وصبري بشوقٍ إليه حتى الرحلة القادمة؛ فاستعدت ابتساماتي ورضيت..!

أحبهُ كيف يجمع الغرباء، كيف أن له في كلّ إنسانٍ منا حكاية ، كيف يعلم أسرار العالمين ولا يكشف سرّه، كيف تبدوا كلّ صورةٍ له مختلفه..! البحر لا يتوقّف على صورةٍ ثابتة، وإن كان هنالكَ مثلٌ حيّ للصيرورةِ لقُلت أن الماء على سطح الأرض، الجاري منه، يمثّل التغيير الواجب على هذا العالم..

التغيير .. التغيير .. ماهو الحميد منه اذاما كان كلّ شيء يتغيّر..؟

أن نغيّر ما في أنفسنا، حتى نكون أقوم.. 

ونشدّ على أحلامنا حتى نكون بالأملِ أقوى، 

وأن نستحسن الخسارة الحالية لأجل المكسب النهائيّ، 

وأن نكون بالمحبّة والنيّةِ أبلغ منا بالفعلِ والكلمات..

التغيير الذي يشدّ عضُد الإيمان فينا هو التغيير..

ماذا لو كان تأثيري مقدارَ قطرةِ ماءٍ على هذه الأرض ..! ماذا لو علمت أن قطرةً قطرةً تبدأ ببحيرةٍ ثم نهرٍ وبحر، ثم محيطٍ بوسعهِ أن يثور في الأعاصير.. ماذا لو كنتُ مجرّد قطرة، في ذلك السيل الكبير من الماء..! 

أتسمعُ ياصديقي صوت البحر ؟ أُحسّه يناديني ، وما أنا إلا قطرةٌ من ماء سقطت في لُجّة حياةٍ كبيرة بدئها لمسةُ أثر وختامها انسيابٌ أبديّ يُطلّ بسطحٍ مهيب وعُمقٍ لا يتوقّف..

صديقي العزيز..

للكاتبِ يبدوا الخيال جزءً من الحقيقة.. الحقيقة التي يريد أن يكون فيها، ولك أن تتخيّل كمّ العوالم في أمانياتِ نفسٍ واحدة..! أكوان وشخوص ومواضع ومشاعر غفيرة وكبيرة منسيّة ومذكورة، تفاصيل لا تخبوا على عين الشعراء في هذا العالم، عابرةً وقد تعني للبعض حياة، إن كلّ إيمائه ولفته وثقة وشخص وطفل وعينين ولسان وطريقة ولباس وتقليد وطقس وحيوان وشجرة وطبيعة وخُلق ونظرة وكلمة ومحاولة.. كلها كلها أبيات شعرٍ لمن يحسّها ويضيعُ في سبيل وصفها وتقديرها وتذوّقها بعمق .. هذه الحياةُ ياصغيري ليست سوى جُزءٍ من اللعبِ في هذا الخيال، وللعقلِ منّا نعمةُ الكلمات وملاذُ النسيانِ من التذكّر..

صديقي العزيز..

للحياة طريقتها في جعلنا نشاهد الأمور بانصاف وبدقّةٍ أجدّ ووضوحٍ أدقّ.. والوقت الذي لا يكشفُ لك طبيعة الناس من حولك هو وقتٌ زائف ترى فيه شكل التواصل ولكنك لا تعرف من خلاله قيمة الاتصال، والاتصال قد لا يكون بشكلٍ وديّ ومباشر مع الآخرين لنعرفهم حقّ المعرفة، ولكنه قد يكون من خلال التحليل ورؤيتهم كما يكونون.. بمنازلهم التي يكونونها ومواضعهم التي يبقونها في حيواتنا، فالرؤية التي تقرّبك لذاتك بالرحمة تكون معرفة ومحبة، والخوف الذي يجلبك للكراهية حجاب.. 

سواءً ياصديقي كنت قطرة ماءٍ أو خيالٌ في أمنيات كتاباتي أو جسراً فوق حقيقتي من باب الخوف الى رحمة المحبة.. فلتلعم دائماً أنك باقٍ رغم عبور آخرين، لأنك بالكلمات تُكتب وبها عندي تكون..

فمرةً ازرعهُ في ورقات نبتِ غُرفتك

ومرةً اجعلهُ في الكتاب قبل النوم 

ومرةً كوّمه تحت الوسادة وفي دفئ السرير

أو اجعلهُ مرتبطاً في مشاهداتك على أكتاف الآخرين

أو في عينيّ والديكَ وابتسامات الصغار

أو في دولاب ملابسك تحت الجورب الذي تحبّه بالتحديد..

أو اجعلهُ في غرفة تمرينك أو مشيتك اليومية على ساعتك التي تحسب دّقات الدقائق ونبضات قلبك

او اتركه على الماء الذي ينساب في استحمامتك حين تُطرقُ وتفكّر،

او اغرسه بين النجوم ليبقى.. 

المهمّ أن لا تصدّ عنه في اليوميّ بين أعمق تفاصيلك، 

المهمّ أن تعود إليهِ كلّما زاد إلحاح الحياة عليك أن تتخلّى عنه، 

المهمّ أن تجذبهُ من بحرِ إيمانك وتستعذب الصبرَ على كمّ الرزق المكثّف الذي يأتي في شبّاكك بعد طول صمتٍ واحتساب.. فالصيد يكونُ مختلفاً في كلّ فصلٍ ولكنه على أيّ حالٍ يقوم، في الجوع أو في الكفاية.. والبحرُ موّالٌ من قديم الشِقوةِ ولكنه مليءٌ وكريم..

وكلما أقتنعت أنك هالكٌ أو أن لليأسِ باب؛ ارجع إليه وفتّش عنه وأوجدهُ. 

فنحن بالأملِ نزرع ونرسوا وبالأملِ ننموا ونبقى وفيه وبه ومن خلاله نستجمع الدمَ ونقاوم العيشَ ونتبنّى طاقة الأمانةِ فينا ونحملها باشتداد، 

وسواءً طبخته فكان مُراً أو مالحاً أو أتقنت وصفتهُ أو أحرقته أو لم تحرقه، فهو على مائدة الحياة طبقاً واجباً، يجحفُ حقهُ الجوع ويفسدُه التخم.. ولكنه بالاتزان يبقى وحده هو زاد المتعبين في هذه الحياة. 

صديقي العزيز..

الآخرين لا يشاركون صَيدهم ولكنهم من خلاله يتقنون فنّ الحياة وفن أن يكونون هُم.. وأنا أرجوا أن تكون من حِصّتك الخاصّة، أنت.. وأنت فقط، لأن جميع ما تكونه، وجميع ما أنت فيهِ وما سيكون، يكونُ كافياً.. فكُن فيك واتّصل.

في نهاية الليل وفي وحدتي التي أشعلتها بالتفكّر؛ نظرت للمطرِ بسكونٍ غامر.. مطرٌ يشبه الكثافة الآسيوية لأمطار الغابات الاستوائية.. ينهمل على مدينتي ولم يتوقّف حتى هذا الصباح الذي أكتب منه الآن.. ولو كان لي أن أُثير صفةً واحدة للمطر لظلّ في ذاكرتي هو ال: حركة.. المطر يتحرّك، حركةٌ ثائرةٌ  تسمح للروح أيضاً أن تتحرّك، وفيما يبقى كلّ شيءٍ ساكن يحرّك المطر نفسه بنفسه جاعلاً الأرض تسيل مع اكتظاظ قطراته وزخم كثافته الوجوديه.. هو أيضاً صوت، وللثوريّ فينا بطبيعة حال هذا العالم الماديّ أصوات مدويه، فالمطرُ صوتٌ وحركة، وكأنه يخبرُ في وجوده عن ضرورة وجود تغيير، ضرورة وجود حياة، ضرورة وجود أثر.. لأن المطر لايكتفي حينما يأتي بإشعال حركة الكون من حولنا فحسب وتغيير طبيعة الماديّ الجامد فينا، هو أيضاً حينما ينقشع عن السماء يترك في الأرض نباتاً يهتزّ وأجساماً تزيد ألقاً وكأن الصوت والحركة لا ترتضيان إلا أن تتركا أثرا..

غزارة المطر رحمة.. غزارة الماءِ قد تكون خوفاً وقد تكون رحمة.. وحينما يتمّ تجريد الظواهر عن شكلها تبدوا حينها احتمالاتها بين رحمةٍ وحُب وبين حجابٍ وحقيقة..

ثم حينما استلقيت أتتني في الليلِ قبل المنام تقول لي: إن كلّ ما يؤلمني من أفعال الآخرين، ما يوخزني بالخيبة يصدرُ من ألمهم هم، من تجاربهم هم، من اختياراتهم هم.. ليس لبواعث ما يتصرّف فيه الآخرون مكانٌ يستقصدُ أن يؤلمكِ ولكنهم حينما لا يختارون الحُب فهم يغادرون لآلامهم هم.. فلا تضيقي من خياراتهم النابعة من ألم وخوف.. وكوني ركناً دائماً للحب وعليه فلتقوّمي أمرك..

ومابين المطرِ ورحمته وبين الأحباب المنشغلون سقط عنّي همّ الليل وأنا أردد؛ حركة وصوت، حركةٌ وصوت، حركةٌ وصوت.. ثم أثر.

شعورٌ بالاغتراب عن هذا العالم..

وما هي ياعزيزي الغربة؟

الغربة هي أن تستيقظ على حقيقةٍ مؤلمة، أن كلّ الذي قد كنت تحسبهُ حقيقةً قد انزاح وصار وهماً..

الغربة هي أن يقابلك هذا العالم بالسوء وتقابله بالمحبّةِ راجياً منه أن يتبدّل في واقعك على الأقل..

الغربةُ أن نشعر ونحِنّ ولكن يطيب لنا البُعد حتى لا نؤذي أو نؤذى..

الغُربةُ أن نكوّن حيواتٍ طويلة كثيفة عميقة وممتعة وتشبهنا، حيواتٌ في رؤوس الخيال وفي منطقِ الابتعاد عن كلّ مايكون هنا..

الغُربة هي أن نحملنا ونغطّي الألم بالأملِ راغبين بالإلتئام فينا بعيداً بعيداً عمّا لاندركهُ لما ندركه..

الغُربة هي أن يموت الأطفال.. أطفال غزة وسوريا واليمن ولبنان ونظلّ بعد هزّة موتتهم التي تركت الأرض موحشةً؛ صامتين..

الغُربة أن تتوقّع من هذا العالم أن يملأك وهوَ لم يُصنع لذاك..

الغُربةُ أن تبقى في الفكرةِ وحدك.

الغُربة نحنُ..

صغيرتي قد شهدّتكِ بالأمسِ.. وقد كنتِ أجمل ما قد يكون إنسانٌ لإنسان.. أصغيتِ لما لم يكن همّكِ وحضرتِ في جميع لحظاتكِ وانغمستي بحبّ، وحين تشكّل صوتكِ المفزوع شاهدتيهِ بسكينةٍ وهو يعبُر، وحين وصلتِ إلى مرحلةِ استماعه ابتسمّتي لأن حضوركِ له ماكان جزءٌ منكِ، ثم اتسعَ صدرُك واستنشقتي الهواء فكان مدّاً ومدداً.. 

شهدتُك بالأمسِ قد كنتِ نوراً، وشكّلتِ من جانب الضوء معنىً وانطلقتِ لتكوين قطعةِ ضوءٍ تحيكينها من معانٍ وفيرة.. أنا يا صغيرتي قبل كلّ شيءٍ إليكِ أنتسب.. يا قطعة الله وتكوينته الرحيمة..

أتذكّر..أن لولا وجود الأطفال، والطفولة لتداعت الكثير من ملامح الإنسان فينا.. وكأن التقدير ينبئنا في الحياة من خلال حالة البراءة الخالصة تلك عن دورةٍ كاملة، يتشكّل من خلالها المعنى العميق بشكلٍ يسموا فينا حينما ترهقنا الكثير من تئاويل العالم.. أتفّكر أن كأنما تكون الطفولة هي حالتنا الإنسانية الكاملة وما دونها تجرّد..

حينما أشهدُ حياتي هنا في المدينة وأشاهد انغماسي في السريع منها ومن جانبٍ ما، أتعلّم الامتنان لمدينتي الصغيرة، لروح طفولتي الوحيدة التي خلقتها لي رغم وحدتها، بكلّ اليقين الذي أحمله اليوم.. وأتفكّر أن من قد كان ليعلم أن أوجعَ ما كان يؤلمنا من وقت مضى هو ما يُصبح ميلنا من خياراتنا التالية في الحياة..! 

في القرية يتشكّل انسانٌ كامل بالتجربة، وفي المدينة قد تظهرُ هيئته قبل أن يملأ جيوبه بالتجربة 

إن الانغماس في المفارقة قد يطول، ولكني أعلم الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لماذا يختار الروحانيون والعالمون عزلتهم من هذا الصخب البشريّ..

أخيراً وككُل الناس.. تساورني شكوكي.. ولكن المنطقيّ عندي يأتي من القلبِ لا للعقل ومن الوزنِ لا من سريان الكُتل الموروثه، ومن الإحساس بالله وأسمائه أعمق من الشعور بالخوف من البشر.. وككلُ التجارب أعيش المشاعر بشكلها الكامل ولكني أحاول من خلالها أن أبقى على أمل.. وأكون بخير..

يقول الشاعر ياسر الأطرش :

اللهمّ صيّرنا أن نكون صوتاً للمكلومين على أرضك واجعل من أدواتنا التي وهبت لنا حرفاً يكتبُ بالحقّ، فيبلُغ..

الحمدلله.. على شعور البيت، الوالدين والأُنس والشمس والظلّ والليل والنجوم و .. الرجوع .. 

الحمدلله.. الذي مدّ الظلّ وجعل لنا من السماء دهشةً تتصّل حيثما كُنا وأيّما كانت حيواتنا فجميعنا يشهدها على طول الطريق.. 

الحمدلله.. أن في رغباتنا تغيير وبدءٌ جديد وفي رؤوسنا أفئدة وفي قلوبنا من العقل ما يجعل السير على سراطِ الاتزان ممكنا..

الحمدلله.. أن لنا في قادم الأيام ما يسرّ وفي بواطن الأقدار ما نرجوا بأن يكون ولنا في هذه الأرض أصدقاء.. أصدقاء طيّبون وأرواح نحبّها..

الحمدلله.. أن فينا نفحةً سامية تريد أن تصعد للسماء، لازالت الأرض مهما ملكت لا تغريها، لا زالت الفتنة مهما اتسعت لا تطولها، لا زالت المغريات مهما تفاقمت لا ترجوها..

الحمدلله.. أن لنا لساناً يُفقهُ من خلاله ما نقول ولنا أيادٍ تطول أحلامنا ولنا من خلال الأحلام المحققةِ رضىً يجعلُ الفؤاد فينا يتّسع، ويخبُرنا عن الخير الكامن فينا..

الحمدلله.. أن العزاءَ فيما نفتقدُ من جوانبنا دوماً قريب.. وأن طينتنا ترتضي أحوالها وتستمدّ شفائها من قُرب الأهلِ وأن نفوسنا عامرةً دوماً بحبّ الطاعه، ليس لها من ابتغاءٍ أسمى من أن تكون على خير مع ربّها وبخيرٍ فيها..

الحمدلله.. أننا حينما ابتغينا ودعونا وصَلنا.. وكان وصولنا معلوماً في صدى جميع ما نعيهِ ونحسّه ونفعله..

الحمدلله.. أن الوجود جزء من الحياة، وأن الإيمان جزء من النفس، وأن الرضى جزء من الحياة، وأننا نعود لتلك القيمِ كلّما جفّفت الأرضُ ينابيع السلامِ فينا، فنرتوي..

الحمدلله.. عليك يا رب.. على وعيي بكلّ ما أمسّهُ منك وإحساسي بوصالك العظيم الذي لا يتبدد وعلى أن خلقتني وجعلتني إليك.. وأن مددّت يديّ وقلبي وفؤادي بحبّك الذي يزيلُ من عينيّ سطوع الشمسِ الضارب ويجعلني في الصمود أبقى..

لك الحمد.

لديّ لغةٌ وشعر، وعندي ما يكفي من القصص حتى أكتب، ولكن التوثيق يضيع بين المطروح من الألم وبين المقصود في الحكاية.. وما بين المقصود والموجود حقاً وبين الأدب؛ تضيع الكثير من الأجوبةِ وأنا بودّي لو كان للعالمِ صوتٌ بطيء يدعوني للتفكير قبل التسليم وللتدبير قبل الفعل وللمواصلة قبل اليأس وتذكّر البأس، أن نكون تلقائيين تماماً بحكمةٍ وبلا ندم، وطفوليين بلا خوف، أيحدثُ أن يكون..! 

صديقي العزيز..

نستطيع أن نحيل المشاعر لأفكار، وكم يضحكني ويرهبني الإنسان الحديث في تبنّياته تلك حين يشيح نظرتهُ عن تكوينة المشاعر ليبتسم للشكّ وينقض اليقين، وكأنما يحتاج عُمراً كاملاً من الدوران حتى يتأكّد، وكأنما أرادوا لنا أن نقطع كلّ الأشواطِ قبل أن نرجع لفكرة البدءِ وحينها قد يكون الزمنُ ولّى والأمورُ التي فينا راغبةً بالبناء قد ثقلت وتبعثرت.. شيءٌ ما في كلّ هذا العبث يدعوك للتفكّر بالمئآلات، فداحة الأخطاء البشريّة على ذاتها.. وكأن الإنسان قد خُلق ليُفسد في الأرض التي قد سُخّرت له ويتركها لتكون غير قابلةٍ للعيش لمن بعده، هذا ما يحدث على الأقلّ في عالمنا، وأنا أشعر بالخجلِ لكوني جزءً من كلّ هذا.. وإني كلّما ارتقيت في منازل الأدب وحالميّة الوجود اغتالتني الحقيقة من كلّ جانب وكان الحُلم في عينيّ لا يعزوا سوى لطفولةٍ مفرطة غير راشدة في عالمٍ يتطلّب كلّ انتباهك..

يميل قلبي ويخفق لكلّ ما هو حقيقيّ وساكنٌ في هذا الكون.. الأمور التي تكون في محلّها صافيةً بالتكوين وحقيقيةً بالإرادة وكاملةً بالنقائص المحتمة.. وهو يخشى الأكيد ويباهي بسؤالاته..

من الذي زرع فينا الخوف قبل أن يهدينا لحن الغناء لهذه الحياة ؟ لأنني في كلّ الصعوبات دائماً ما تواسيني فكرة الفناء، وهو أغنية.. وحيثما يغدوا كلّ شيء أليس من الجدارة بمكان أن نعيش ما يكون هنالك بصفاء الرحلة، بيقين المراحل والمرحلة ؟

أمضي يا صديقي لما يؤكّد لي شعارات المراحل ويصعّد في نفسي الطيّب ويغنيني عن القُبح، هنالك ما يكفي من الشعث لكن ليس هنالك ما غني عن الترتيب.. أرنوا لذلك الصفاء المخفيّ خلف الأمور الصغيرة الرتيبة في اليوم العاديّ، أتحسس صداها قبل أن تستجيب وتهتزّ لغتي قبل أن تُمضي في الكتاب..

حينما أنظر للاختلاف فيما حولي وأشعر بالضيق، أتوجّه وحدي الى السماء.. لا أشعر حينها أني أريد آخرين يشابهونني في طريقة العيش أو في التفكير بقدرما أرغب بلجوءٍ مختلف لحركةٍ في الوجود من نوعٍ آخر.. تبصّرٍ من خلاله أستطيع بأن أكون شاعرة بكلّ ما للخاطر والإبصار أن يحمل في عين المشاهدة وانتباه السمع وبحجم ما تسعُ اللغة من جذور وكلمات ومجاز ومعاني..

لا أريد أن تتغلل إليّ حداثة مدينتي الصغيرة التي تحاول الاشتباه بمُدن العالم الحديث، حينما ألجأ للنخيل والمزارع القديمة فأنا أحاول من خلال الصمت حماية ماضٍ عتيق والإحساس بوجوده في كياني قبل أن يغطّون المعمّر من الأشجار بالحجر.. 

وأنا بقدرِ ما يلهمني شكل السيارة الفاخرة على موقفٍ للانتظار في الإشارة، أحبّ أن لايغيب عن عينيّ مشاهدة الدهّان المسنّ الهنديّ وهو على دبابه البسيط الذي يخرج منه الدخان ويملأ الانتظار بالصوت بينما يحمل مسطرتهُ بين رجليه المنقبضتين ولوحاً كان قد احتاجه في مشواره القصير ليضعهُ عرضياً في واجهة الدبّاب.. أما حكاية تفاصيل عينيه الرماديّتان وسُمرة الشمس المتربعةِ على وجهه فهي تخبُر عن سنوات في ذات المهنة وعلى شوارع مدينتي بالتحديد..

حينما أتحدّث عن كوني في مدينةٍ صغيرة تتشبّه بالعاصمة، فأنا أحكي عن أحياء قديمة ومناطق جديدة، عن مدينةٍ تجمع مهنة الفلاحة ومهنة التسويق الإلكترونيّ، عن طريقٍ فرعيّ أظللُ فيه سيّارتي بالنخيل ريثما أتناول وجبة غدائي وأميل فأشاهد البقر في شباك مزرعةٍ قديمٍ تحت الشمس.. أتحدثُ عن نخلةٍ تنموا بعشوائيةٍ مفرطةٍ مائلة فيجعلها صاحبها مكاناً لأكل الطيور الصغيرة  ويردفها بغصنِ شجرةٍ كبيرة لينموا مع جذع النخلةِ ورقٌ صغير عضّ يلامس الجذع والعسف المدبب الصحراويّ في مفارقةٍ طبيعيةٍ لا أستطيع القول سوى بجمالها لعشوائيّتها تلك..

هنالك أشياء في وجودي وأحداث أنتبه لها وأراها ليس لمجرّد وجودها العابر ولكن لإحساسي أنا بالعبُور ذلك الذي يهوّن الكثير من التجارب في يومي وأمسي.. وحين التفكير بالغدّ؛ لا أجدُ سوى لفكرة الخِفّة من خلال العبور إلا اطمئناناً أن هذا الوقت، هذا العُمر، تلك الأشياء في التجربةِ الخالصة ستمضي وقد لا تكون بالمشاهدةِ لي وحدي فحسب، بل برأيي أن الكون مليئٌ بالفُرص وأن الله واسعٌ بالحِيَل لنا من كلّ جانب، ولكن تبقى البصيرة فيما نرى ونشاهد ونسمح له من تجربة.. الله يهبُك الجمال ويعطيك الخيار اذاما أردّت الاعتراف به من خلال التجربة.. ولقد مرّ على هذه العينانِ مشاهدٌ أقصى من العبارة وأحداث وقصص وأصدقاء أبلغ بالتأثير على قلبي من الوصف..

الآن أكون في مرحلةِ انتظارٍ واعترافٍ بالفضلِ من كلّ الجوانب.. حقيقٌ عليّ أن ألمس الحُب والتمكين والعمق واختلاف الأفكار وتلك النجاة الصغيرة بالأملِ المحمول على رضى التي تكون كنزي وعذابي في آن.. حقيقٌ عليّ أن أشاهد اختلافي من جانب الفضل لا من باب الحيرة والرهبةِ والخوف، وحقيقٌ عليّ أن أعترف بالوهبِ والموهبة..

أخيراً فيطيب لي الإقرار بديمومة شيءٍ واحد، وهو طفولتنا التي ما إن يغيب عنها انتباهنا فسنشيخ..

كلما كان للقصة روح؛ كان تأثيرها أعمق، وروايتها أمتع وبقائها في الوجود أخلَد.. 

الحمدلله.. أن لنا في الأرض منازل، وأحباب.. وأن القلوب قبل العيون تتسع وأن الحبّ بتكرار المحبّة وانصبابها يكبُر ويزيد.. 

الحمدلله.. أننا رغم الكثرة نعرف كيف نطمئنّ لأنفسنا، وأننا بعد العَود نعود أحمَد، نعود لأَكوارنا بشوق؛ فنرتاح..

الحمدلله أن الانتماء والرضى لنا عبادة تغنينا عن طلب المفقود وتهذّبنا عن التطلّع.. 

لنا في هذه الأرض عملٌ لم ينتهي بعد.. ووجودنا معجزة..

الحمدلله أن رسائلنا تصل رغم البُعد وخواطرنا تُجبرُ بعد الكسور وأفعالُنا تُرى ولو لم نجتهد في بيانها..

الحمدلله أن لنا قبل الوطن المكانيّ أوطاناً للروح في أجسادنا، وأنّا حيثما كنا؛ نتفرّع ونحب الأغصان المقدّرةِ رغم شعور الحنين الطويل لجذورنا الأولى..

الحمدلله.. أن في الأحباب من يشاركنا الضيق بقدرِ ما يهبنا الاتساع، والمشابهة في المرحلة بقدرِ المَلمح العمريّ فتكون آلام الحياة علينا أخفّ بالأثر..

الحمدلله.. أننا رغم التكوين المكانيّ الصحراويّ والجفاف، رهيفون بأحاسيسنا وبالكلمات رهافةً تشبه البحر والنهر والوديان، ذلك أن العطشَ أيقظ فينا رغبتنا في الرواء؛ فطلبنا من الجمال سُقيا..

الحمدلله.. أن في أذاننا ما نستطيع من خلاله سماع حفيف الشجر وضحكة الطفل ونحيب المراهقة وضجيج العائلة المتداخلِ في الأحاديث حين يريد الجميع أن يبدي مكنونه وأن فينا ما يسمع الموسيقى العذبة ويقدّر الوزن بالكلمة ويتداوى بالقلبِ من الفكرة،

وأن في عيوننا ما نستطيع من خلالها بالبصيرة النظر للسماء ، وللحبّ فيما وراء الجسد، ومن الفضلِ ما وراء الفراغ الأجوف ومن البعيدِ ما وراء المسافات ومن الرأفة والرحمةِ ما يكون في الفعلِ والشكل الأشعث..

وأن في قلوبنا نوايا رغم الثقلِ تحاول أن تكون أسلم، ترغب أن تكون أحنّ، تبتغي أن ترتقي سُلّما من المحبّة عالياً لا تكونه ويكونها، تلقائيّوون نحن وطفوليون جداً حينما نحاول السلامة من كلّ خاطرٍ وخاطرةٍ فيها غِلظة..

الحمدلله.. أن في هذا الجسد ما يعرف سقم قلبه بالتصرّفِ فيرجعُ لربِ السماء حائراً غريباً عن الانغماس.. حُببت إليه العافيةَ فلم يرى في الأوجاعِ مأوى..

الحمدلله.. أن الروح بالوحدةِ مليئة ومغمورةٌ بالشعور الكثيف حينما لاعَبت وتراً خفيفاً على حِسّها كالكتابةِ والشعرِ والنصوصِ والكتب؛ فطارت وحلّقت ولم تُبقي في مكنونها للناسِ وأحاديثهم باللغوِ شواغر.. 

الحمدلله.. حمداً طيّباً كثيراً لا يبيد.. 

نعم نعم أتفهّم.. حسرتك خلف ذلك الشعور للكلمات التي كان يجبُ لها أن تقال، ثم لم تحدُث..

أعرفك، كنت تحبّ أن تتلبّس الصمت لأنك حينما حاولت المقاومة شعرت بإغراء الكلمة وهي تفوح من داخلك، علمت منبعها فأغلقت الباب، وصمتّ.

ورغم جميع ما يغريك في العشوائيّة والهروب، فضّلت أن تبقى مكانك هادئاً لأن التمرّد لم يكن يشبهك، ورغم أحلامك العالية.. كنت دائماً ما تنتظر اللحظة المناسبة التي يلتقي فيها القدرُ بالمقدورُ عليه منك وحينها ستفتح أعرَق الصناديق التي عندك، وستبدأ خطّتك الحالمة سطراً بسطر ومعنىً بمعنى..

ابتعدّت عن الطفولة بالزمنِ ولكنك لم تغادر رغبتك بأن تكون عَفوياً على الأيام.. وددت لو ترتقي بمن حولك حتى تكون أنت بأفكارك المجرّده حيّاً، فالمجلسٍ الذي تكون فيه كمن تكون، هو الهرَمُ فيما تحبّ..

أولَتْك الأيام قلباً صابراً ولكنني أعرفك.. كان ليُرضيك القليل على الكثير ولكُنتَ لو مُنحت الخيار لتغلق دوائرك الداخلية من أيّ خيبةٍ ومن كلّ تعثّرٍ بُغية أن تحمي ما فيك لمن يستحقّك؟ لفعَلت..

أدرك جيّداً يا عزيزي ما ضاع منك في لحظةِ صفاءٍ واصطفاء.. أدرك الجيّد والذي يكون أحسن منه، أدرك جهودك المسروفة ووجودك في دواخلك.. كنتُ حارسةُ الدهشةِ المخبوءة فيك، فكيف لي أنلا أعلم آماد كلّ الجروح التي تركت لها نفسك..! أسمعُ جميع أصواتك ولكنني لا أتدخّل وأنتظرك أن تأتي مشرّعاً لي عن نفسك حتى أُفصّلك، وأحكي لك عن جيوب الماورائيّ فيما واجهت وخبايا الألطاف مما كان لأريك معيَ الحكمة خلف كلّ شيء.. أنتظر منك أنلا تستلم لصوت القوّة لأن في بواطن الرحمةِ والعفو قوّةً من نوعٍ مختلف وسموّ من باطنٍ ناصع ومقدرةٌ من بابٍ ربانيّ روحانيّ لا يألفه البشريّ فينا..

وقد تسأل؛ لماذا يكون صوت القوّة؟ قد يكون صوت الخبرة .. قد يكون صوت ردّ فعل المواقف الصُلب، قد يكون صوت الردود في أوقاتها المناسبة أو قد يكون صوت الحسم، أتفهّم أنك تريد له أن يكون صوتاً ما.. يساعدك على شرور الناس.. إيجابياً بالمعنى وحساساً بالشعور، 

وأقول لك .. إن في اللين كنزٌ يذيب الحديد، وفي الصبر ما يشقّ الصخر من خلال قطرِ الماء وفي النور ما يُعمي كما فيه ما يَهدي.. أقطابُ الحياة مفترقةً وليست واحدة، ولكنك حينما تشاهد معاني كلَ تلك الأفكار من عُلٍ، تدرك أن في فهم الحال كصراع، مشهدٌ يخبر عن قلّة لا عن حكمة، (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيراً كثيرا)

تذكّر.. حينما تحصي عدد الواعين من حولك، اولئك الذين يكونون في نفوسهم على خير، وعلى الآخرين من غير ضرر.. تذكّر كم منهم من ربّى نفسه ليكون في منظورك بذلك البهاء، كم منهم من عانى وأمضى وصبر وشكر.. راقب أسمى الناس فيمن تقدّرهم، أليسوا حاملين لسَمْت الحكمة من خلال بوابة الصبرِ على الحياةِ لا الجَلد..! كم يبدون خِفافاً اولئك الذين يعاركونها بجَهدٍ لا يُرى.. كم يبدون وسيمين جداً بالعقول من يراقصونها ويَدَعونها لتمرّ، كم يكونون بالحكمةِ الصافية من يرونها من بعيدٍ وما انغمسوا.. 

أتمنّى أن تبقى في قلبك أكثر، وفي ذهنك أعمق وفي فؤادك أبصر وعلى التجربة أقدر وعلى الحِلكةِ أصبرَ.. ستكونُ بخير..

صديقي العزيز.. 

إلى هذه الأرض التي تُطوى حال الإرتحال فيكَ وإليكَ ومن أجلك.. من أجل جميع الذكريات التي خطوناها معاً والأخرى التي ارتخت أيدينا فيها من التعبِ قبل أن نعود لشدّ يدين بعضنا البعض، والمُضيّ قُدما..

إليكَ وإلى ذات الرحلة التي تخبوا دهشتها تارةً ويطيب عِطر نسيمها في مراتٍ أُخر.. لبحثنا عن التفاصيل المختبئةِ في الأيام، ثمّ محاولاتنا لاستجلابها على الأفكار التي نلتقطها لتعبّر عن حياةٍ ساريةٍ فينا.. وطوبى لمن أغمض عينيه فكفَته حياته الداخليةِ عن مطاردةِ الآخرين ومحاولات اللحاق بركبٍ لا يعلم سيره وسيَرَ نبلائه..

صديقي العزيز..

إن أكبر ما أخشاهُ في الحياة هي التُخمة، تخمة الحصولِ والوصولِ والمالِ والعلاقاتِ والأشياء.. أولئك الذين يكون بين عينيهم الكثير فيزهدون بالكثير، أن تأخذني الحياة بلحظةٍ فأنسى من أكون وعلى ماذا أحصلُ وكيف حصلت عليه ومن أيّ جهةٍ وبأيّ ثمن.. أخاف أن أنسى حجم الفضلِ والمتفضّلَ فأضيع في الطمع وأنسى الذي قد كان حُلماً وصار حقيقةً تروى وتُعاش..

صديقي العزيز.. 

وجدت في الشُكر مسلكاً يُفضي إلى طريقٍ قويم من الرضى.. أننا بطبيعتنا الإنسانية حينما نتفكر في المفقود نخاف من حياةٍ قد لا تبدوا كاملة، ولكننا حين التفكّر في الحال من بوّابة الوَهبِ الذي قد كان ولايزال، فنحن نراها من جانبٍ ممتلئ، نتهذّب، نتنازل عن أطماعنا الكبيرة مقابل حياةٍ تُشكَر، ترانا حال الابتغاء نسأل عن أسبابه ومواخذه فينا.. نفهم ذواتنا أكثر لأننا أصبحنا نحدّثها من مكانِ امتلاء لا مكان خوفٍ من الفقد، أو عَتب.. تعلّمت أن الحُكم على الفكرةِ ذنب، ولكن رؤيتها بوعيٍ وهي تعبر حِكمة، والله لا يؤاخذُ إلا بالقصدِ لا بالخطأ..

صديقي العزيز.. 

نعمة الإدراك ومعرفة الحدود وبناءِ وتعلّم الحقوق والسير برضىً من مكانٍ قويّ وقويم فينا لم ولن تكون أشياء نقابلها على طريق الحياة بل هي ما نحتاج بعد عون الله تقريره وبنائه في دواخلنا والإلتزام بسقايته كلّ يوم فحتى نُثمر نحتاج عُمراً من التشجير والعناية.. بلونٍ قد لا نختبره في الحال ولكن نراقبه بتعب، حتى يطرأ موقف أو تُقال عبارة أو نقرأ نصّاً أو نضطّر لمواجهة فنختبر تلك الجذور التي غرسنا والأيام التي زرعنا والأغصان التي شذّبنا، انفعالاتنا حال الأزمات أو الصفح فيها وعنها ما يهدينا كلّ جسور الوعي تلك بيننا وبين نوَى النوايا فينا..

سقاك الله يا صديقي ماءً زُلالاً وأَبان عن تجربتك إخضلالاً في الأيام وأينع حديقتك حُباً وكرامةً وحريَةً تطيلك ولا تُميلك..

وحتى ألقاك.. أرجوا يا صديقي أن تبقى بخير..

لا استطيع التوقّف عن الدهشة في كلّ مرةٍ أفكر فيها وأقرأ القران وأجد أنه يحاكيني من جوانب تشبه معضلتي وروحي تماماً.. هل لك أن تتصوّر أن كتاباً عظيماً نزل منذ ما يقارب الألف وأربعمائة سنة، لا يزال يلمس المؤمنين..! 

نعم، حتماً.. ففي الحياة أشياء خالدة، وتكون أكبر..

أريد أن ألتفت دائماً لأرى ما في جعبة هذا الخالد واستقي منه، ليس لرغبة الخلود ولكن لرغبة الاستقرار في النفس حيثما لا تشغلني الأمور العابرة عن اكتساب المعنى خلف كلّ ما يحدث ولا تغمسني في محيطٍ لا أنفكّ عنه.. هنالك اليابسة وهنالك الماء. وأنا أريد رغم أقداري أن أرسوا..

إن خَلق المعنى خلف كلّ يوم والتجدد رغم المجهول ورغبة الحياة وخِفّة القلب والفضول تجاه القادم ومعرفة المشاعر وتمييز الكلمات بالكتابة وصياغة المجاز بمحبّة وابتسامة وأَلقٍ أنيق؛ لم تكن يوماً بالنسبة لي أشياء عابرة.. لطالما أحببتُ استطالة ذلك النغم وارتضيتُ جوَلانه في نفسي بمحبّة، وأعطيت له آماداً بالتفكير.. وإني لأشعر أن الله يواسيني دائماً من خلال ما يضعهُ في صفحة النفس من تفكّر.. 

حينما أميل بالحياة للتفاسير، أضيع من حجم الفكرة في نفسي ولكن كلّما شاهدتها من طالعِ القَدرِ ورحمة الله كانت على روحي أخفّ وفي نفسي أوسع واستقبلتها بالحضورِ البسيط وابتسمت من أجلها وعليها وأبقيت في نفسي الأمل.. أحبّ لو أتذكر دائماً أني سأكون في حالي رغم كلّ شيءٍ فيها ومادُمت في نفسي فسأحاول أن أكون لها باب محبّةٍ لا باب خوف وأني لستُ عزيزةً بالماديّ ولا فقيرةً بالملموس أو شحيحةً بالمكان وأن تلك حالات لا تعني عمق النفس بشيء وأنها إذاما كانت عزيزةً في ذاتها متوسّعةً على العالم راغبةً بالسموّ؛ كان لها ذلك.. 

أحبّ لو أتذكر دائماً أدواري في هذه الحياة.. وأميّزها من دونما قلقٍ أو خوفٍ أو تأنيب، وأرعاني من خلالها دونما تعبِ الضمير.. اذاما كنتُ خيراً وكنت انوي الخير، فسأكون دائماً على حبل المحبّة مع الله. قد يكون ذلك هو كلّ ما هنالك..

أشعر أنني بخير حينما أتلمّس الألطاف الخفيّة، حينما أعود للشعر، حينما أرتوي من نهرٍ عذب، حينما يأسرني الجمال وتحاكيني الطبيعة وتتضح لي المفاهيم بشكلٍ جليّ.. أشعر أنني بخير حينما أرضى وأُرخي لملامحي أن تكون كما هي وطفولتي أن تفكّر ما تشاء وحينما لا يحدّني سقف الأيام والواقعيّ عمّا أتمنّ .. أحب الحياة حينما تكشف لي عن سرّها المكنون في السير مع ما يكون من دفقها، برقّةٍ وحضور..

لعلّي أكون دائماً في مكاني؛ هنا والآن فحسب..

أسمع ماءً رقرقاً يهدرُ على صفحة روحي من بعيد.. بشيءٍ يشبه نهاية المَدّ وبدايات المَنبع، شيءٌ من صوت الماضي ولكنّي لا أتعبه ، يتنزّل كما رحمة ويُسمع على طول الأيام كأعذب نَغم.

الحياة سلّم يشبه التصاعد إلى الأبديّ، بعض العتبات مكسورة، يخلّ اتزاني ولكنني لا أتوقّف عن الصعود وعن فعل ما أحبّ فعله من حيث أن في قلب كلٍّ منا علامة حبّ تدللّه على السماء؛ فيتّسع. 

حينما أقول أني “أحتاج”، فأنا أعترف أنه “ينقصني”، وآهـ كم تنقصني الكثير من الأشياء.. ولكنني من خلال التعبير عن احتياجي أتعلّم أن التحقيق لا يعني الشعور والعكس، تأجيل المشاعر تبرر موقفاً عجولا، وأنا لا أحب العجلة التي لا تؤدّي.

الرسوخ في الأرض يعني ملاحقة الأسماء، الرسوخ في السماء يعني نُبل الترك والتخفف، والحكمة ضآلة المؤمنين.

يحاول الجميع تحقيق غايةٍ واحدة ووحيدة، وهي الذِكر والجدوى والتذكّر والسعادة والحياة الطيّبة، أشعر بالإتساع كلّما تذكرت أن في الوَعد على المؤمنين حياةً طيّبة.. وإن الحياة الطيّبه هي ليست تلك التي تفيض بالشعور الطيّب، ولكنها تلك التي تمتلئ بالتفسير المناسب لكلّ شعور.

ثمَة ما ينقص الإنسان في العصر الحديث، سريعٌ هو الوصول شحيحٌ هو معنى الإتصال الحقيقيّ، الاتصال العميق والشعور بالجدوى هو ما يعوز الإنسان في العالم الحديث.

هنالك قصص في هذه الحياة بمقدار الوجود على هذه الأرض، بقدر البشر المعدودين والذين لم يولدوا بعد ، لو أتيح للجميع رواية قصّته..! ستكون الكتب غير كافية..

أتمنّى أن تودِعني الحياة لأخوض في رحمها برحمة وأخرج منها بسلاسةٍ وبسلام..

بعض الأفكار العميقة تسبح في روح الوجود الحيّ، تلازمك حتى ولو لم تلازمها، تسري وتسير معك، تجعل للركود خِفه وللارتفاع غاية وللمسيرة كاملةً حياة.. 

قد تشبهك، قد لا تشبهها ولكنها هنا وتكون.. جزء منك كما تكون بالتجربة جزءً منها، ترضيك مره وتغضبك مراتٍ ولكنها كما سماء، مرةً بالغيم ومرةً بالإشراق؛ تتبدد وتحتجب.

شيئاً ما، ينده لي من خلف الأبواب .. ينادي حتى ولو لم يُنادى عليه، يرتقّب اقترابي، وأنا أحسّه.. لا أعلمه ولا أميّز كنهه ولكنه حالٌّ حاضر وسيأتي، هل هو الفرج المتجسّد في شكل أمل ؟ أم هو الحال الذي يبتغي شكلاً من أشكال الهروب أياً يكن..! كل ما أعلمه أن فضل الله دائماً قريب..

صغيري الحبيب..

كلّ شيءٍ يا عزيزي يهون حين يبقى حال عقلك على فكرةٍ جيّدة، مطمئنّة.. وحين تبتغي أن تساعدك في حِمل الأيام.. تكون الأشياء حينها هيّنة.

سيتبدّل ما يجعل الكون في عقلك يستحقّ الحياة، حسب الفقد الذي ستشعر فيه ولكن عليك أن تتذكر أن النقصان لا يدوم..

وأنا أفتقد يا صغيري في هذه الأيام حالة نقاء الإلهام وأتوق لمكانٍ  يعطي لعقلي مساحةً جديدة من الحُلم، أو لعلّي أتوق إلى مكانٍ جديدٍ فيّ لم تكشفه لي الأيامَ بعد، أريد أن أضع كلّ محطّات الأتعاب التي نأخذ من خلالها مكاننا في العمل والعالم، وأبدأ قصةً جديدة تماماً في موضعٍ آخر لا يشبه أيّ شيءٍ هنا.. 

أفتقد يا صغيري ذاتي الحالمة أمام هذا الواقع الكبير.. وأخشى أن يضيع عني الشعور بالمَنسك في مُطاردة النُسك، الغاية في مطاردة المعنى، الطريق في مطاردة الحلم.

صغيري الحبيب ..

أشعر أني قد أكون أكرر نفسي من حيث يصعب عليّ أن أتفهّم كيف أستجمع معنى صفحات الحياة حين أتحدث عنها كلّ يوم بطريقةٍ أحاول من خلالها فرز أوراق معنى هذه الأيام التي تبدوا مجرّد عبور خالٍ من الدهشه، وفي سبيل الدهشة تعلم يا صغيري أنني على استعداد لتقديم أقصى جهدي.. وكأنما في محاولات التفسير أكون أنتظر رحمة، مفاجئة، انعطافة تجعل من لكلّ ما قد مضى إطار أستطيع جمع عقلي عليه وشرحه بالطريقة المناسبة..

بوسعي القول يا عزيزي أنني في هذه المرحلة واجهت الضعف كما لم يكن من قبل، كما لم أعترف به من قبل.. ضعف القوى والحال والمواجهات والميزان والرؤى ولكن أشدّها على روحي يا صغيري هو ضعف التفسير.. أحتاج لإيمانٍ ملائكيّ يعيد لروحي سكونها.. 

أرفع إليك يا عزيزي أوراقي البيضاء معلنةً هدنتي من محاولات التفسير أو الاستبصار أو تمثيل القوّة بالنصيحة إليك، تلك التي تأتي دائماً موجّهةً من نفسي إليّ قبل أن تكون إليك.. اليوم أنا أخبرك أني رغم الألم أحسّ بضعفٍ رهيب يتسلل إلى روحي وأنني على استعداد لقبول مرحلته مهما كانت وكيفما كانت وحيثما ستؤدّي بي.. لنعلم سوياً، أنا وأنت؛ أن الحياة لا تأتي دائماً مو مواضعنا المحببة فيها.

كن بخيرٍ دائماً يا حبيبي.

غروب ونخيل وسماء عذبة، لحظات لا تشبه الحُلم فحسب؛ بل كانت تشبه مقدرة الله حينما يحيك الجمال بأبدع صورة.. لو كان لي من خيارٍ قبل كلّ هذا لدرست السماء.. ملاذ طفولتي ومهرب أحلام صباي ورفيقة شبابي الأمينة ومستقرّ دهشتي على طول الأعوام، كيف لخِلقةٍ أن تكون رفيعةً هكذا، وقريبةً هكذا في آن.. وأن كيف لها أن تكون هي هي ذاتها ذاتها رفيقنا على طول السفر؟ متّصله، واسعه ورحيمة وحالمة ومتغيّره..؟

“قيل للإمام الشافعي : مالَك تكثر إمساك العصا، ولست بضعيف؟ قال : لأذكُرَ أني مسافر.”

ولأننا في سفر، ولأن الرحلة في بعض الأحايين تبدوا أطول مما نبتغي وأشقى مما أحببنا أن نلقى؛ تأتي السماء على هيئة تذكارٍ ربانيّ أن كلّ هذا لن يكون للأبد.. وأن التعب وإن طال فهو في نهايةِ الأمرِ محطّةٌ في سفر.. إننا يا صديقي كلّما وضعنا للأتعاب معنى؛ تلاشت وبقي منها ما حَوّزنا من النموّ. 

هي أشياء صغيرة.. تلك التي تجعل من الأيام؛ بالتالي الحياة، ذات أمل.. ما يجعل من وجودنا في رمق العيش حاضراً حبيباً كما نبتغي، وسليماً كما نتمنّى.