صديقي العزيز..

الأحداث من حولي تتغيّر، وأنا كلَما أكبرُ تعطيني الحياة شكلاً جديداً من شكلها وجلداً جديداً من جلدها لأشعر معها أن لا نسب واحد ولا معنى واحد قد أستطيع الظهور فيه والانتساب إليه .. ويبدوا أن هذا الذي لا يتوقّف عن المُضي أو لا يعود لما قد كان عليه هو شرعها وقانونها..

ولقد كنت أريد أشياء بسيطة، أرنوا لبساطتي المحققة ووجودي الزاخر بالأسئلة.. وتبدوا عوائقي أمام ذلك الوجه الأمثل من النقاء عالية، 

أخشى أنني لن أستطيع شرح نفسي بالواقع بعيداً عن الكتابة الدقيقة، فهل يحدث أن تكون البساطة هي أعلى ما في العُمق؟

صديقي العزيز ..

هذا الكون رغم كلّ شيء لا يتغيّر.. وكأنه يُطمئن شغب الإنسان القلقِ فينا أنه هو هو منذ قديم الأزل وما يزال؛ شاهدوه الأجداد واستولى على أحلام الأمهات وشارك الآباء أسمارهم..

السماء، النجوم وطيورها وفضائها وأشعتها وسناها وراحاتها ووسعها، كلّ شيءٍ فيها يدعونا للجمال الذي لا يتغيّر.. للسكون الذي يَشهدُ ولا يُشهد.. 

أستطيع القول أنني أتمدد في فحسة هذه الأرض حسب المطويّ أمامي ولا زلت أجهل وأشكّ في صواب الطريقة والطريق، ولكن أليس أصعب على ما في النفس من صيرورة دائمة هو الثبات؟ السريان حسب ما كُتب لا حسب ما تطمع في ابتغائه..! وألم يكن تقلّبها يوماً هو مصدرُ شدّتها في العزيمة وحثّها على النقاوة في المطالبِ والرؤى..! 

قد لا نعمل بما نراه صحيحاً على الدوام ولكن في هذا القلب تصديق عميق ومنحة سماوية وتطلّع وإيمان كبير كبير بما هو قادم.. 

كلّ ما أستطيع بثّه يا صديقي هنا أننا نتقلّب، بمخزونٍ هائلٍ من النعم، نتذكره أيام وننساه في أيامٍ أُخر، وأن لنا أحلاماً على هذه الأرض تستحقّ صبرنا وأن لنا فيها مطالب تستحقّ التعب وأنّا وإن لم نكن يوماً فيها كما نريد فأحلم أن تأتي على هُون وتعبرُ على هَونٍ ونكون فيها خفافاً؛ في النفوس وفي الوجود وفي أكواننا.. أن تتوائم فينا الرغبات مع الحاصل وتتسع فينا الأكوان مع المكوّنِ ونبقى سارحين في ملكوت الذِكر المتجدد الذي يقيمه هو ويأذنه مع كلّ يوم ونبضٍ وإدراك..

عن الشعور عندما تتوشّح بالوعي من جميع جميع مخاوفك، وكأنها لم تكن، وكأنك أنت لم تكن..

وكأن الله قد أبدلك بعد جبال القلق أماناً عظيما..

ولأن التسبيح ملاذ الأرواح تُراك تتحسس سعاداتك ككنوزٍ أُلقيت على ساحة نفسك، تتأمّلها بدهشةٍ وتسبّح مكوّنها..

صديقي العزيز ..

ما هي الحياة لولا سكرة الضياع فيها، 

أن نجد ولا نجد، ونُجيب ولا نتوقّف عن الأسئلة..! 

وما هي لولا أرواحنا الشاهدة على كلّ ما يحصل؛ زفراتنا حين نغضب وأنفاسنا حين نرتاح وجميع المسافات بين مانشعر به وبين ما نقوله..!

ولو أُعطيت على قدرها عمراً ثانياً ما توانيت عن اكتساب تلك الاستدراكات الكبيرة التي تجعل من المراحل الصغيرة ذات معنى، ولما تركتُ جلال الاصغاء لدقة لحن الطلل على جسور الآلام التي نلتقي فيها مع ذواتنا في محطّ نظرٍ يؤدي بنا لاتخاذ مكاننا الحقيقيّ من الضعف بين صعوباتها؛ لتلفظنا أخيراً إلى جدوى السماء؛ ومايكون أكبر.

صديقي العزيز ..

إن في هذا الكون سَعة، وفي السماء رزقنا الحقيقيّ وما قد وُعدنا به، وعلى هذه الأرضِ احتمالات، احتمالات كبيرة وكثيفة ومليئة ملموسة ومعنوية ومحسوسه وحقيقية وواقعة.. ونحن الذين نرتّب احتمالات أفكارنا حسب هذا الواقع، وبوسعنا أن نمسك زمام الإيمان في قلوبنا أمام العقليّ؛ حين نواجه بما في القلب ننموا وحين نواجه بالحكمة نتعقّل وفيما بينهما سريان.. فتخفف منها حتى تأتيك؛ وتتوسّع أكوانك.

صديقي العزيز..

تذكّر، أن ثقلاً هائلاً من المسؤولية يزيله شعور الإيمان أن الله وكيلك وحارسك ومأمنك الوحيد وملجأك الأصمد في هذا العالم المكثّف بالتغيير، وأنك معه على عهدٍ من المصونة من حيث لا يكون على أحدٍ عليك ولا لك من نصيب.. ونحن على عهد التوكلّ العميق نكون بخير..

أرجوا يا صديقي أن يقابلك في الأيام كلّ ما يشبه الطيّب منك..

وحتى ألقاك على سفرٍ؛ كُن بخير..

ويا رب .. هذا العُمر لك وهذا الجسد إليك وهذي الروح تهوي وتهوى عندما ترنوا إليك.. 

بحجم النور الذي تشرق به الظلمات يا إلهي علّمنا كيف نداوم على سبيلٍ يرضيك عنّا..

يا رحمن أسألك حباً يبقى ونوراً في القلب لاينطفئ وجلالاً من لدنك يجعل هذا الدرب أخفّ وأنقى.. 

إلهي..

وسّع لي في أمري وتولّني وهبني من لدنك طريقاً يؤدّي إلى رفعةٍ إليك

فهذا الشوق العميق إلى كلّ ما هو سماويّ يجعل من أيامي صبراً طويلا.. 

صغيري الحبيب..

هنالك حكمة ربّانية خلف جميع الأمور التي نرى أنها قد تفوت أو تتأخّر أو تصعب أو تؤلم أو تُخيف، ثمّة تهيئة سماوية صعبة على النفس ولكنها معلومةٌ في السماء.. واليقين هو ما يجعلنا على هذه الحياة راضين عن الله مطمئنين إليه وبه ومعه، واذا كانت الحياة ماضية؛ فنحن لسنا فيها سوى شاغلي حيّز من مكانٍ عابر، 

حينما أتفكر بالموت يا صغيري فلا يدركني سوى تضاؤل حجم الأشياء التي نراها تستحقّ؛ وما أمضاها .. ولكن حين تخطر لي الحياة فما أعمق ما قد يُحكى فيها وأوسَع رؤاها وما أكثر التمنّي والإلهام وما أطول العيش..

يحرّكني دوماً شعور المسؤولية تجاه الحياة ولا يؤنسني اللهو الطويل فيها.. لست ممن يعرفون كيف يلعبون أو ينسون أو لا يبالون، ذاكرتي ورؤاي في حوزتي حيثما ذهبت وهذا يا صغيري شعورٌ ثقيل ولكنه مؤنس، لأني حينما أتربّع في العزلة أكون محمّلةً بالأشياء ولا تحملني الرغبة بالصدّ عنها للالتفات لشعورٍ اخر..

دائماً ما أتسائل يا صغيري اذاما كنا نعي حجم المراحل التي نمرّ فيها لنحكيها فيما بعد كحكاية، أم هي موجات تعلو وتهبط وثورات تكون وتنطفئ ؟ لأني قد كان لي دقةٌ في الرؤى يصعب معها تطبيع الشعور بدعوته حالةً ماضية، ولكن لعلّ هذه هي معضلة الإنسان في الوجود؛ أن يفهم ويتفهم ويؤمن رغم جميع الانعسارات والإنكسارات أن مكاناً ما في روحه يتجاوز كلّ هذا الشك إلى يقين خالص يملأه بالقوّة رغم الريح والتصديق رغم العبث من حوله بالمعنى..

أرجوا يا صغيري أن يملأنا الله دوماً بنفوس عالية لا تغيب عنها الشمس ولا يبددها القلق ولا يريحها سوء الظن ولا تستلم من الشعور بالحياة ..دائماً..

أجراس كبيرة ، وآماد طويله ومددٌ سماويّ عذب وقصص مسهبة بقدرِ حجم خيالات الإنسانية، ومدنٌ عذبةٌ صامتةٌ لا تدعوك للجمال فحسب بل بأن تكونه وتتمثّلها عين الدهشة فيك.. 

أسفار، وأطفال يلعبون، قهوةٌ جيّدة وغرباء؛ الكثير الكثير من الغرباء.. اجتماع كبير في مقهى تسمع صدى ضحكاتِ من فيه من أقصاه.. 

رصيف وشجر وورد وأغصان تتمايل وأحباب يمشون يمشون طويلاً على تلك السكّه..

صوت ماء، نافورة، طيورٌ تستقي منها، ضربة الجناح مع موسيقى الشارع البعيدة، وصوتُ الإستاذ في المدرسة القريبة يردد من خلفه الطلاب حروف لغةٍ جديدة..

طرقات غير معبّدة بالكامل؛ تعلو وتهبط، لا يفصلها عن الغابة سوى منعطفٍ في أسفل الإنحدار يأخذك لعالمٍ طبيعيّ ينموا منذ ملايين السنين، طينتها سوداء وطرقُ الصعود إلى قمّتها معلومة ومسوّمه.

الجمال الملموس بالأيدي يتكون على شكلِ محلٍ للتذكارات يحمل منحوتات صُنعت بأيادٍ بشرية تحكي خلف جمالها المعطوب بالصنعة؛ حكاية تشتاق أن تسمعها من الباعة. ورسومات كثيرة كبيرة وصغيرة بألوان من وحي قلب الطبيعة التي تكون هنا..

سوقٌ قديم، ملابس مستخدمة، قطع عتيقة منها..

تجوال .. سوق خضار يحمل الثمر الناضج في يومه ومرحلته يرعاه كبار السنّ ويزيّنون أجواءه بالضحك وتفقّد الأحوال والقيام بأنفسهم على جودة المنتج وسلامته، تحكي ثمارهم الناضجة حكاية حصادٍ سعيد لسنةٍ مباركة ، يبدوا عمّي فخوراً وهو يقدّم إليّ ثمرةً للضيافة. 

أتوق لمكانٍ مختلفٍ لم تطأه قدماي على هذه الأرض من بعد، وما يبدوا بالوصف أنها مدينةٌ عتيقة بالوجود وغزيرةٌ بالمعنى، أو ربما هي لا تسكن في الحقيقة على الأرض بل تكون مما يشكّله خيالي سعياً مني لأمسك حالمية الحُلم في جعبتي، رغبةً مني بأن أربّي في داخلي سلسلةً لا يقطعها الواقع ولا تُغفل التفاصيل.. هي التفاصيل التفاصيل يا صغيري؛ بوسعنا أن نهرب منها أو أن نهرب إليها وفي دقيق وجودها رحمتك أو عذابك حسب الدهشة التي ترى والطريق التي تكون والمزيج الذي تنسج..

في ختام قصيدة مسّ يقول محمد عبدالباري :

وأنا أحبّ أن أميل كثيراً للتثبيت، والبناء وعدم ملاحقة الحيرة لأنلا نظَلّ على وجوهنا في الحياة هائمين.. أتطلّع للإستحكام في المنهج وترسية جذوره في نفسي وتثبيت مبادئه، ذلك أن لاشيء سيكون عندي أجمل من نفسٍ راسيةٍ تعرفُ حين تنطلق في منتصف البحور كيف ترجع وإلى من تستحكم، نفسٌ تعرف بوصلتها لن تضيع أبدا..

صديقي العزيز..

ما هي جهات بوصلتك الخاصّة للرجوعِ إليك..! أتسائل..، كم سيكون جميلاً لو تعلمنا دوائرنا ودرسنا ذواتنا وفهمنا أن الغيب لا يعني الخوف وأن الحاليّ لا يعني المُطلق.. حتى تكون الحياة بين جنبينا أخفّ وأرحب، حتى نكون نحنُ بالاتساع الكافي لأن نفتح أبوابنا عليها كما نشاء، كما تكون.

وُجدَت الجهات حتى نصل، وكما أننا لا نكون في مكان الضياع ذاته في كلّ مرة، فإن كلّ جهة ستأخذ حقها الطبيعيّ في قيادتنا حتى الوصول.. أن نعلق في حلّ واحد، جهة واحدة طيلة العمر؛ يعني أننا لم نعي بعد أن جميع الجهات تقود إلى معنى، ولم نكشف الخيرة خلف تلك الوجهات.. ليس كلّ طارئٍ يا صديقي يُحلّ بالطريقة ذاتها، والهروب حتماً هو أوسع الجهات ولكنها جهةٌ ممتدة لاتتوقف فيها من الركض حتى ولو استدركك الضياع مرةً أخرى ..

صديقي العزيز..

سنبحرُ في عرض البحرِ وستسحرنا الزُرقة والماء، وفي أوقاتٍ لن نستطيع أن نرى غير سماءٍ مقابل ماء .. هيبةُ المنظر، ولكن البحّار الجيَد يُسلّم لروحه التي تقوده ويعطيها سِحر الوجهة وثقة الملّاح، يصبر على هيبة المشاهد في الغروبات والشروق حتى توصله بر أمان.. أتعلم يا صديقي ما الحياة؟ ليست هي سوى ذلك البحر .. مهيب ولكنه مقدورٌ بالتوكّل ومميت ولكنه مُحيي بالمعرفة ومخيف ولكنه جميل بالتأمّل.. 

إن الروح الساكنة فينا يا صديقي تبتغي راحاتها في مواضع الشاطئ وعلى أرض السكون، ولكن السعي الواقعيّ في العقل والجسد يحتاج منا كلّ الشجاعة حتى نمتطي أصعب الأمواج ونركب البحر ونسير، وما يفيد يا صديقي ليس الركوب لذاته؛ بل شجاعته. وما يُكتسب يا صديقي ليس التعب للذّته بل الذات المتغيرة بعد ذلك الابتغاء هي ما يُجزء هذا الوجود..

وحتى نلتقي في صدفةٍ تحت وجهةٍ واحدة،

أرجوا أن تكون دائماً بخير.

أيا قِبلة الوقت والذكريات العميقة وابتغائات الدهشة التي تملأ أرواحنا بالشجنِ حين يجفّ العالم،

أنوارنا التي تبزغ، وتذهلنا منّا حين نطوي مسافةً في طريق الظلام قليلاً قليلاً، لتكوّن ثورتنا الداخلية ويبقى النور نتيجتها في الأرض، 

أيا أمكنتنا التي نشغلها وتشغلنا في هذا العالم الواسع الاختيار العريض باحتمالاته، شيءٌ مما لا يطاق وشيءٌ مما يطاق وكلّ العاديّ الساري فيما بينهما،

أيا حصّتنا من الرزق، نغدوا لما يتوجّب ليس لأن الخِماصَ كلّ ما نبتغي قدر ما يكون الواجبُ هو مواساتنا في الغدوّ،

أيا تلك الأيام التي من خلالها يكبر الصغار من حولنا، أسنان صغيرة تتكسر وأخرى صغيرةً جداً تنموا في فمِ الوقت وعن البناءِ الجديد لقصّةِ برعمٍ في الحياة،

أيا أسمائنا النازلة من السماءِ علينا حتى تتكوّن فينا ثم تكوّننا وتبقي وَسمَنا على هذه الأرض، تشكَلنا ونتشكّلها كقوالب ملأت فينا الزمان الطويل إلا أن نستريح عليها..

يا ملامحنا التي تتخبئ مع الوقت وتظهر إلا أن لها من العمق ما لا يبدوا أنها تتغيّر..

يا انتمائاتنا التي لم نعرف حقّ حجمها حتى ابتعدنا عنها، حتى ابتعدت عنّا وصرنا فيما بين البينين منها غرباء..

يا مسافاتنا مع الأصدقاء.. نكرهها ونحبها ونحتاجها ونشرّعها كقوانين ونحييها كمواطن ونشعلها حين نشعر بالوحدةِ أو عندما نكون فرحين

أيا أحلامنا القادمة من الماضي، تسعى من خلفنا باغيةً أن تستقبلنا على موانئ المستقبليّ جاعلةً من رحلة البحر في سفينتنا أطول، ولكنها أعمق..

أما في الوداع.. فآمل أن تبقى عين الطفل فيك وضّائه مُستلمَه تسير مع الحياة ولا تسابقها خطوةً بخطوة؛ تمسكها بيديها وتدّلها على اللحظات الساحرةِ منها رويداً رويدا.. لا تميل عن الزوال ولا تضيع عن الحقيقة المطلقة.

نشوة .. حتّام علينا أن نستعملها قبل أن تحترق ..؟

يا وعائات حقيقتي .. إليكِ. 

أتنفّس، فتسري جميع اللحظات الحبيبة، لحظةً مسّت يدي فيها الرمال، ولحظاتٍ خَلوتُ فيها بين النجوم، ولحظة هبطت عيناي فيها على جذع نخلة المزرعة فظللت أرفع أرفع رأسي حتى أبلغُ منتهاها..

اتنفّس، فتبزغ لحظة الخلوّ بالوالدةِ في مساءِ ظهيرة، ولحظة وقوفٍ تحت الشمس بوهج؛ أغمضُ عيناي في استشعار حراراتها، ولحظة أضحك أبكي أطرب في الخلوة بهجةً وحناناً وسكوناً وبشرى لفكرةٍ طال طال انتظارها حتى في تسلسل قلقها قد انحلّت..

أتنفّس في داخلي.. 

فتهدأ مساراتي وتضيئ أكواني ويغمرني ملمَح القصة من بعيد، وهي صغيرةً من بين ملايين القصص، فأستغرقُ فيّ وأبتسم .. كم تبدوا متلاشيةً وصغيرة، كم أبدوا متلاشيةً وصغيرة..!

أتنفّس في داخلي أملاً..

فتغريني المحادثات التي لم أخضها مع البعيدين، بعد .. والأسئلة التي لم أسألها لنفسي بعد، والخيارات التي لم أضّطر للاختيار بينها والإحتيار بعد.. 

أتنفّس أطوَل فتغريني أحلامي التي لم أقترفها بعد، والشعراء الذين لم أعرف عنهم قصيدةً خالدةً حتى الآن، والموسيقى التي تركها الأوّلون ولم أرخي لها سمعي مع شخصٍ يعشقها ويتبناها كإسلوب حياة.. 

تغريني الحيوات التي لم تمسّ قصّتها قصتي حتى الآن ولم نتقاطع .. تغريني الأيام، أجمل الأيام التي لم يُكشف زمام أمرها لنا، ويعجبني انتظار جلال الله فوق كلّ الصعوباتِ التي لم تُفرج بعد..

أتنفّس، أضع يديَّ على صدري، أتحسس دقّات قلبي حين يبقى في الجسد صوت الهواء العميق المحبوس سوى من صدى دقّاته، أستشعره ينبض، أتمنّاه قلباً طيّباً شاكراً أبيضاً على الأيام وبين الآخرين .. أتلمّسه وقد رُتقَ من جميع خيباته بفضلٍ من الله، من أجلِ اختيار الطيّب فضّل هذا القلب الانغماس في الملكوتِ حتى لايُبقي حقاً ولا يبقى له حقّ، صارت السماء مئاله كلّه وسمعه كلّه ووعيه كلّه وشوقهُ كلّه .. بقى هو ولم يُبقى عليه ونذر ذاته للوجودِ الخفيفِ عبوره، للمساحةِ القليلة، للتواجد الطفيف كنسيم ربيع، حتى حين يرقى؛ يرقى صافياً بقدرِ ما يستطيع من مجانبة الدرن واقتراف النور.. 

قد كنت قلت يا وعاء حقيقتي، وهو أنت .. وستظلّ أجمل ما قد أقدّمه للوقتِ ولحياتي ، يا وعاء حقيقتي تفضّل عليّ باتزانك وأعنّي عليك بالحمد ورتّبني فيك باستصغار المصائب حتى نتخفف نتخفف، فتكون لي يا وعائي هديّتي الجزيلة من هذا العالم، أريد أن أقدّمك كأعلى انتصاراتي وأسماها، كأني قد كنت فيك وأنت كلّك فيّ .. يا هديّتي من الله ووسام هَديهِ لي وشرفي في تقديم أمانتي..

إليك.

سلام .. على أوقاتنا التي لنا، وأيامنا التي تبدوا محمّلةً بالسكون الوفير، ينقضي ولا يُقضى..

والحمدالله أنه لم يكن يوماً هباءً منثورا..

قد كنتُ أوقنُ دوماً أن القادم سيكون أجمل ؛ وقد كان ..دوماً ما يكون..

في النوازع من حولنا، وعلى المسار الطويل لا شيء يبشّر في الأحداث .. وأنا لا أعرف كيف أواسي هذه الدنيا العارمة ولكنني أعرف أن صبغة الأيام وطبعها في حكمة الله..

صديقي العزيز ..

هذه هي ديار الآمال تلوح لي بعد سفرٍ خارجيّ طويل، لأدخل مدينتي الداخليّة بتلهّف بعد طول بحثٍ وتعب.. تشرق لي وتضيئني، يعرف حرّاسها مَلمحي من سبعةٍ وعشرون عاماً تقارب الثمانية إلا ثلاثة أشهر.. آتيها مدججةً بالعزيمة سليمةً من أسلحتي مُسلّمةً للصفاء وحكمة الله وقلبي؛ نوياي كلّها.. في القريب يا صديقي حيث لا شيء يبقى سوى إيمانك بالتسليم ولو تسلّحت بالخبرات المتراكمة كلّها..

نزعة السلام والتسليم جليلة على الصدرِ حينما تأتي لتُخففك وكأنما تُرخيك وتنزع عنك أشواك إحتمالاتك المحدودة، لتقرِنها بإحتمالات الله فتكون سماويّة؛ كونية وسليمة.

نحتاج بعد كلّ هذا السفر يا صديقي أن نضع حقائبنا جانباً لبعض الوقت ، وننزع منا سلاح الوجه المغترب عن أهله ومَلمح السائح لندخل مدائننا التي نعرفُ من أوسع أبوابها واثقين بما سنرى خابرين ملامح كلّ زقاقٍ وبيتٍ وطريق، عارفين المساجد التي بكينا فيها مرةً والمقاهي التي حملتنا مع الصحبةِ تاراتٍ طويلة بهزلِ من لم يكن يخاف ولم يحمله التخوّف من ذات المصير لغربته..

نريد يا صديقي أن نشهد قانون الله في الدهشة المتعاقبة بين الصُبح والليل، والأرزاق التي يتجدد تقسيمها كلّ يوم تبعاً للدعاء ونيّة الاستيقاظ والهمّة المخبّأة بين مانستطيعه بحقّ وما نتمنّى أن نقدر عليه.. نحتاج يا صديقي عُمراً من الأيام المتكررة حتى ندرك جيّداً فحوى هذا التجدد الكونيّ بين اليوم والليلة ونوقن تماماً كيف يغيّر الله أقداراً في لمح البصر..

صديقي العزيز..

لا بأس فيما يمضي من الوقت وإن طال.. لم يعد يربكني الزمن بل صار يخيفني أن لا أتأكّد من رؤيتي واهتمامي بملامح الطرقات وعمق روايتي عليها وفيها كيف أكون وكيف تكون هي.. أخاف أن أنسى السنين التي أنضجتني والأيام التي قررت فيها قراراً ما والأوقات التي شغلتني عني والأوقات الي عدت فيها إليّ، لا أخشى أن يمرّ علينا الوقت ولكنني أخاف أن يمرّ بغفلة..

لذلك فها أنا أحطّ رحالي في مكانٍ جديد فيّ، مكان يدعوا للاستقرار ولو لبعض الوقت حتى أكتب أحلاماً جديدة قبل أن يدعوني داعي السفر من جديد، فهلّا تحمل كتابي وتحملني معك..؟

كونٌ كبير .. عالمٌ واسع ، نجومٌ منثوره 

حبٌ ومحبّةٌ وسكون ، شِعرٌ وشعور وتجلّي.. 

نظامٌ محكمٌ وتقادير مكتوبةٌ تفاصيل تفاصيلها لا لغط فيها ولا خطأ وضلال..

أنفاس؛ تترى ولا تُحسّ .. جسدٌ حيّ، حياةٌ في الحياة، شمسٌ وسماء وارتفاعٌ وهبوط وطريقٌ متعرّج وطرق سالكَه..

اختلافات، بشر .. اقصاءٌ أو بُعد نظر .. حكمةٌ وعَجَل، تقديمٌ وتأخير..

مكان؛ نظنّه يوماً المنزل، ويوماً الاعتياد الممل، ويوماً هو المأوى ويوماً هو الألم..

مُدنٌ نشتهيها كما تشتهينا، ثقافاتٌ واختلافات، بحورٌ وجبال..

في حال الحديث عن السيلِ الإلهي مع كلّ جلالٍ نقصده، ثمّة جمالٌ لا يخبو وحبلٌ شفّاف يصلنا دوماً بما هو أبعد من خطوتنا الواحدة، ودائماً ما يكون هنالك ملامح ورؤى حين نراها من ذلك البُعد الغيبيّ من المُشاهدة تأتي على سياق قصص أكثر مما تكون علينا واقعاً، وحين نرى كلّ الأحداث والشخوص كقصص، يتوارى شخصنا في الواقع ونحاول حينها اقتراف التحاليل أن لو قد كان لهم ماضٍ فما ستكون مسريته..! يواسينا جداً حينها أن نؤمن بضعف الأشخاص الجسيم حين يعطوننا مظهر قوّةٍ خارقة، ليس لأنهم ضعفاء في الواقع، ليس لأننا أضعف في الحقيقية، بل لأن البُنية تختلف والسياق يختلف والتربية تختلف والروحانيات تتعدد ولا تبقى على حالٍ واحدة .. وأنا يا صغيري أخذت رهاناً منذ زمن؛ أن لا أتمتّع بالمُطلق .. أن آخذ تلك الخطوة الإضافية حتى أحاول الفهم، حتى أجد الجواب، ودائماً ما قد كان يهبطُ عليّ بفضلٍ ولو بعد زمن.

يقول الشاعر عبداللطيف بن يوسف في شعوره العالي بالشعر مخاطباً جلال الدين:

هل يحدث أن جميعنا نشتاق للمولى، ولا والي هنا ليهدئ من حجم هذا الشوق ويجعلنا نلهو، أم أن المولى أعطَبَ كلّ وجهةٍ لنا فيها دواء ليهدينا لدائه وحده؟ أوليس هو وليّ الشفاء والدواء والطريق..! 

سيكون تأمّل اليوم عن الحُزن.. ملهم الشعراء، دموع المُقدّسين، وَجلُ المذنبين وجلال برائةِ رغباتنا في الطفولة..

تقول شاعرة الاحساء اللذيذة اللغة حوراء الهميلي في “جرحٌ يغتسل عند ماء النبع”؛

متأمّلةً في أن الحزن فيه التقطته تلك الحبيبة .. وحاولت مواساته لتختمها قائلةً:

فهل الحزن من وحي المحبّة..! حين نحب الله نشتاقه فنحزن في دنيانا؟ وحين نحبّ المحبوب نشقى في وجوده وغيابه؟ وحين نحبّ الأولاد يكبرون ونظلّ على عهدٍ مع الحزن في غيابهم والوجود؟ الحزن المرهون بخوفنا الدائم، أو ضعفنا المجبول..؟

أوليس الوجود بأسرهِ حدثٌ حزينٌ على الروح..! أن نتواجد في الأرض بعد ما كانت لنا السماء موطناً والإله لنا نوراً والعبادةُ علينا طريقاً كطبعٍ ملائكيّ لايجوز إلا للسماء..! 

أوَ كان أن أودَع الله لنا الخيَار هنا لنختاره بعد كلّ غفلةٍ ونرجع بعد كلّ ضياع؛ هو محنتنا على هذه الأرض..! ذات الخيار هو هذا الصراع الضائع الذي يشقينا بين ما يريده العجول منّا للتلقّي وما يحتكمه الحكيم فينا للاستبطاء، فاتخاذ النور على مهل، وتجرّع العمرِ كما المرويّ من ندى والاختيار كلّ كلّ يوم بين الأمانةِ أو الترك، الحضور أو الغياب، اللهو أم الوعي، الإيمان أم الكفر، التمرّد أم الطاعة، الشهوة أم التقوى.. والكثير الكثير من الحسم اليوميّ في الحياة الواحدة، وبعد كلّ هذا الإدراك أولا يكون العيش، مجرّد العيش بالرضى فوزٌ حزين؟

هو فوزٌ حزين بطبيعة الحال هنا فحسب .. فنحن وإن علا إيماننا لا نعلم ما سيكون، وإن دخلنا جنّة الأرض بالطاعاتِ فلا نعلم حتى الآن كيف سيكون ملكوت السماوات .. ندعوا بابتهالٍ فحسب.. 

الحزنُ جزءٌ من وجودٍ كامل، وليس المقابل أن يكون الفرح حاضراً على كلّ حال، فحتى في الفرح هنالك نسبةٌ من المجهول والضياع حال الصحوِ من سكرته وتلك تكون أقوى من الحزن ذاته وأكثر وجعاً وأثراً.. ولكلٍّ منا حُزنه الخاص، وعلى اختلاف تفاسير تلك الأحزان وما يقال بالصدمات والتسكين والتخدير والشفاء، أظنّ أن الوجود في حدّ ذاته حزينٌ على الروح، لذلك دوماً تحاكينا الصبا وتلمسنا أنغامُ الناي من أمكنةٍ لم نبلغها من قبل .. ذلك أن لحن الروح على هذه الدنيا حزين..

نهايةً ففي الاعتراف بالحزن شيءٌ من الخِفه وفي فهمه شيءٌ من الجلال وفي رضانا عنه شيءٌ من حكمة وفي تسخيره كأداة شيءٌ من فن.. أدعوا كثيراً أن تكون المشاعرُ فينا دائماً متكاملة، وحقيقةً حتى ولو تعالت الأسباب.

وعلى جانب الارتقاء والمعرفة، فقد ساعدتني الكتابة .. كشفتني وكشفت لي نفسي .. أخرجتني من صمت أصواتي الى صوت الكلمات وبلّغتني رحمة الله بي .. استطعت من خلالها أن أوثّق مشاعري بل وأياماً كثيرة؟ أستكشفها .. أحببتها كما أحببت من خلالها وفيها نفسي، وسقيتها كمن يسقي نبتته المفضّلة بحبٍ وحذر .. وجاريتها كصديقةٍ لا كمهنة ورعيت لها شواهدي وأفكاري كراعٍ يعدّ ماشيتهُ ويحرسها قبل المنام وبعدهُ كلّ يوم..

وإني أحبّ أن أضع من نفسي قطعةً في كلّ من أحبه والكتابة كانت وتكون لي مصدر حبّ وعطاء.. 

ولأنّ الرحمة واسعه فطريق التنقيح في سبيلها فسيحٌ وواسع وشامل يُعنى بإيمانٍ عميق خالص بالنقاء رغم وجود جميع الانكسارات المتواترة والآلام المُضنية والظروف العصيبة .. إن القول بحياةٍ تخلوا من شوائب حُلمٌ يستطيب له البشر ولكنه ليس بواقع يُعنى بحقيقة الناس أو أصل الدار الدنيا..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته.. 

وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا..

إلهي .. 

تجمّلت في معيّتك الأحوال والآجال وتحسّنت في وجودك الآمال والأقدار وعظُمت منك وفيك وإليك الصفات كلّها .. اجعلنا يا رب على بابك من الواردين وإلى طريقك وطريق حبك ومن يحبّك من السائرين وإلى درب النور الى العقل من المُقبلين وجمّلنا وجمّل حالنا فيك ومنك يا رب العالمين.

الحمدلله،

ليست هي كلمةٌ نقولها فحسب، بل هي شعورٌ يرقع كلّ ما قد حدث بالقلب لتلين من دواخلنا كلّ الجوانب التي جفّت وتهدئ فينا جميع أفكارنا المرتعشة..

الحمدلله،

لأننا نختار جانب اللين وننحاز لأن نكون من المحسنين وأنا نحاول أن نبقي على أفعالنا البياض حتى ولو كان ما أمامنا أسود .. الحمدلله أن الفِعلة الطفولية من أمامنا لا تجد لها صدىً بالقلب، ولأن التوكّل يطبب كلّ جروح اليوم ، لغدٍ أفضل..

الحمدلله،

أننا لم نكن يوماً لنختار البُغض، وأنا نحاول بالمحبة ما استطعنا، راجين منها التقريب مجتنبين من خلال مفهومها الأذى ميّالين لأن تكون قلوبنا بيضاء، ساميةً كما نهار..

الحمدلله،

أن المُحب يجدُ طريقه إلينا في نهاية الأمر، ليس لأنا نحاسبُ بل لأن لنا من الإكتفاء ما يجعلُ حولنا مناص هدوء من هذا العالم الصاخب..

الحمدلله،

على اللحظات التي قد بنينا فيها، وعمّرنا منها ففتحت لنا الفرج وملئتنا بحشودِ مواساةٍ داخلية في كلّ صعبٍ عظيم.. 

الحمدلله،

لأن الذكريات تساوي على قدرِ ماضيها روعة الأمنيات القريبة وأنّا على دين التوكّل أن لا يزال القادم أجمل..

الحمدلله،

جلسةٌ في خلوتك العزيزة على نسيم ربيعٍ يحلّ وسماءٍ محمّلةٍ بالغيوم، وليل .. تجلس فلا تنتظر أن تمسّ قلبك أو تجرّب صوتك أو تتلوا قصيدةً قد تباركك بالحديث، لا لا، لايستدعي الأمر كلّ هذا، لأنك بمجرّد الجلوس ستسمح لطفلتك أن تلفظ قولها وتبدأ شكواها التي قد حجبتها وأمسكتها عنك وصبرت على نضجك وقتاً طويلا..

تضحك في البداية لرِقّة الأشياء الحزينة، لعُمق أنك تعرف أسبابها، تبكي لأن الفضل قد كان أن مفاتحك بين يديك، فتخشى وتخجل وتطالع السماء بصمتٍ ودموع، وتسترجع النعم..

أن لا تدوم الأشياء .. هل يكون أسوء أو أجمل ما قد يحدث ..! ياالله .. هذا القانون من الزوال موشّحٌ بالرحمة على قدر الألم..

للعبور أن يجعلك سعيداً بالخِفة، وله أيضاً أن يملئك بالحنين، وله أن يحجب عنك الصدق فيما تشتاق إليه .. فنحن حينما نتذكّر؛ تجدنا نلتقطُ أسعد ما قد كان وننسى أن الواقعَ في واقعهِ كان يحمل من الأنواءِ الخفيّة شعوراً داخلياً ما، فليست الذكرى هي كلّ شيء .. انما القادم، الأمل فيه، الركون إليه .. كم يكون شعلةً يملئ القلب لكشفها..! 

الفضول .. الفضول تجاه الحياة يا صغيري هو السلعةٌ الجيّدة اذاما كنت ستشتري يوماً من سوق الدنيا قطعةً ما .. املأ فيها جيوبك وتسائل حول القادمِ وتوكّل.

أن أسطع مع ذهبيّة الشمس كلّ صباح .. يا رب..

لو ينزل عصفورٌ في الصباح، ويغرّد على شرفةِ بيتٍ لا تجف من صدره المحبة، بيتٌ صريح ممتدّ..

لو تتوائم فيما تعملُ أو تتراقص من أجل الغير..

لو كانت ترهقك الطرقات الخدّاعة..

لو كان العالم، كلّ العالم معك وضدّك..

لو كنت تسيرُ وحيداً أو من حولك آلاف الأشخاص..

ولو طُلت قصوراً أو حملتك الخيمات..

لو شاهدت سماءً بحبيبك أو رافقت الليل على تنويرٍ وكتاب..

لو عانقت جلال الروح أو امتدت بينكما نفسٌ تطمعُ وحجاب..

لو فسّرت وجودك أو ضاعت أسئلتك بين الماذا والمعقول،

لو كنت حبيباً أو كنت صديقاً أو جالست الناس طويلاً ولم تجد المعنيّ أو المشهودَ المنشود..

لو كنت حلمت بالإستطراد وأخذتَ الهامش،

لو تتبَع الحقيقةَ ويمجّدون الزائف..

ستيضع يا صغيري ستضيع .. بعض الأشياء لا تحدث إلا وقتاًض في العمر، أشياءٌ تحمل معنى .. ستضيع إذا لبّيت وتضيع إذا داريت وتضيع إذا جاريت..

يا ولدي هذا العالمُ لا يعني العالمَ وحده.. هذا التقدير لشيءٍ أكبر، تصنعنا الغايات وأكثر، تصنعنا رغبتنا بجلال الصدق، يصنعنا جريان المعنى فينا، يرهبنا أن نعرف أن المعقول سلاحٌ، والعالِمُ فينا يعلَمُ أن الحقّ يغيّب نور الشمس عن العلماء، العالمُ فينا يعرف أن العالمَ يسري لهبوطه، ينتظر الأسوء ممَ يرى ويحاول أن يبقى بين المقبول وبين المنكر ليرتّب كيف يكون لوقتٍ ليس يكونه..

يا ولدي نحن سنسري.. سنخاف ألا يذكرنا الغير، وسننُسى في باطن ذكرى، الأجدى أن نُبقي فيمن يبقى.. 

يا ولدي فلأدعوكَ لشيءٍ أعمق..، 

الأعمقُ أن الحلم الفوقيّ أبهى وأشدُ وأخلَد،

الأعمقُ أن الوحدة تاجُ الإنسان 

الأعمقُ أن الإيمان ضياءٌ وجواب 

الأعمقُ أن الله يرى من خلفك مالا تعرف 

الأعمقُ كونهُ خلف الأبواب، جميع الأبواب 

الأعمقُ أن الحب أكبر من شخصين،

الأعمقُ أنك لن تتلاشى حتى لو أذنبت

الأعمقُ أنك فيك وهذا الموجودُ يريد..

الأعمقُ أن الغاية أكبر مما تشعر فيه،

الأعمقُ أن التسليم تجلّي والرفضُ حجاب..

يقول جبران خليل جبران :

ويقول :

وأنا يا صغيري قد جلست إلى الصمت بين الكلمات، والصمت بين الآخرين، وقلّبت أحداث حياتي بين الواقع المشهود والأحلام القريبة، وأخذت أنظر من زوايا يعرفها البعض ولا يألفها آخرون، وحاولت بكلّ ما أستطيع أن يكون لي في توليف النفوس على ذوات من أحبّ؛ يدّ، وما كانت يدي يوماً عابرةً بذلك الوصل إلا على من قبِل واستطاع وشابهت نفسهُ مبتغاي بالوصول ولمس طريقه طريقتي.. 

وإني يا صغيري لا أعوّل كثيراً على صحّة الأشياء التي تنوء بي على هذا الدهرِ وحجم القلق الذي يغتالني قبل النوم ومن كلّ جانب، ولكنني أتلمّس في العلم طريقاً أتوصّل به الى الحكمة، وفيها وإليها يسيّرني حدسي الذي أحياناً يخطئ وأحياناً يصيب، ولكن الإستماع له يورثني حريةً في النفس أشتهي أن أكون في مدارها وأحبها .. أحاولُ دائماً فكّ رابطتهِ عن الهوى،

وقد لا ندرك أنه من خلال انفتاحنا على الناس أو انغلاق أدراج ذواتنا ودرجاتنا عن الآخرين أننا نزيد من تعميق سحرنا الخاص وتنقيح رؤيتنا الخالصة تجاه الحياة، فحينما لا نُشرك فيما نفكّر أحداً، ولا نأخذ الرأي عن كوامن ذواتنا في أيّ مناسبة، نجد أننا في دواخلنا أيضاً نتحرر بين رابطةٍ نبتغي أن تكون فينا ثابته وأخرى مع آخرين تعطي ولكن من منحىً آخر يقاربنا في الإعتقاد ولا يساوينا في العوالم الكامنة..

الآن أعرف يا صغيري الحبيب أن السرّ لا يُكشف إلا من خلال مصداقيّة الابتغاء وحقيقية السعي وأمانة الذات أمام نفسها .. أنه محجوبٌ على من لا قلب له للإحساس به ولا أُذن له لإصغائه ولا عين له لرؤيته .. أن الشجاعةَ يا عزيزي مقرونةً بأدقّ الأشياء لا بأوسعها ولا أكبرها ولا أعلاها بل هي الحجاب والستار الذي يكشفُ عن نور كلّما اقترب الإنسان إلى ذاته خطوة، وبين الخطوة والخطوة للنفس مسيرة أعوام .. وحياتنا يا صغيري قصيرة، قصيرةٌ جداً على أن نُحبس فيها من حلاوة التذوّق والتقدّم والخطو.. 

أتمنّى أن تملأنا يا عزيزي الشجاعة التامّة، لنسعى ونكشفُ ونميل وتهدأ عواصفنا وتسموا نفوسنا ونغترف فنقترب ونحبّ ونُحَبّ فنتقرّب.

ونحنُ البشر نتطلّع دوماً لأوطاننا التي خلونا منها على الأرض أو خلونا عنها، نرى السماء في كلّ مرةٍ ناشدين تحررنا أمام أفقها، هاربين من ضيقنا إلى وُسعها، طالبين من الغيم أو أفلاكها المتقلّبة أو ألوانها خلال اليوم أن تكون لأحلامنا وصلاً ولآمالنا كفائة..

الحالمون، الأنبياء، الشعراء والشاردون .. يتمسّكون بالتطلّع للسماء ليس لأن فيها وُسعاً أو لأنها المهرب العزيز للعينين فقط، بل لأن خلفها يقوم دائماً حجم السؤال على شُحّ الإجابة .. نراها لنتطلّع أكثر، لنتسائل أكثر، لنسبّح أكثر، لنشعرُ ببعدنا أكثر .. فلو كانت السماء موطن الروح منا فما يعنينا واقع الجسد ؟ هي تخفف دوماً سجننا الأرضيّ بأيّ حالٍ كان وكنا..

شوارع الحارة تمتلئ بالمياة التي لا تقدمُ من مطر، ولكنها تسيل من أحواش البيوت التي تتجهّز للعيد .. تشبه في أنوارها المنتشرة في هذا الوقت من الليل حين خروجي مدينةً من خارج هذا الكوكب، مشّعةً بالخيال، تتزيّن من أجل التقليد لا من أجل الزينة، كصبيّةٍ حسناء أهدتها الحياة ثوباً أخضراً فأحبّت أن ترتديه في ليلةٍ قبل نهار العيد، فصار في انعكاس أفلاك عينيها باللّيل أجمل. 

أشبّه وجودنا المعزول هنا أحياناً بمفاجئة الإنتقال، وكأننا حين نرى العائلات وكثافة التجمّعات والسيارات التي تقف حول البيوت، ندرك متأخّراً وحدتنا في هذه المدينة الصغيرة، أو لعلها ليست وحدة الشخوص والعلاقات بقدرِ ما هي وحدة الطبع والإستطباع الذي تربيّنا عليه،

ورغم كلّ هذا، لا أملك في زحام الليلةِ إلا أن أتطلّع لجمال الأنوار على الشجر وسُعار السائقين السريع ووود الشوارع المنثور وزحام الصفوف عند المحلّات، وأبتسم .. لأن خلف كلّ شخصٍ حكاية، خلف كل انتماءٍ غاية، وخلف كلّ قصةٍ يحكيها الزمن لنا والوالد عن قِدمها تستطيع أن تتبنّى هذه المدينة دائماً جديد الأشياء..

ثم أرجع لمنزلنا الذي يبدوا منكفئاً على نفسه، وأفضّل الانكفاء بذاتي أيضاً في لحظةٍ ساكنه، والهروب إلى خلوتي حيث منها تبدوا المدينة ذات أصواتٍ عالية وأنوارٍ ساطعة مقارنةً بالليالي التي تكون فيها مهربي الهادئ عن كلّ شيء.. أجلس إلى نفسي وألمس قلبي وأستشعر دواخلي لأتفكّر بكلّ الذي فات، وبكلّ ما هو آتٍ وأشكر الواهب على سعة العطاء على قدر حجم المنع وبهاء الوجود على قدر أحزانه ونعمة الإحساس على قدرِ ما تمسّني وتميلني بريحها، ونعمة الفضول على قدرِ ما تحرقني المعرفة.. ونعمة أن أكون هنا والآن على وجه عيدٍ جديد يعيد لنفسي نفسها.. 

أدعوك يا صديقي في هذه المناسبة السعيدة، لأن نجعل الإختلاف يرقّينا ولا يغيّرنا لخواطر آخرين، أن نسطّر منه حكايتنا الخاصة بآمالنا الخالصة، أن نُحييه ولا نخجل منه، أن نجعله سِمةً لا عالة، أن نجعلنا منه ما نتمنّى أن يكون خِلاف نقمنا لما يُحدثه.. وأن نلاطفه صغاراً ونحمله شباباً ونحكيه شيوخاً ونشعل من فكرته قناديلنا للمضيّ حيث لن نكون يوماً كما كلّ أحد.

حين يتم مشاهدة التجارب عن بعد، لا يبقى لكينونتنا مكان فيها بقدر ما يبقى للدرس المستفاد حجماً بحجم الذاكرة، تلك التي تسعفنا يوماً وتخوننا أياماً أُخر..

أتذكّرُ من قد قال لي إن العيش من الذاكرة أعزّ وأبقى في حياتنا اليومية، وأتذكّر أني قد تسائلت يومها كيف للإنسان أن يرضى بمحصّلةِ ذكرياتٍ عابرة ويتغافلُ عن كونه ابن اليوم، فالمرحلة ..! 

ثم ابتعدَ أحبابي .. وقد غرّبتنا هذه الأرض، 

لأتذكّر تماماً ذلك القول .. فبجعبتي ذكريات عن ذات الحُب، تشعرني بالرضى أني قد جرّبت احتماله على الأقلّ يوماً وأنه كان عذباً صادقاً شفافاً لطيفاً وأتى على مقاسِ قلبي ومايستطيعهُ من محبَة، هنا تكون الذكريات صندوق رضى لا مرجع مطمع ولا بؤرةً للأحزان .. هي مُحصّلةٌ تذكّرك، أنك ولو يوماً ما .. قد جُذبت من طاقته وانجذبت في مداره وحامت روحك بخِفّةٍ حول كوكبته وسكرتَ من دوّامته ..

سترضى حينها ولو كان الذي بقي لك منه مجموع ذكريات، سترضى لأنه قد كان لك، وقد كنت فيهِ ولم يكن من الخيالِ بقدرِ ماكان واقعاً بأحاسيسك،

صرت بعده تعرف اللين، تُرك قلبك الذي أحبّ ومال، صرت تعذرُ المُحبّين، صرت ترى ذنوب الحُبِ بنور البصيرة، صرت تعرف الضعف الإنساني تجاه ميل القلب وجنوح الخواطر، صرت تعرف النشوة وخفّة الحب وبهجة الكلمة الواحدة وتغيير حالٍ بالتفاتةِ قلبٍ إليك .. صار قلبك أليَن وطينتك أسهل للتشكّل حين ترى محنة الآخرين، لتعلم بعدها أن الحُب، بعيداً عن نهاياته واحتمالاته، لا يأتِ إلا بخير..

وسواءً كُنا أبناء اليوم بذاكرة الأمس ، أو أبناءً لأحلامنا وتجاربنا الجديدة .. يهمّني ويعوزني أن نكون دائماً: (نحن)، بقدر ما لتلك الكلمة سبقٌ فينا، بقدر ما سنحاول معرفتها وكشفها ودراسة أطوارنا فيها،

مهما ساقتنا جميع أقدار الله وسَعةَ إمكاناتنا إلى مالم نتنبأ يوماً؛ الأهمّ أن نسكُن لمن نكون.

الذكريات المكيّة التي تزاحمني حينما يطرأ ذكرها كمكان، كثيرة ومتفرقة ومتنوّعة من حيث لا تشبه تجربةٌ فيها تجربةً أخرى .. مكة متعددة بعدد الوجوه التي تمرّ عليها والشعوب التي تسكنها والوادي الذي يحمل جبالها، تضيق بقدر شوارعها الملتوية وتتسع بحجم بقعة الحرم الذي يكبُر كلّ عامٍ معنا وكأنما نصغُر..

لا أستطيع الإلمام بحجم الكعبة المشرّفة، ولكنها في عينيّ ومن فوقها السماء بملائكة البيت المعمور تشبهُ القبلة والبوصلة التي تهوي إليها أفئدة المسلمين حول العالم .. لها طاقة جذبٍ عميقة ومواطن سلام يتوسطها الدفئ الغامر .. تدور حولها فلا تحسّ بالدوار بل وكأن المزيد في هذا الحال يشفي .. وكطفلٍ إكتشفَ للتوّ مركزيّة جسده فحام حول ذاته دائراً؛ تكون الكعبة لقلب المسلم .. علامةٌ وهَديٌ وقبلةٌ وهُدى .. عندها نحن دائماً نصل. لبقعتنا المكتوبة حسباً في هذه الدنيا .. ولولا الزحام العميق لوجدت من يجلسون بلا مللٍ للارتواء بدهشة المشاهدة..

الحرم الطاهر يصبّ في اتزاني صباً كأنما يعلم حجم الوجوم الطارئ على قلبي، يحرّكني ويهزّ مسلّماتي ويوقظ شيئاً في نفسي لا ينطفئ .. يساويني ويعيد قصّ احتمالات غروري وتشذيب مطامعي فألتحم مع روحي اتحاد المحبوب بعد طول غياب، يفترش الأرض ويقبّل الأرجل ويبارك الخطوَ ويتقرّب بالفصاحة ويميل هياماً بالفضل المُعطى سَلفاً والفضل المنتظر .. فيحاول مع حسن الظنّ الشكر على الحالين قبل واثناء وقوعهما في أرض نفسه..

لا نتخيل حينما نجاوُز حدود الحرم ونشاهد وعورة هذه الأرض أن من خَلفنا رقعةٌ مقدّسة في وادٍ يغيب عنه الزرع في أرضٍ لا تشبه فلات العروبةِ وصحاريها ولكنها تشبه جميع المقدّس الذي يريد له الله أن يكون..

ها أنا أنتِ يا مكة .. ها هو جسدي يتسامى فيكِ ويقشعرُّ تارةً ويستقر .. آتيك بحجم جميع القصص التي تذكرين وكلّ المقدّس الذي تكونين وحجم الروايات التي تكون على أرضكِ والشعوب التي تطأكِ، آتيك إحساساً وقلماً قبل أن يمسّ جسدي بركتكِ ..

ضمّيني بالدهشة واغسلي قلبي بالدمع وباركي خطويَ إليه بالقبول وكوني لي منك على نفسي من المبصرين .. واحمليني خاليةً مني إلا إليه.

ويذكر رسول حمزاتوف في داغستان بلدي :

“تحدث أحياناً بين المتزوجين حديثاً مشاجرات. في مثل هذه الأمسيات يأتي أصدقاء الطرفين، وعلى الأخص أصدقاء الزوج، إلى تحت نوافذ البيت ويأخذون في العزف على المزمار. وأنغام المزمار هذه تجعل الزوجين الشابين ينسيان خلافاتهما الصغيرة.

وأنا أيضاً كان لي صديق طيب هو المصور والموسيقي أمين تشوتويف ، وكثيراً مااضطر في سنوات زواجي الأولى إلى أن يأتي ويعزف تحت نوافذي.

أي أمين تشوتويف، لماذا لا تأخذ كمانك الآن وتعزف تحت نوافذ العالم لتخمد نزاعات عصرنا فتهدأ؟

كان لي في إحدى لقاءاتنا في شيكاغو نقاش حامٍ مع زميلٍ أمريكي. كان النقاش قاسياً، لاسبيل فيه الى الاتفاق على مابدا ، لكن الأمريكي قرأ فجأةً فيما بعد أبياتاً لأخيه الذي فقده في ألمانيا أثناء الحرب الأخيرة. وأنا من جهتي قرأت أبياتاً لأخي الذي قتل هناك أيضاً وفي الوقت نفسه.

وبين صوفية محمد الفيتوري السودانية وسلاميّة رسول حمزاتوف الداغستانية، وعلى مفارقة الثقافتين رغم شاعريّتهما، كان لديّ ميلٌ لأن أتذكّر أن الإنسان هو الإنسان كما أن الأشياء ليست هي الأشياء من منظور الفيتوري..

تأمّلت طويلاً وبخصوص الأحداث الأخيرة في عالمنا العربي، رجوع سوريا وزعيمها ارغاماً وأحداث السودان اليوم التي أجهل الكثير من أسبابها سوى خوفي من الدم ووقوفي مع الشعب في كلّ حال.. أشعر أنني بحاجةٍ للإعتذار.. من كلّ طفلٍ  عرف الموت بأقسى أشكاله وتعرّف على الظلم قبل أن يرى معنى الحرية والبهاء والحياة البسيطة والشكل الطبيعيّ للأيام أو للطفولة..

أشعر بحاجةٍ ملحّةٍ أيضاً للإعتذار منّي، فرغم جميع ما أعرض له نفسي من الشعر والأدب وقصص التنمية وبرغم حساسيتي تجاه الشخوص والناس، لا أزال أصدّق فيمن خذلني وأحاول أن أتلمّس الطيّب في الخشنِ والناعم خلف الخُبث..

أيستطيع الإنسان أن يعود رغم القسوة إلى إنسانيّته..! هذا ما يفعله التصوّف فينا يا صديقي.. يعيد الروح إلى مكانها ويرتّب القلب ليكون الله هو الواحد المعبود الأوّل، وما دونه هباء..

وبشكلٍ ما ترتبط الصوفية بأقسى تجارب الإنسان من القتل أو الحرب أو الموت، لتجد الرهافةُ دائماً بابها المفتوح ولو على طرف بين قطبيّ أعتى مالا نستطيع احتماله وأكبر ما بوسعنا أن نناله من وحي الروح على خواطرنا المحمّلة بالكسور الدنيوية التي ما إن تأتي الحقيقة حتى تنخل منها الكثير وتُبقي ما له فينا أثرٌ حقيقيّ، 

عن الأثر يُحمد دائماً خفيف الخطى بليغ الأثر، ولكن كيف يأتي للخطوةِ أن تبقى على أرضٍ رمليّة إذاما خفّ وجودها؟ وكأن ثقل الخطوة ياصاحبي يكون موازٍ لمدى عمق الأثر، ثقل الجروح موازٍ لتعميق تجربتنا الإنسانية، ثقل التجربةٍ موازٍ لتعلّمنا للدرس، وثقل الدرس موازٍ لعمق حصافةِ العلم الذي نحمل وامتيازهُ بالتجريب عن الكلام؟ 

ما أحاول قوله ياصديقي أن لقسوة الظرفِ أن تولّد لدى الإنسان روحاً شريفةً في دوافعها تبتغي أن تقاوم، بعيدةً عن الأسى المرهون بسهولة كلّ ما قد يكون حولها..

قد يكون أقسى ما قد نواجه هو تبرير وجودنا على هذه الأرض.. قد يكون أقدس ما نواجه على حدٍ سواء، هو تبرير وجودنا على هذه الأرض..

الشعرُ والأدب، الحساسية والكلمات، التصوّف والحرب، مبتغى الدنيا أو الآخرة.. جميعها أمور يا صديقي متعلّقةٌ بالمبدأ والبوصلة، فيها يُفرق أمرك إذاما كانت لك منها دوافع محمودة.. وعلى عكسها تنكصُ دائماً على قدميك خاسرا ولو أعطتك الدنيا جميع ألقابها..

لا شيء في الأدب يوازي صدق القلب في حضور الكلمات حتى ولو أبكتنا ولا شيء في المعركة يوازي صدق قضية الجنديّ في قلبه حتى ولو مات ولا شيء يوازي في خلوة الصوفي نقاء حبّه لربه حتى ولو فنى.. جميعها تتعلّق بنقاوة الدم وصدق الدوافع؛ فإذاما أهداك الله يا صديقي حياةً تتحلّى بالصدق، فبعيداً عن أيّ ظروف، ستكون بخير؛ لأن قلبك سيكون بخير.

وما زلت يا صغيري على قيد النبض وعهد الحياة، أعدك أن أكون حاضرةً في أيامنا كلّها ..

وأنا يا رب ..

لست خائفةً من تقطّع الأحبال أو الأوصال .. أنا خائفةٌ من هذا الشعور الذي لاينطق، وذلك الغضب الذي لا يضجّ وتلك الذكرى التي لا تُنسى

أنا خائفةٌ من حجم الخوف الذي يمنعني من تلقّي سُلّم الأقدار والحياة كما يكون، أخشى أنني أعرف التذكّر أكثر مما أتقن العيش .. 

ونعم ياصغيري .. فلقد أحببت الحياة، أحببتها بشكلها العميق .. وكنتُ فيها ومن خلالها دوماً معي .. لذلك رفضت لها أن تعبر ولا تتوقّف .. كنت أريد أن أتذوقها برويّه، أستشعرها، بجميع بواعثها

ولقد تقدم بي الزمن لأرى أن الحكم عليها من خلال الأيام وليس المراحل، حكمٌ جائرٌ وسريع .. وأنها، وأنها تدور وتدور ..

يا لدوارنها الذي يشعل النار فينا ويخمدها ..

يا لانقلاباتها التي تكون حليفنا يوماً وعدوّنا في أيامٍ أُخر ..

يا لضياع النبض في لهاثِ عُشاقها ..

يا لغدرها وكرمها، حذقها وبرائتها، تعاستها وأفراحها ..

يا لضجيج أحلامها .. يالصمت مقابرها ..

وإني يا صغيري لست أسأل من تخلّى أن لماذا قد سمح لموج الحياة أن يهبط على وعوده فينساها، وشخوصه فيتركهم، ويفرّق فيما بين يديه أو يُفرّط .. الراحلون يا صغيري هم ودائعنا فيما تركنا فيهم من اختلافٍ وإئتلاف، فيما شعرنا حولهم وتركناهم يشعرون، هم لحظةٌ من لحظات انعكاساتنا في هذا الزمن بفترةٍ ما، لنبقى في ذكرياتهم للأبد ..

وأخيراً ..

فمادام في العمر من تقديرٍ لا نعلم له نهاية، فلكلّ هذا الوقت مقادير ستصبّ في بواطن إدراكاتنا من حيثما لن نعلم كيف أوصلتنا إلى فكرتنا المطمئنّة أو أودعتنا إلى أسلوب عيشٍ يشبهنا أو جعلت منا شخوصاً أفضل، وكلّما أقبلنا عليها بوجهنا الصافي أصدّق أنها ستصفو لنا وحدنا وسيعلم الله بأيّ صفحةٍ من هذا القلب نحن نحاول ونجاهد أن نكون .. وحسب اجتهاداتنا عند الله نكونُ

وبشكلٍ ما، تستعيد الحياة يا صغيري في عينيك رونقها .. ذلك أنك حال الضيق لم تحاول تعديلها، كنت معها حينما كانت تخوض فيك نواميسها، شاهدتها تسري فيك ولم تقاوم ضبابها الذي غشّى عن عينيك رؤية ما يجدر أن يكون، وفي ذلك الضياع المهيب البارد تولدُ من أعماقنا رغبةٌ مُلحّةٌ لمقاومة ما كُنا نرفضه؛ كلّ ألمٍ يقوّينا ..

وأنا يا صغيري لا أعلم ويعجبني جهلي تجاه التطرّف والإطلاق .. تجاه معرفة الشراسة، تجاه أن تخاض الحياة بالمؤامرات والمعارك، تجاه أن تُحبس تلقائيتنا في سبيل تحقيق أذىً على صعيد النفوس .. هي النفوس يا صغيري التي أخشى كشفها للحدّ الذي أترك لها أن تتوسّع في ساحتي أو أتوسّع في ساحتها حدّ أن تكبر الهُوة فنعود غرباء ..

أحتمي دائماً بمسافة الأمان الفاصلة .. حتى يُعرف الحد، وتتقن الراحات، فبين المقاصد والكلمات تختبئ دائماً نيّة البلاغة، وبين الناس وألسنتنا فيما نحدّثهم تخبوا نيّة الإحسان أو الضرر، والله يا صغيري من فوقنا عليم ..

الروح تتجلّى كلما رقّ مطلوب القلب وارتقت فينا غايات عقولنا عن سفاسف الأمور؛ تكون حتى ذكرياتنا تجاه ما قد حلّ سليمةً من الأذى، لن تقوى فينا ذاكرة الألم بقدر ما نضفي عليه من المعنى ليكون كما مرحلة، وأسمى آلامنا ما يأتي لنا بالرسائل الخفيّة ليخبرنا عن ذواتنا وما نستطيع .. وما أكبر ذلك المدى فيما نستطيعه من وحي الروح يا صغيري، بدأ بها الله في الأنبياء واختتمت في تكليف البشريّ البسيط على أحوال دواخله وأمره .. وتلك الأمانة هي غاية الغايات حتى حينما نودعها إلى الرفيق نؤتى نتائج جهدنا وجهادنا الداخليّ بالجوارِ أو العقاب .. 

أرجوا أن يكبر فينا يا صغيري إيماننا للحدّ الذي يجعل نفوسنا  تهون وكبريائنا ينكسر وعجلتنا تستطبئ وحكمتنا ترتقي وتدوم ..

كن دائماً بخير يا حبيبي ..

إلهي .. تقدست وتعاليت 

فارغين، إلا مما تسمح لنا بحمله 

وتائهين، إلا مما تسمح لنا بإيجاده 

ومهمومين، إلا بما تطرحه من أكتافنا باليقين ..

اللهمّ إنا حائرين فدُلنا ومتخوّفين فأرشدنا وضعفاء لا نرجوا أن نتقوّى إلا بجنابك وحسن رعايتك ..

أدعوك .. أن تُظلنا من حرارة التيه وتدفئنا من صقيع المشاعر وترتّبنا في فوضى الحياة وتؤتينا منها

ما تراه لنا الأخير والأنسب وتجعلنا فيها وعليها من الحامدين فضلك السائرين حسب أمرك المجيبين لدعوة أنبيائك بالتوحيد لك .. لا إله إلا أنت.

الخَلف في نفسك وعملك عليها هو حين تفعل بك الاشياء الصغيرة كلّ مالاتفعله بك عظيمة الأثمان 

لتعود وداعة بسماتك للخروج على ليل وهدوء وسماء وكوب شايٍ معطّر .. هناك حيث لا شيء أثمن من حرّيتك، من روحك في سماءٍ لا تطولها مداخلات الأشقياء 

غريبةٌ هي النفس يا صاحبي .. ففي حين يُسهمون بكلّ الثراء أجدني كلّما وجهت وجهي شطر السماء؛ سَموت وزاد ألَقي واتساعي وتفتّحت أسراري عليّ بشوق وحضور .. أعرفني كطفلةٍ امتلأت فيها الحياة وامتلئت هي بالحياة حدّ أن صار الشقاء صدفة، والسكون سِمه ..

أعلم أن الأشياء لا تسقطُ في عوالمنا عبثاً، والشخوص وملامحهم لا يُقدّرون علينا بشكلٍ عابر بل توزن الموازين وتنصبّ الأحداث في حالنا صبّاً دقيقاً ولو كان على نفوسنا كثيفا .. دقيقاً بالمقدار عميقاً في الأثر سماويّاً في التنزيل .. ونحنُ القالب لقدرِ ربنا نتشكّل كيف يشاء، نتسع أو نضيق نتقدم أو نتأخر نخطئ او نصيب .. لا نزال نحمل المكتوب بما في وسعه أن ينبت الأرض ويجريها في سواقينا كيفما أراد ..

ولا أعلم لماذا أن كلّما تقدّمت وتكشَف لي المخبوء زاد أمَلي في الخفيّ وزاد عليه اتزاني رغم ظلام الرؤية ..! أولا يزال الإنسان يبتغي ويأمل من هذه الدنيا ما يفوته حتى لو رضيَ واستقرّ وشبع بكلّ جوانبه فيما بين يديه؟ أليست الفرص ذاتها هي ما يحيينا تجاه القادم ؟ أوليس الله سبحانهُ قادرٌ على شقّ الظلام من كبد الحِلكة واستظهارِ النور ، كلّ يوم ..! أوليس الذي تكون النفسُ بين يديه بقادرٍ على أن يُحيي فيها ما فات ويعالج ما مضى ويرتِقُ المجروح منها ويداوي عضال أمراضها ..!

لذلك فالأمل هو سرّ الإيمان  .. الأمل الذي قد يبدوا حالماً في مواضع، وطفولياً في مواضع أخرى وسريعاً عجولاً متخبطاً في أكثرها .. هو ذاته الإيمان أن ما يؤذينا يدفعنا للأحسن وما يشقينا يعلّمنا وما يكسرنا يقوّي عظامنا وما نحسّه يلامسنا يزيدنا تعلّقاً بكلّ ما هو إنسانيّ، حقيقيّ ويجلبنا للحياة .. الأملُ في النفس والحال والمئال .. الأمل في سير الإيمان وزيادته ومضاعفته .. الأمل أن الحال ستكون أحلى وأطيب .. وأن الله قادرٌ على أمرنا، علّامٌ بمن وهب ولمَ وهب وكيف يهبُ للمحتاجِ دقيق أمر حاجته وعذوبة تفاصيل مراده؛

ولو بعد حينٍ يا صاحبي .. ولو بعد حين ..

: وماذا كان منك ؟

-مرت جميع العواصف .. وبقيت هادئة. وملامحي تشهد على حجم هدوئاتٍ مضت.

وفي اقتباسٍ لفضة من رواية ثلاثية غرناطة وهي تقول لعليّ :

“أحياناً أقول إن الحياة تقسو بلا معنى ولاضرورة، وأحياناً أقول حظنا منها، وإن ساء؛

أقل قسوة من الآخرين، أقل بكثير.”

مرحباً أيها الصمت .. أحييك من مكامن السكون، تاركةً للكلمات أن تتفكّر بك اليوم، وتنساب معك ..

أشهدك .. تحلّ أحياناً كصديقٍ حنون، وتقسو أحياناً كعدوّ حين لا نطيق مجالسنا .. ومعك بيننا وبين ذواتنا تكون حكايا، 

هنالك صمت السيارة حين تحملنا فكرةٌ ما،

وهنالك صمت الاستحمام حين يغمرنا الماء

وهنالك صمت ما بعد الركض أو أداء الواجب اليوميّ وهو صمت عذب مغمورٌ بالهدوء ومغموسٌ بالجزاء العذب

هنالك صمت الألم حين لا نستطيع الردّ على قليل الذوق

وهنالك صمت النغم حين يُطرى أعزّ مانملك

هنالك صمت مسافة التفكّر في الجلوس بين صديقين بعد حديثٍ عميق،

وهنالك صمت اللحظات الأولى من مقابلةِ شخصٍ جديد؛ صمت مربك..

وأجودُ أنواع الصمت بل وأحبها إلى قلبي وما يكون عبادة، هو صمت التأمّل والخلوات .. حين تكون العين غنيّةً في نظرتها للملكوت والسماوات، فتتخدّر معها للحظة قدرتنا على الحديث وتسكن معها جميع أصواتنا الداخلية ويحلّ محلّ الصمت السكون ويطفئ في حضرته كلّ فتيلٍ من مشاعرنا المشتعلة مبقياً للهدوء حقّه بالتبدّي .. لنكون ..

أزعم أني أحبك أيها الصمت .. ذلك أني أحضى بالقليل منك خلال يومي، ولربما يكون مدى العذوبة ذاك يأتي من مقدار الشُحّ فيك، فبعض الأشياء في حياتنا جوهريّة مزاجنا في حبها تأتي لأنها نادرة. 

لا أحاول أيها الصمت أن ألقى إجابة، إذاما كنت جميلاً أو زائراً خفيفاً أو ثقيلا .. ولكنني أعلم أن ثمين الأدب وعظيم الأفكار وغزير العلوم وما وَصل إليه بشر، وماسيصل ؛ جاء كإرث من باطن الصمت وحسن الإستماع لحفيف الحياة ، فالتفكّر ..

ففيك ومن خلالك نستطيع استماع أصوات كما لو نسمعها أول مرّة كما لو نحيا لحظتها أوّل مرة .. أتذكر ما قد قيل لصديقٍ مستوحش في مكانٍ جديد، أن يعيش يوميّات أصواته كبدايةٍ للإستيطان، فالأذن تستوطن قبل العين وتألف مكانها قبل الجسد من خلال الانتباه ..

صوت فتحة الشباك في بداية يوم، صوت صفقة جناح الطير، اختلاف تغريد طائرٍ عن طير، عوادم سيارةِ الجيران،

الهواء على الأغصان، صوت القطط، صوت ذبابةٍ عابرةٍ في نهار، صوت المدفأة بداية إشعالها 

صوت مدرسة الأطفال، أصوات أقدام تمشي، أصوات متحدثين أغراب عن لغتك، وانسياب الكلمات فيما بينهما

صوت الصباح، صوت الأصيل، صوت شجرةٍ يعود الطير لأكوارها عند الغروب، صوت الليل، صوت إغلاق الشباك في نهاية يوم ..

للحياة ياصغيري فنون ، وبعض تناقضاتها تكمّل أغنيتها التي تبعثها كلّ يومٍ بين يديك ، كما رقصةُ الصمت والصوت .. 

أرجوا أن يكون صمتك تفكّر، وحديثك نغم .. وأن تستوطنك جميع الأمكنة حيثما تألف أصواتها لتكون لك الخيار الأحبّ والرحيق ذو النعمة المُطلقةِ وأن تكون بخير ..