” جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما، يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما ”

صديقي العزيز ..

من هيَ أُمنا الحقيقية ، وماهي قضيّتنا الأولى منذ بدأ الزمان، زماننا على الأقل؟  وهل تتذكّر كيف عُلّمنا أننا واحد حين نتحدّث ذات اللغة ونعتنق ذات الدين ..! وأن “الإنجازات العظيمة تبدأ برؤية أو حلم ، وتنتهي بحقيقة أو واقع” ..! هل للأحلام ياصديقي أن تطول أجيالاً وأجيال ؟ وكم فرداً حول هذا العالم يحملون مسمّيين مُغرّبين مثلنا ليتخذوهما سكناً وهويّة كتركيبةٍ وُصمت بكلّ شيء ، إلا مايشبهها حقاً كديانةٍ وكإنتماء ..!

صديقي العزيز .. سأحتجب عن المعنى، لأنك أهلٌ للعُمق ولعلّ من يفهم لُغة روحك سيستطيع ترجمة هذا القلم المُثقل ، والمليئ بالإعتبارات اللتي لم يعبّر عنها بعد .. وياترى كيف سأقول وأعبّر وكيف ستعبُر حروفي عن رؤياي ، أنا التي لم تكن تعطي يوماً لتفصيلة الحُلم بالاً يُرى أو فعلاً يقال ..! مالذي يفعله الوقت ياصديقي ؟ وكيف تمر الحياة بنا سريعاً ..! وكيف لها أن تنتشلنا بأعوامٍ قصيرة من بدايات مخيفة وتجعلنا نرتطم بنهاياتٍ سحيقة، وليس وكأنها تنتهي أيضاً .. هي تستمر بإستمرارنا من عدمة ، في تواجدنا من عدمه وفي إحساسنا ووعينا من عدمه .. كيف يشعر ياترى من تساقطت قطع إنتماءاته قطعةً قطعة ؟ وماحال من قد يكون قد تغيّر حتى على نفسه ليجد بين الذات والروح إبتعاداً في التعريف أو إعادت التركيب .. حيث وحين تتساقط قطع الإنتماء تشعر بالخوف على من تكون ومن يتدخل في تكوين هويّتك .. أو في “تذويبك كقطعة سُكّر” كما يقول غسان كنفاني ..

قيل لي ياصاحبي أن الأحلام وجهٌ من شيء يتحقق لاسيما ونحن نحمل فيها نبوءةً سماويّة، وقد تكون الأحلام هي مانعوّله على الواقع بالأمل ، الأمل الذي يعطينا معنى وجدوى الوجود. الوجود الذي يجعل منا كائنات وأشخاص ذوي معنى .. إن أحداثنا هذه السنة ياصديقي تكون وكأنها في وقعها ومع كلّ صوتٍ جديد وخبرٍ أشرس  تتحرّك من عمق تيارٍ لم تستشعر النقطة فيك يوماً أنها  تنتمي إليه ، وباء ، خوفٌ وفقر وسلامٌ مزعوم وانفجار هناك وفيضانٌ آخر تسبب في غرق ..! وتراك من بعيد وكأنك ابن السماء والتيار ذاك يأخذك إلى أخمص الأرض  ولكنّ الأحداث الأكبر تمدّ يديها إليك ،  تحاول انتشالك ،  وأنت بعد كلّ حدثٍ أكبر منه تجدك تحاول المقاومة تحاول التشبث بما يمسك بك تحاول التسامي على جسدك  ورغبتك وحلمك لتصل لواقعٍ ما وسماءٍ  فيما بين السماوات السبع … يقول الروائي إبراهيم الكوني في مِحنة المبدع : “فالمحنة التي تواجهنا ليس كيفيّة التعبير عن الواقع، ولكن في كيفية الإفلات من الواقع. في كيفية الرحيل بعيداً عن الواقع، في كيفية تحويل الحلم إلى واقع. والقدرة على تحقيق هذه المعجزة هو مقياس الموهبة، بل ومعيار العبقرية. فأن يتحول الإنسان بقدرة قادر إلى حشرة وليس إلى ملاك، أو حتى إلى إله، وهو الإعجاز. هو الفتح المبين في حال أفلح المبدع في إقناعنا”..

تجدك تتسائل ياصديقي بعبث أمام كلّ هذا الامعقول وأمام المبادئ التي تتبدّل ببساطة ؛ أن متى كانت المرة الأولى أصلاً ، ومتى كانت الأخيرة ..! ومتى كنت قد تركت خطّ الذاكرة للجوء لشواطئ الأبديّةِ والنسيان .. متى وكيف كُنت وإلِى ماذا صار جسدك الذي كان يوماً ما صغيراً بحجم الكف ..! هل نحن نتغيّر حقاً أم نولد من جديد ؟ هل نحن نكبر أم نتجرّد من الأشياء قِشرةً قشرة لنقول بصدقٍ عمّن نكون كعصفورٍ يخرج للحياة جديداً وبلا ريش .. متى أصبح لك ريشٌ تطير فيه وهل تتذكّر حين إفتقدته ؟ من الذي ينزرع الريش ، من الذي يقسّر الأحلام ، من الذي يرهبنا تجاهها ، من الذي ينزعنا من الحياة ويعطينا شيئاً يشبهها ؟ لكن فضاء الحقيقة ياصديقي يحمل أموراً لاجدل فيها ،  كأولويّتنا تلك وأُمّنا الحبيبة، ذلك الأُفق يكون مكاناً تُختزل فيه تبعاً  لضميرك، وعن قداسة الضمير كان يقول ؛”بالقوانين الوضعية نحن مدانون سلفاً بالعبارة التي تفرض فينا سوء النيّة. بالقوانين الأخلاقية نحن براءة، لأن شهادة الضمير حريّة”. لذلك ياعزيزي كانت قوانين الأرض لاتعني شيئاً من السلام .. لأن الإنسان مهما إجتهد لن يستطيع بجُلّه أن يتفوٍّق على قانون الزمان ، طبيعة الأرض وأقدار الخالق .. 

وحتى نرى السلام الحقيقيّ وحتى يطير الحمام في أرض ذلك الحُلم حُرّاً .. أرجوا ياصديقي أن نشهد ذاك اليوم سوياً .. وأن تكون بخير .. 

“دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها .. ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها .. يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ”

*الساعة الحادية عشر إلا الربع صباحاً .. يمضي في سيّارته شاقاً الطريق للجهة الأُخرى ، لم يكن يعلم حين إستعجل استحمامه وخروجه أنه كان على بُعد دقيقتين أو أدنى من ذلك الحادث الذي سيغيّر شكل جسده ومسيرة حياته ، وإلى الأبد ..
*كان عابثاً ومتواكلاً حين وضع رقمه في سلّة الجوائز السنوية في محلٍ يزوره في يومٍ محدد على مدار الإسبوع ، لم يكن يعلم أنه سيفوز بقيمةٍ قد تغيّر أوضاعه من حيث لم يحتسب ..
*ولم يعلم حين دخل تلك المكتبة التي إستخفّ برثاثة رفوفها أنه قد يلتقط من ذات الرفّ الكتاب الذي سيقلب قصة حياته الفكريّة ومسلّماته إلى الضفّة الأخرى ..
*لم يكن يعلم أن المدير الذي يكرهه جداً في العمل ، ذلك الشخص الذي لايطيقه أنه سيكون هو وسيلته الوحيدة للوصول للمكان الذي يتمنّآه طيلة حياته ، وسيسلّمه الحُلم بطبعةٍ على ورق ..
*ولم نكن نعلم نحن كعائلة حين زارنا أخويّ الموظّفين في اجازة نهاية الإسبوع ليومين على أعلى تقدير أن الإجازة الإحترازية لجميع منسوبي الدولة ستحل -حتى إشعارٍ آخر- وأنّ وجودهما سيطول معنا لما مايقارب الشهرين القادمين ..
*ولم يكن ذلك الشاب الذي أتابع مسيرة حياته التي يوثّقها على يوتيوب أنه حين إنتقل إلى مدينة باريس كحُلمٍ جديد ليعيد بناء حياته أن مشكلته ستكون في إستلام مفاتيح شقته من مالكيها خلال حضر التجوّل الكامل وأنه سيضطّر للإنتظار ريثما يصله المفتاح الذي يكون “في ذات المدينة” ! من خلال البريد ..

بالتأكيد تعددت مواقف من كان لهم مع الإجراءات الإحترازية للدول الكثير من القصص والتي حتماً تستحقّ كتاباً بأكمله .. لكنّ جُلّ ماشدّني في وضع الحياة الذي واجهناه هو مبدأ ذلك التغيير الذي يحدث قسراً على أيّ شخص كان ..
وعن تغييرات الحياة بمراحلها .. المفاجئ منها ، المحزن أو السعيد .. تلك التي قد تطرأ على فكرٍ حملته ، أم على علاقةٍ أبقيت عليها ، أم على شكلِ الحياة الخاصة بمسمّيات مراحلها المُختلفة .. طالب ، عاطل ، موظّف ، باحث ، رئيس أعمال ، أعزب ، متزوّج ، زوجة أم زوج ، الأم أو الأب .. جميع تلك المُسميات من مراحل الحياة تغييرات تمضي بك مع مُضيّك الزمني بمجرّد أن تكبر ، بعضها لايحتاج لقرارٍ منك حتى ..! تجد نفسك في وسط ذلك القالب من غير طلب ، والبعض يسعى الفرد للحصول عليه .. وفي كلا الإتجاهات يحدث التغيير في شكل الأيام وتَموضع الهويّة ، وإن كنت شخصاً مهووساً بالتخطيط وتصنيفات الأحداث ورؤية قصّتك من زاوية بعيدة وإن كان عقلك لايهدأ بالتساؤلات فسيكون التغيير غالباً مسألة شاقّة على روحك ، فمابالك بالتغييرات التي تأتي فجأةً ومن دون مقدّمات كأن تتعامل مع أيامٍ تجدك فيها في الامعلوم والا مأمول لزمنٍ لاتعلم مدّته أو مالذي قد يغيّره في شكل العالم من بعده ..!
لطالما كنت أتسائل مالذي قد تعلّمنا إياه تغيرات الفصول السنوية أو الكوارث كالعواصف والطوفانات أو الأوبئة .. الأسباب التي تُغيّر شكل الأرض على تعاقب السنين تلك التي تأتي من غير تنبئ فقد نُدرك ونستطيع تحديد تغيّر الفصول والتنبّئ ببعض الكوارث ولكن ليس دائماً ، وماهي الرسائل الإلهية خلف تلك المُتغيّرات على دوام الأعوام ..! وكيف قد خلق الله إنساناً يتكيّف مع الثلج ، أو الجبال وآخر مع الحرارة أو مع الصحراء أو مع إعتدالات الجوّ الممطر على دوام السنه ، وكيف يكون لذات الإنسان أن يتنقّل بين كلّ هذه الإختلافات وبعد مدّة وبإعجوبه يتكيّف حسب ماحوله من طقس وجماعة ..!
إن سُنة التغيير وعدم الثبات حتى ولو تشبّثت بإختياراتك ستقتحمك لامحالة ، وكأنما خلفها أسرار كبيرة لنموّك الروحي .. تراك من بعيد ولكأنك في الحياة تكون على رحلةٍ دائمة من توطين الذات .. الروح داخل الجسد ، محاولات الجسد أن ينتمي وينضمّ للجمع ، ومحاولات التخلّص من الفكر وتغييره حتى ننتمي للمستويات الأعلى منه ونتوطّن أو نجد حيّزاً يُشبهنا فيه ..
ولكننا رغم كلّ ذلك نسعى دائماً ، أو على مستوى شخصيّ على الأقل ؛ للثبات .. لتثبيت مافي داخلنا من مبادئ .. للتوازن على متغيرات الحياة الدراماتيكية ، لأن نضع المعايير ونشق الطريق من خلالها ، ولنقول حين يصيبنا القلق أنّا نعلم من نكون ، وأنّا سنكون بخير ! والحقيقة أنك قد تستطيع أن تتعلّم أيّ شيء من خلال البحث والإطلاع حول مايُثيرك ، ولكن كيف تتعامل مع منظومتك الداخلية من الأفكار والمشاعر والسلوكيات ، وكيف تبرمج واقعك وتقوّي عقلك بشكل خاص أمام ماقد يبدوا جديداً وغير مألوف ومُقلق في بعض الأحيان ..! ستجد أن مواجهة كل تلك الأعاصير والخوف والإضطرابات دائما ماستكون على صعيد شخصيّ .. قد تتعلم بعض الخطوات لتطبّع التغيير في ذاتك ولكنك في نهاية الأمر ستبقى مع نيّتك تجاهه بالرؤية واستجابات عقلك .. أشعر وكما لو أنه من آلم الأشياء أن يرتبط التغيير بهويّتك المُخبئه .. تلك التي كنت لتحاول الطبطبة عليها وصُنع إتزانها الكامل أمام قصص طفولتك .. وتلك التي تُبنى فيك من الداخل على مرّ السنين .. وقد يكون التغيير أصعب مايكون إن هو إرتبط في عقلك بذلك الجزء الثابت منك ، وإستطاع في إرتباطه “الإعتقادي” أن يهزّ شيئاً ما هناك .. شيئاً خاصمت وقاصمت حتى تستردّه إليك في كلّ مرة ..
فماذا لو كان التغيير لايرتبط بهويّتك .. ولا بتلك القوالب المُختارة سابقاً من قبل مجتمعك ..! ماذا لو كان شيئاً تستطيع رؤيته من أعالي نفسك ، بل ، والضحك أحياناً على حُدوثه كونه قد كان مُتوقّعاً وأصبح شكلاً من أشكال الحياة ..! أشعر كما لو أن أولئك الذين تمكنوا من موضَعة ذواتهم وأخذوا هُدنة الصُلح مع أن الحياة ستتتبدل كلّ مرة ولكأنهم في نقطةٍ مريحة جداً .. أتذكر هنا ماقاله الفيلسوف والمدرب الروحي الهندي “جاغي فاسوديف” حينما سئُل لماذا يكون التغيير صعباً لهذا الحد؟ حيث حينما كنا أصغر كان ليكون شيئاً يدعوا للإثارة ولكن حيثما نكبر نجدنا نتجّنبه ماإستطعنا ويصعب علينا التأقلم معه إذا حصل ؟

ليجيب :
“الشيء الذي يجعلك تخاف التغيير هو أنك قد صنعت حول ذاتك شرنقات من البيئة المُريحة التي إن حصل وتهددت راحتها ستجدك مُهدد أيضاً ولكنك حينما كنت صغيراً لم تكن تبحث عن ال”راحة” ، كنت تبحث عن الحياة .. والآن أنت لاتبحث عن الحياة ، بل تبحث عن الراحة والأمان .. فحينما كنت في السادسة عشر مثلاً كانت لديك أحلام جامحة كأشياء تريد القيام بها في الحياة وفي الوقت الذي بلغت فيه الخامسة والعشرون شذّبت بعضاً منها قائلاً : هذا غير “عملي” ، ويجب أن أكون “عملياً” في الحياة .. وشيئاً فشيئاً إنتقلت من الجموح للجُبن ، وفي إعتقادك أنك حين تمتلك عملاً في هذا السن وإكتساب معيشتك أنك ستكون بخير .. وفي عمر الخامسة والثلاثون إعتقدت ؛ “يكفيني أن لا أدخل في مشاكل ؛ فهذا كافٍ” .. وفي الحقيقة يكون هو العمر الذي تدخل فيه في مشاكل فعلياً ..! وبهذا تكون لاتنظُر للحياة بشهّية بل كبوتقة أمان .. وهكذا بقدر ماتكون في شرنقة الأمان بقدر ماسيكون التغيير صعب عليك .. إن جوهر طبيعة الوجود الفيزيائي هو التغيُّر أليس كذلك ؟ كل شيئ يتغيّر .. هل هنالك شيء ليس قابل للتغيير ؟ كل شيء في الوجود وأساس مبادئ الفيزياء هو التغيّر .. لذلك ، حين تدعوا لمقاومة التغيير فأنت ببساطة تقاوم الحياة ..وإذا كنت تريد حياة بلا تغيير فهنالك مكان جميل لاشيء فيه يتغيّر وهو القبر.
إذا كنت لاتريد التغيير إذاً فسيكون هنالك تشابه أساسي في كلّ شيء ! عدا ذلك طالما تكون في العالم الفيزيائي فإن كل شيء مُتغيّر. أنظر لهذه اللحظة : أنت الآن في حالة شهيق ، وبعدها ستكون تزفر النَفس .. وإذا كنت تريد إيقاف ذلك فأنت تعترض على أساس الحياة “.

لن يستطيع صاحب قصّتي الأولى أن يعود كما كان حتى ولو أعاد في رأسه تفاصيل تلك الحادثة وذلك اليوم مِراراً ..
ولن يردّ صاحب الجائزة الثمينة مبلغاً يأتيه بفرج ،
ولن يتوانى ذلك الموظّف الكاره ويغضّ الطرف عن توقيع مديره لصفقة حُلمه ..
أما عنّا كعائلة فقد أمضينا مع إخوتي وقتاً جليلاً بالقُرب وثميناً بعمق المعنى ..
وذلك الشاب إستطاع حتماً إستلام مفاتيح منزله الجديد وبدء حياته الجديدة بفرح ..

اتسائل .. ماذا لو كانت تلك المرحلة التي تراها بشكلٍ غير مستقرّ هي ذاتها تلك الحَبكة اللطيفة للقصة التي تشعر بالإنجاز حين حكايتها ..! وماذا لو كان كلّ مايتطلبه التوطين الذاتيّ لكل متغير هو أن تمشي مع ذاتك وطفلك الداخليّ ممسكاً بيديه خطوةً بخطوة ، يوماً بيوم وساعةً بساعة بل ؛ وحتى شعوراً بشعور ..! أن تحمل أحلامك كصغيرٍ يتعلم المشي لأوّل مرة .. أن تتقبل ذلك الخوف وأنلا تطلق أحكامك على مشاعر طفلك بالسخف أو الهوان .. ماذا لو جعلته يعبّر بالنحيب أو الصراخ أو حتى يتمرّد على حكيمك الذي لايعرف السكوت ..! ماذا لو سمحت له ببعض التيه وأعطيته الحُريّة ليكون سطحياً مثلاً وسمحت له أن يُضيع بعض الوقت ليُشتت من محاولاتك الدائمة للسيطرة في سبيل التأقلم وماذا لو فقط سمحت له بأن ؛ يكون ..!
التخطيط قد يكون هو طريقتك لللمقاومة تجاه مالاتعلمه خلال مراحل التغيير ؛ وهذا جيّد إذاما استطعت الإستفادة منه ولكنك يجب أن تترك تلك المساحه ل”غير المعلوم” الذي سيواجهك حتماً وعليك أن تتعامل معه وقد تؤلمك المقاومة أكثر من محاولاتك لتقبّل مالاتستطيع تغييره ..
يبقى ولاشكّ أن الإيمان العميق بألطاف الله تكون قوّة المؤمن .. فهل يكون لك أن تتبسّط حينما مايتغيّر مجراك ، أو أن تُشذّب من تطلعاتك العالية لتتموضع فيما لاتستطيع تغييره ؟ وأنه ليس دائماً ماعليك أن تقاوم الموج ، وإلا غرقت ..! وإن البقاء مع التيّار جيّد ومقاومته جيّدة في أحايين أُخرى حسب ماتقتضيه الحياة ..! وأن تصدّق أن كلّ ماتخشاه ؛ سيمضي ..!

رسالة من المستقبل …

صديقي العزيز ..
كان لك أن تأخذ من ذلك التعب لتكون أنت ،
كان لك أن تختلط ، لترى غيرك ، فتحتفي بك ..
وكان لك أن تنعزل ، وتشعر بالوِحدة ، لتقدّر جلال الجَمع ..
كان لأفكارك أن تسيطر عليك بالخوف ، لتستشعر حُريّة الفرح ..
وكان للحياة أن تأخذ منك كل ذاك الضياع ، لتدلّك
كان جديراً بتلك الظُلمة أن تحدث ، لتستنير ..
وحرّياً بالوقت أن يطول ، لتعلم عمق جلال الأيام السريعة ..
وكان جديراً بكلّ صعبٍ أن يعبر عليك ، أن يصيبك طفيف حُزنه ، أن تغرق بالمجهول .. حتى تنجوا بنفسك ..

إن العالم ياصديقي يمرّ بالكثير هذه الأيام ورغم مُقدّمتي المُسهبة لا أملك إلا أن أقول ؛ اللهمّ سلّم سلّم.
رغم ذلك ياعزيزي أشعر أن مستوى الموج الذي نعيشه اليوم ، قريبٌ لما كنتُ أعهده وأشعر بصحته فالكلّ أصبح يقابل بعضه بعد كلّ هذا الهروب السريع للوهمّ والاشيء..

علمت على سبيل المثال أن ليس هنالك “عملاً” لتقوم به حتى تكون أنت أو لتستطيع تعريفك على الأقل، فحين يكون الحديث عمّا في داخلك فإن الحقيقة ثابتةً ولايجهلها الصامت في كينونة ذاته .. ولكن بالمقابل العمل الداخليّ يكون للنمو ..

علمت أن الحقل الذاتيّ كثيف الخُضرة وغنيّ بالتنوّع في أصنافه ، إنما مالذي نريد أن نرّكز فيه ومانريد له أن يكون سيكون، ومازرعتَ ستجنيه .. فإن أردت التعلّم من خلال المصاعب والألم ، فالمصاعب ستحصل لك ، وإن أردت التعلّم من خلال الحُب ، فالحب سيحلّ عليك ..
وليس وكما أن الأمور تأتيك لتختار منها ولكن كلّ ذلك يرجع لبذورك .. من أين تقتنيها ، هل تحصل عليها من مزارعٍ رخيص أو مزارعٍ ناصح ؟ ومن ثمّ كيف تغرس البذر في أرض عقلك ، هل تعملها بالشكلٍ الصحيح الذي يُشبهك ؟ وهل تعاود زيارتها للسقاية والتوكيد في كلّ يوم ؟ وهل هي تتزوّد بالشمس بشكلٍ كافٍ لتتنفّس أم هل هي منغمسةٌ في باطن أرضك بتفتّحٍ يسمح لها بالنموّ ..!
إن ذلك الحقل لوحده ياصديقي هو مُعضلة الإنسان ومايضمن وجوده في آنٍ واحد ..
برمجة العقل في الرؤية قد تظللنا كثيراً ولكنّ لها جوهر خالص فيك .. جوهرٌ نوريّ ..

صديقي العزيز …
كنتُ في حينها قد تسائلتُ أيضاً من أين جاءت فكرة أن الإنسان في عالمنا السريع لم يكن له الحق في الجلوس ، للاشيء ؟ منذ متى نمت الفكرة أن عليك أن تكون مشغولاً على الدوام وعلى عقلك أن يفكّر طيلة الوقت في شيءٍ ما ؟ ومتى تحوّلت فكرة الإسترخاء البسيطة بمفهومها إلى فكرةٍ مُضنية من تأنيب الضمير على أقلّ تقدير وكأن الوقت الفارغ والملل بتعريفه البسيط أصبح شيئاً من هباء رغم أنه يعطيك الكثير .. كيف حَصل كلّ هذا للبشر ..! شعرت ياعزيزي أنه قد آن لنا أن نَعي أننا نواجه مشكلةَ من محاولات الهروب الدائمة للإنشغال بكلّ شيء وبأيّ شيء إلا عن الجلوس للاشيء ..! وليس وكما أنه فعلٌ يجدر بنا القيام به كثيراً ولكنّ تلك الفترة جعلتني أتسائل حول أجدادي الذين كان لأيّامهم من البطيء الشيء الكثير أو لعلّي أقول ماكان “بتعريفنا” بطيئاً فلم يكن على سبيل المثال هنالك أيّ مما يملأ وقتنا في الزمن الحاضر ناهيك عن جودة الحياة والوقت .. هل كانت جودة الحياة بالنسبة لهم أعلى من الوقت الحاضر ؟ وعلى ماذا تقاس ، وبالعكس لحالنا ..!

في النهاية ورغم كلّ ذلك ياصديقي هنالك هَمسٌ من اليقين الخفيّ يقول لي مؤكدّاً على أن الله هنا ..
فحين أضعفك السَقم ، ألم يقوى على إخراجك من الداء إلى العافية بإذنه ..!
وحين تُهتِ باحثاً عن ماتظنه ذاتك في دروب الحياة ، ألم يدلّك في لحظة يقينٍ ما على جوهرك الخالص ..!
وحين شعرت أن لاشيء سيكون بخير وإزدادت مخاوفك ، ألم يطمئنك بمن هم حولك بلُطف ..!
وحين كنتَ قد تترددت كثيراً .. ألم يمنحنك الأكيد ؟
كان في كلّ ذلك لطيفاً عليك ياصديقي فلن يبتعد الآن وهو معنا جميعاً ..
وكما يقول الشاعر صفي الدين الحلي في لطيف أبياته ؛ “الله عوّدك الجميل، فقس على ماقد مضى” ..

أتمنّى ياعزيزي أن تجود عليك أرضك بالثمر الطيّب وأجمل زهور الربيع الذي سنُحدّثه حينها عمّا كان وسنحتفي به .. حتى ذلك الوقت وإنتهاء كلّ هذا القلق .. أتمنّى أن تبقي على ذاتك بخير وأن يضمّك السلام الداخليّ بدفئٍ لطيف …

مبعوثُ سلام ..

تعال وقُلّ لي على هذه الأرض مايستحق الحياة ..
تعال وقُلّ لي على نغمِ هذا الكونِ مايستحق النظر ..
تعال وقُلّ لي بحقّ الإله بأن الحقيقةَ محضُ جمالٍ، 
وأن العزاء بقصر النظر .. 
وأني وإياك لم نكُ شيئاً من العابرين على لحنها
وأني وإياك قصةُ حلمٍ على وزنها ..
وأني وإياك فينا الأمَل ..
تعال وقُلّ لي على هذه الأرض مايستحق الوجود ..
فإني لأشعر أني خُلقت بغير وجود ..
وإني بغيرِ إقتراب الإله ، وجومٌ وظلّ قيود ..

حسناً ، ورغم فيض الروح لم أكن يوماً لأرى نفسي كناظمة شعر، أنا التي إعتدت أن أنثر الكلمات نثراً .. ولكني تبريراً سأقول أني لم أكن أعلم كيف لي أن أموضع تلك القطعة التي خرجت مصادفةً .. لعلّي سأعتذر إليك مقدّماً في نشرها هنا ..

صديقي العزيز ..
إن هذا الوقت من السنة ومع بدايات الشتاء ، بعد المَطرة الأولى بالتحديد ، أرى روحي وأراني من بعيدٍ أنتعش .. وكأن شيئاً ما في عمق قسوةِ البرودة يأتي ناعماً ، ومحمّلاً بالسلام .. لليالي الطويلة التي أستطيع القول أني سأخوضها ببسالة وسأستطيع أن .. أغُني ..، وإن حَجرشة الحياة صوتي بفعل الخوف أو الكئآبة ، فسأستكمل أغنيتي يوماً ، وأن مخاوفي لن تكون إلا لحناً لتلك الأُغنية .. وقد يُفترض أنه من المُبكّر جداً القول ياعزيزي ، ولكني لم أكن لأشعر أن الطمأنينة ستلقى موضعاً فيَّ في وقتٍ قريب وأن الحياة ستتفتّح رغم كُلّ شيء ، كزهرِ ربيعٍ طال إنتظاره ..

صديقي.. قد كنتُ طفلةً حين كان لجوئي للسماء يعني الصمت المُطلق ، كان يعني أن أقف لمشاهدة مباعث النجوم ، المضيء منها والمستضيء .. حيث طفولتي كان اللجوء عفوياً ، لاتشوّبه المشاعر .. كان لأجل الحال ذاته .. وكبرت ياصديقي ، وكيف يكون الكبر بالنسبة لطفل ..! يدخل عليه من باب من حيث لايعلم فبين فرحته برفعة قَدره شيئاً وبين حنينه لذلك الخفاء الطفوليّ حيث يستطيع بدون أن يتلقى أيّ تعليق بتفاهته أن يهرب من وسط الجموع ليلجأ لشجرةٍ يدور حولها بلا أفكارٍ على سطح نفسه .. أو أن يلجأ للسماء بعيداً عن حَتمية الوجود العصريّ وعمق التشتت .. 
إن النجوم ياصديقي في سماء هذه الليلة تنتشر ببعثرةٍ مُغرية .. وكأنها ترفض رتابة التنظيم الأرضيّ ضاربةً بتلألئاتها عرض حائط النظام البشريّ ، لتصرخ في وجهي وفي الكون أن كلّ شيء لن يكون كما تحب أن تراه دائماً أو كما تعتقد بصحته ، ولو كان ياعزيزي كما ذاك لرأيتني أرتّب السماء بطبيعتي المُسيطرة نجمةً نجمة ولجعلت الشروق وإزرقاق الفجر علامات السماء الدائمة …
ماذا ياعزيزي لو كانت الحياة ساحة رقص كبيرة .. هل كنتُ لأسمح لذاتي بالرقص ..! بالظهور عليها كمعطياتها هي لا كما توقعاتي المرتفعة حيالها دائماً ..! وهل سأتقبّل الموسيقى التي ستعزفها لي إرتجالاً ، أم هل سأسمح بالتغاضي عن إختلاف حركة خِضري عن وقع الموسيقى ..! سيبدوا الشكل مضحكاً بعض الشيء .. إن كان لها أن تكون فأرجوا أن أسمح لي بالقليل ، بأن يكون الرقص هو إنعتاقي للمطلق .. كما سمحت للسماء أن تكون اللجوء الدائم للطفل بداخلي .. 

صديقي العزيز .. كنتُ قد سألت ذاتي مرةً ، ما هو المعنى بأن أعيش على طرف الحياة ..!

فوجدتني أسمع الذات ترد بهمس ؛ هو أن تكوني ياصغيرة سطحيّة الرؤية .. هو أنلا تتشبثي بضماناتك وإنما بعمق التيّار حيث مجال الأمان الدائم : الزوال .. وأن “الدوام” مُحال لأيّ وضع. طرف الحياة يعني عدم الغوص. يعني .. أن تعيش بقلبان ، قلبٌ حاضر في اللحظة وقلبٌ مؤمن بالزوال ..
طرف الحياة يقول لك أن الجسد الذي تظنه “أنت” إنما هو منزلٌ للروح فقط .. وأمّآ عن من أنت؟ فقد تكون ذلك الصوت الأعلى من شعورك.
طرف الحياة حكايةً ترويها ، حبكتها تكون إختياراتك الحالية .. وإخراجها يكون من أعالي سماءات نفسك.
يوجد هناك دائماً رجوعٌ ومغفرة ، لنورٍ داخليّ .. وأنه مهما إمتدّ البلاء فستأتي لحظة إحتفاءٍ داخلية من حيث لاتعلم ؛ ذلك أن الرؤية من ذلك الطرف لاتجلب لك الخيبات حيث تكون المشاعر زائرةً كعابر طريق. 

حيثما تكون ياعزيزي .. تمسّك بالخفّه ، وأمعِن بالطرف وتعلّم أن الزوايا ستختلف وتابع مصدر النور في داخلك ، هنالك دائماً مستوى أعلى مما تصدّق أنك تستطيع إحتماله ، مستوىً لم تكتشفه بعد ولم تُهيأ لك أسباب الكشف بعد ، لكنك رغم كلّ شيء ؛ ستنجوا ..

تقول الحِكمة ؛ “نحن لانرى العالم كما هو ، بل كما نكون”.

إستشفاءٌ داخليّ ؟

وكم لله من لطفٍ خفيٍّ .. يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ
وكم من أمرٍ تساء به صباحاً .. وتأتيك المسرّة في العشيّ 
وكم يسرٍ يأتي بعد عسرٍ .. يُفرج كربة القلب الشجيّ 
إذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فثق بالواحد الفرد العليّ 

جلسة “الليلة مغنى” ، تسجيل قديم بموسيقى عذبة لأبو نورة بموالٍ يحمل تلك الكلمات .. في ليلةٍ نجديّة خريفية مغيّمة مصحوبةً بكوب شايٍ محضّر بعناية .. بعد سفرٍ طويل ، وأيامٍ مليئة .. وحيث الرجوع لل”مريح” وال”معتاد” وال”منتظم” ..
وجدتني ونفسي في تمشيتي الليلية ، أتفكّر بعدد أيامي الماضية من الخضوع والتعب ، ممَ ؟ ولمَ ..! 
لما أحمله من كمّ المشاعر المختلطة من محاولات الإستشفاء الحثيثة من الحزن الداخليّ ، وحيث وجدتني أحكمُ على مشاعري بالسخف والرتابة فقد قررت كتابه ..،

صديقي العزيز ..
نظلّ نمضي عابرين على لحن الحياة .. على سكةٍ من نور يتباين ويتخافت ، فيما بين الشروق والعتم ..  
عن جسر المشاعر الطوييل ؛ إكتئاب ، حزن ، فرح ، عن صوت العقل وصوت القلب وفلسفة المنطق ، الخطأ والصواب .. تلك القوالب التي نحكم من خلالها على شعورٍ ما ، ونطبّعها ونقول بتشابهنا وإحساسنا ببعضنا البعض لذات المشاعر ، وعن قرار الارجوع لشعورٍ أحسست به يوماً ظناً منك أن قرارك في ال”مقاومة” سيحجب عنك الإحساس المُرغَم ..

في الحقيقة ولملرةٍ الأولى ياعزيزي وفي تجربة عُمري البسيط .. أشعر أني تعبت الحياة .. تلك الحقيقة التي أحاول تجنّب كتابتها منذ أيام .
مايحزنني ليس القول بها بقدر حُكمي الداخليّ على ذاتي أنه “لايجب” الشعور بهكذا شعور أثناء الرابعة والعشرون، فالحياة لاتزال صلصالاً يتشكّل بصرف النظر عن معاودات التعريف الداخليّ كثيراً بيني وبيني ..
أشعر أننا نُرهق النفس ليس بمقاومتنا لإستشعارنا المشاعر السلبيّة فحسب ؛ ولكن لحُكمنا داخليّاً على مشاعرنا أنها لاتجب ..! وكأننا في تلك القوالب المذكورةِ سابقاً نحاول أن نكون في منطقة “الصحيح والمنطقيّ والمعقول” .. وكأن للشعور أن يرضخّ في مقاومات القول بال”أجدر والمناسب” إجتماعيّاً للوضع بدلاً من مراجعات إنعكاساتنا وأصول تلك المشاعر ومنابعها التي قد تكون أثراً لتجاربٍ سابقة لم يَكنها إنسانٌ قط ، ناهيك عن الأحكام المجتمعيه تبعاً لما يظهر عليك من مشاعر كفرد مستقلّ ..
وهذا ينطبق أيضاً على إيجاد المُتعة الداخليّة والسلام مثلاً أو الضحك في وقتٍ “ليس بوقته” بالمتعارف عليه ، فقط لحُكم الجماعة.

عزيزي .. 

كنت أحدّث نفسي عن شعوري بنضوب الأشياء من حولي وإضمحلال رؤيتي الحالمة للأماكن والأوضاع، رائيتاً بذلك حياةً واحدة وزاوية نظر قد تكون فيّ إلى الأبد ، ومن يعلم ..! فقد أتغيّر ، وقد تضحكني الحياة كثيراً كما الآن حين لاتعطيني فرصةً للتبرير .. لتبرير الأشياء التي ظننتها مسلّمةً على الأيام ..

ماأجدني تعلّمته على وجه الحقيقة ، وفي مرحلتي على الأقلّ من محاولات الإستشفاء ؛ أن الحياة .. تتغيّر .. وتمضي ، برضاك أو بسخطك ، بإختيارك للنهوض بعد العواصف أو في إستسلامك بتعبٍ أثناء العاصفة ، فهي ستمضي وتسير ، ولن تتركك ، هي إنما تتغيّر في وجهك أو تغيّرك تبعاً لما تمر به .. وفي كلا الحالتين فإن قرارك بالمقاومة لذات سُنّتها وهو التغيير لن يصبّ في صالحك في النهاية.

فهل سندرك ياصديقي مفاتيحنا ونعلم مع الوقت دقّة تعرّجات أنفسنا تلك التي تفتح دواخلنا للنور إن أقفلت الحياة أبوابها على الطريق ..! 
أليس من الجميل ياصديقي أن ألغازها ، لاتفسّر ..! أوليست الرغبة في تحصيل التعريف هو دافعنا المستمر للبحث بها والنبش عن تجاربها وأخبارها ..! أوليس مايكون جهلنا بالنهاية ووقتها وعمق الشعور بها هو مايدفعنا للأمل بإيجاد ضآلتنا ؛ طريق النور ..!
أليس جهل كُنه الطريق ، هو العنوان الجيّد لما قد تؤول إليه أمورك ..! 
وإن كنّآ سنضيع دوماً في التخبّط في أبواب العلم الذي لن ندرك جُلّه ، فكيف للإنسان أن يجد مأواه المثاليّ إن كان يشعر بالضياع عن منازل النور ؟

أما عن سؤالات الإنعتاق للنور ؛
فهل ستحضتنك السماء يوماً ، وهل مازلت تستطيع التطلّع لأنوارها ؟
 هل ستسمح لنور الله أن يُشرق فيك ؟ وهل ستستقبله حينها بلا أحكام ؟
ماهي نفحة الروح النورانيةِ ياصديقي مقارنةً بجسد الطين وملذّاته ..! وكيف لنا أن نشبع النور في حضرة الطين وكيف للطين أن يبلغ نورا ..!

إن كنّآ لنؤمن ؛ أن الروح نفحةٌ نورانية .. فجديرٌ بالروح أن تتصل بالسماء ، وجديرٌ بالنور أن يعود ، وجديرٌ بالأيام الصعبة أن تمضي…

إطرق الباب ..

السادسة وواحدٌ وخمسون دقيقة .. الثاني والعشرون من شهر آب ، غروب من على قارعة طريق البستان / سراييفو ..

أأكون ياصديقي عربيةً بحته حين أقول بحبّي وتفضيلي للبساتين المنبسطة بشكلٍ أكبر من تلك الغابة الكثيفة بهيّبة أشجارها المُخضلّة ..! إن الأشجار كبيرة الجذوع كانت وكأنها تقول لي عن السنون الماضيه ، وكأنها شَهِدت منها مالاأطيق إحتماله ، بعيدةٌ كلّ البعد عن تسارعنا الحاليّ حيث يحتاج التأمّل فيها أياماً بدقّة تفاصيل ماينموا عليها من ورق .. أما عن البساتين فإنها تُكرمك على مدّ النظر ، كرماً بلا حدود …

إليك صديقي ..

إني الآن أجلس في مكانٍ لطالما حلُمت أنه سيحمل ربيع روحي .. تخيّلت يارفيقي أن الأماكن تُشكّل فارقاً في طريقة نظرتك للحياة ، ولعلّ تلك الأخيرة كانت قد علمتني أنها لاتختصّ بمكان ولاتنتمي لأزمنه ، إنما هي هي، كما أنا أنا وأنت أنت …

صديقي العزيز ..

أشعر بخريفي معك يقترب ، وأتسائل عن نوع الأوراق التي ستتساقط بيننا ، ماكُنهها ، وماقد تكون ؟ إن نور شمس المغيب يقابلني من عُلٍ وبقدر رغبتي بالنور والتنوير ، أشعر كما لو أني أرغب في الفناء فيه .. بأن يأخذني عن كلّ شيء ، للاشيء ، وللسكون المطلق .. 

أرغب أن يصمت فيّ العقل ، أن أخرج من قوقعته وشكوكه وأفكاره الكثيفة التي تجلب لي الشعور بالاحيلة .. ولكن ، أتعرف ما الأسوء ياصديقي ؟ هو أن ليس هنالك مبرراً لكمّ هذا الحزن ، كلّ شيء يبدوا بخير على نحوٍ مُربك ، وكأن حُزني يريد أن يكشف عن ذاته ؛ لذاته فقط ، وكأنه يريد أن يتربع على عرشي ليعبّر عن وجوده كشيءٍ من مشاعر ، وكأنه طفلٌ يقول “أنا هنا” ، وعليكِ العبور من خلالي لتجاوزي ..

حسناً .. وإن كان كذلك فأنا سأستمع إليك هذة المرة ولاضطير إن كنت لن تُقدم بي على الموت في أسوء الحالات ، فلم أكن لأتمناه يوماً إلا في وجودك .. وبما أني مُسلمة الكرم وعربية الأصل كمَدّ البصر في هذا البستان الذي يحملني وكتابي الآن فسأقول لك بصبر ؛ مرحباً من شعور ..

إدخل بيت قلبي ولكن .. إخلع نَعليك .. فأنت في مكانِ السلام .. في مكان طفلةٍ مليئة بالنور ، بالدهشة ، بحبّ المصدر الحياتيّ .. إخلع نعلييك ياحُزني فستدخل بيتاً لايعرفك ، يعرف كلّ الشعور ولايعلم ثِقلك .. أرجوك دقّ عليّ الباب في كلّ مرةٍ ترغب في الزيارة حتى لاأجدني في وقتٍ لايسمح بإستقبالك .. دقّ الباب ، وإخفض صوتك إحتراماً لما يحمل قلبي من مشاعرٍ تطغى عليكَ سنّاً .. وتعال وأمكث على صدر مجلسي العربيّ ، فحتى ذلك المُسمّى بات مصدر حزنٍ وذكريات في فترتي الحالية …

صديقي العزيز .. 

أخبرك نهايةً أن إيماني بالرب العادل لايدع لي مجالاً للشك بصلاح الأيام القادمة وحبور النفس الذي سيهطل بعد كلّ شيء .. إنما تساؤلي لايكون “لمَ؟” بل أحاول التبصّر بكُنه الدرس الذي سأخرج به من هذا كلّه .. ماهي تلك القصة التي ستُحكى وكيف سأصيغ العبارات لوصف الشعور المُثقل ، إنها محنة الكاتب ياعزيزي ومنحته في آن ؛ أن يرى حياته من رؤيتين ، رؤية قلمه ورؤية حَدثه الذي يمرّ به .. بالنهاية يحاول الخروج بشيءٍ فريد ، كتجربة إنسانية لم تمرّ على من سبقه ، وللنُدرةِ ياعزيزي وحشتها في التصوّر الداخليّ بكيفية التخطي وطرق العلاج .. 

مع حبّي إلى وقتٍ أستطيع فيه وعدك بالسعادة .. 

رسالة ..

صديقي العزيز ..
إن رسالتي اليوم أعمق من مشاعر وأعلى من روحانيّاتي السعيدة .. وكما أنها لاتبحث عن أجوبة ، فإليكَ أكتُب بصدقٍ وإستدراك حياتيّ ..

أما بعد ..
فقد مضى زمنٌ طويل ٌ ياصديقي ، وكأنها حقبةٌ زمنيّةٌ غابرة ..
حين كنتُ ضائعةً على أيامي ، لذلك الزمن اللطيف حين كنت لاأعرفني وأرغب بإستعمالي لإبهار الجميع .
لذلك الزمن حين تختزل ذاتك حتى من الطموح والأحلام قيّداً بفعل يديك لتضعه على الطاولة وتقول به مفاخرةً ، كتعريفٍ أو مكانِ خروج أو مسمّى يقالُ له أن يحكم على مراحل قصتك ..

مضى وقتٌ طويل على ذلك العبث ..
وعلى التساؤل المزمن اللعين عنالغاية، تلك التي لم يعد لها معنىً في القاموس ..

أصبحتُ حرّةً الآن ياصديقي ، وللحريّة شقاءُ المعرفة ..
فحين تعرف النبتة تربتها ، وحين تُعلم حقيقة الوصول .. يبقى الكثيير لنتعلمه ، لنرى أنفسنا من خلاله .. لنكبّر عليه ، ويبقى الكثيير من التجارب التي نختار خوضها على الأيام ، والشخوص الذين نختار بإرادتنا تدفقهم فينا ، وتطول الخيارات المتاحة

إلى حين أن تقابل التربة ظلمتها ، وتتعمق في الجذور ..
وحين تضّطر المواجهة بلقبٍ يخفق وهيّبةٍ أمام تلك الظلمة الداخلية ، ذلك الكون العميق ..
شيءٌ ما بحالميّة البقاء والمشاعر الفائضةِ تبعاً للمواقف ، يهدأ بعدها .. وكأنه يقول بعبور كلّ شيء على الأيام ..
وكأن المشاعر التي كانت تتّقد في النور تموت في الظلمة لتهمس لك الأخرى أن كلّ شيءٍ في عبور مهما خشيته وعلى أيّ حالٍ كان ..
أن المساحة قد تمتلئ ، الغرفة قد يكثر فيها الضيوف وقد يسكنوها أيضاً وحتى أنك قد تختار أن تسلمهم المفاتيح بنفسك ..!

ولكنّ شيئاً ما بعد إدراكات الظلمة سيظل يهمس لك بأنها ستُفرغ يوماً ..
شئت أم أبيت ..
سيكون نصيبها من العابرين أصداء وذكرى وروائح ..
أنها وبعد كلّ الإنفعالات ؛ سيحكم عليها بالخلوّ وستضطّر لمواجهة الخلوة من جديد ..
للظلمة المنتهية بنور ، وهكذا دواليك

يبقى السؤال عن ماوراء الجذور  ..
عن نوع تربتك الخاص ..
عن النبع الذي يغذيك ، ويعنيك فقط ! ويُطيل من بقائك في النور مع كلّ موعد سقاية ..

صدقني ياعزيزي أن العناية بالنبات أمرٌ معقّد ، فكثير الماء يميته وشُحّه يميته أيضاً والموازنةُ في مناخنا صعبةٌ  كعدد الأوراق التي تتساقط يوميّاً من النبتات الخمس في غرفتي فقط ..

السؤال الأخير .. متى ستتعلم ..!

عالمٌ إفتراضيّ ..!

تصوّر أن تكفيك الحياة للحدّ الذي لايَدعوك للمشاركة ..! أن تختار أن تعيش بكُلكَ على وجه الأيام بلا ذلك السؤال المؤرّق ؛ لمَ ، ومن سأكون ولماذا كُنت هنا وبماذا سأُذكر ..!

تصوّر أن تكتفي للحدّ الذي لايَدعوك للمشاركة ..! وأن تختار أن تعيش بكُلكَ على وجه الأيام ببطئ الإنسانِ القديمِ وغفلة تساؤلات الإنسان الحديثِ بلا قلق .. أن تكون طِفل الحياة الذي يراها بعينِ الدهشة والمِنحَة كل لحظة .. أن تسمح لبُعدك الروحيّ أن يتجلى بكل خبرته المُسبقة على البشريّ الذي تكون ؛ بكل الخير الذي يستطيع أن يحمله إنسان ..!

*رسالة ..
صديقي العزيز ..
كل الأشياء في الآونة الأخيرة تأخذني وتَعطف بي إلى المجهول .. وكأن كُلّ شيءٍ في الولوجِ وفي طريق النور يخبرني أنني لاأعلم الكثير .. وكأن الرسائل الكونية ؛ باتت مصدر شكوكٍ هي الأخرى .. وأُطمئنك ياعزيزي أن كلّ شيء مستقرّ بحلاوةٌ تبعث على الإرتباك .. لايعني ماأقصده التطيّر إنما هو شيءٌ يبعثني على التساؤل للخطّة والخطوة القادمة ..

صديقي العزيز ..
من أين يُبعث مصدر الإلهام كلّ يوم ..! ومن أين تأتينا القوّة لمواجهة الأيام ..! ماهي غايتنا العُظمى ياصديقي من العَيش ؟ وإلى أين سنصل ..! كنت قد قلتُ لك في اليوم السالفِ أن المجهولَ يبعث الحمَاسة فيّ ، ولأكون صادقتاً فهو يبعث على الخوف والتردد في آنٍ واحد .. فمُفترق الطرق شاقٌ وينابيعُ الخيارات ملئى لكنك تظلّ تشعر بالعطش ..

يقول العالم النفسي Barry Schwartz  في حديثٍ له عن تعدد الخيارات : ”أن إضافة البدائل الكثيرة لحياة الناس لاتساعد إلا على رفع التوقعات لديهم عن مدى جودة هذه البدائل ؛ والنتيجة تكون قناعةٌ أقلّ بالنتائج حتى ولو كانت نتائجاً جيّدة . ويقولُ أن تكلفة الفرص البديلة تقلل من حصيلة الرضى الذي نشعرُ به نتيجة إختياراتنا حتى ولو كانت رائعة.“
وإن كان قد إستخدم مثاله الكريم على قطعةِ جينزٍ في السوق فسأحب ياصديقي أن أستخدم ذات المفهوم على الحياة ، بكثرة بدائل إختياراتنا المُظللة .. حيث تبقى بعد النهاياتِ حيراناً بما يمكنك إختياره ومنحهُ للحياة مجدداً بالمقابل ..! 

صديقي ..
هل تعتقد أن هنالك دافعاً لما وراء المشاركة ..! بكلّ لحظات الزمن التي نعتقد أنها قد تهمُ البعض ؟ في عالٍم إفتراضيٍّ ياصديقي يكون الناس عليه بالأرقامِ والمظهر ، وتكون الصِلة في صورٍ ومقاطع متحرّكةٍ قد تحكي عن اليوم ، الإهتمامات ، الطقس ، الموسيقى والكثير .. ويرى الناس في عصري ياصديق أن المشاركةَ بابٌ لابدّ أن يُفتح ونافذةٌ يجب أن تكون .. ويعتقد البعض أنه بالمكانة الكافية ليحتفظ بكل تفاصيل الأيام بإلتقاطاتٍ يرى من خلالها لوجوده معنى ، حتى وإن كانت اللحظةُ لاتُعاش ولاتُدرك بالوعي فيكفيه إلتقاطة مشاركةٍ تردّه إلى شعورٍ وهميٍّ بالوجود فيكون حين الذكرى بين وعيين وزمانين ؛ وعيّ اللقطةِ ووعي المكان .. وآهٍ كم هو مُشتت ، وآه كم أشعرُ به .

صديقي العزيز ..
أجدني بين العالمين ضائعة .. أتركه شهراً وأرجع إليه بإدمانٍ آخر .. حيث الوهم يقتلني وحيث يتلاشى معه الوقت وينقضي اليوم على وجهٍ مفترض وحقيقةُ جلوسٍ غير ملموس .. وأكون من خلاله لاأعلم أأكون أحبّ لحظاتي بما فيه الكفاية أم أُحب “شكل” اللحظةِ ومشاركتي إياها لتثير إعجاب الآخر لتكون أجود بالنسبة لي ..! المعادلة ضائعة.

صديقي العزيز ..
آمنت أن الواقع صفحةٌ واحدةً نستطيع أن نرى من خلالها العالم الواسع ؛ لكنها صفحة واحدة وليست كلّ الكتاب .. إني أسعى لأجوبةٍ ما .. وأتمنى ياعزيزي أن أقول لك يوماً كما قالت تلك المُفكرة والفيزيائية “Rachel Naomi” بعد أن تسائلت وهي تتحدث مع مُحدثتها عن أصل العالم وقالت ؛

 “أنا لاأمتلك جواباً لكل شيء ، لكنني أملك الكثير من الأسئلة ، وانا أعلم أن هذة الأسئلة تساعدني أن أعيش بشكلٍ أفضل من أي جوابٍ قد أتلقاه يوماً“.

صديقي العزيز ..
أؤمن أن في جيب الأيامِ لقاءاتٌ عدّه .. وفي جُعبت الأقدار كل جميل ، وفي الحياة تكثرُ المخارجَ والحلول والفُرص وحيث أكون إبنة الحياة أينما كنت وأكبُر من خلال الكتب والكتابة وماتسمح لي التجربة أن أخوض وأقدر عليه تحت البنود البسيطة .. وتحت ماأريد أن أختار ..

صديقي العزيز .. ورغم كل الأفكار التي أَحدثت والتي أصبحت بإنتشارها وبعثرتها كحبر المُبتدئ على الورق والتي تشبهني ودوماً مايُقال أني أفقز مسرعتاً بين الأفكار المتضاربة ؛ أطمئنك أني بخيرٍ على وجه كلّ ماأواجه .. قلبي في صدري والله معي ومعيّة الروح التي حملتها مؤخراً بدأت بالتلاشي إلا من دعواتٍ عابرة ..
ابقى بخيرٍ ياعزيزي .. وكما أُحبك.*

-نهايةً قالت لي : 
السرابُ كثيرٌ في هذا العالم ، ومهمّتكِ تكون في تمييز الواحة الحقيقية فيه .
وإختاري العوالم التي تشبكِ ، وتُغذّي روحكِ بالجمال كلّ يوم .. وإن كان البُعد ياعزيزتي مرئياً فهو يقف على ماهو عليه.

رسالة إلى أمي حواء

أمي حواء .. آهـ كم أحبكِ وكم أشعر بحزن وجودك كلّ مرة ، وفنائكِ بالتضحيات العظيمة .. أمي حواء .. أنجبتِ النصف الخلّاق والنصف المخلوق ولم يكن لشرور الخلق طريقٌ إليك ..  أمي العزيزة .. تتواضع أفكاري ويُحنى رأسي أمامك خجلاً من جسارة فكرة الكتابة إليكِ فأنا ظلتُ أتسائل وأحلم ببحر حضنك الذي لاشواطئ له ، وأضيع دائماً بحيرة الوجود لكِ ومعك .. كيف إبتدأ كلُّ شيءٍ منكِ ويعود ..! كيف كانت أيام المرأة الأولى ، وكيف كان العيش الحوائيّ الأول ..! وهل كانت الخطيئة لتغتفر ؟ وهل كان الصفح ليكون وللغشاء أن يكتمل ..! أتسائل دائماً عن معضلة الألم الداخليّ على الصعيدين ، ذلك الذي يجعلني أجزم بقوتنا ألف مرة، رغم جهل بعض بناتِ الجنس بتلك القوة ..  أمي حواء .. أشكوا إليكِ كثرة الذكور وقلّة الرجال .. أشكوا إليكِ أبنائك الذين أصبحوا كالصبية في أرض المعركة ؛ كساقي الماء ، لا كمحاربٍ جسور ..

أمي حواء .. بحق الحزن الوجوديّ .. خذيني .. وأغمريني بضمّةٍ منك عن العالمين ..  والدتي المبجّلة ..  أشكوا إليكِ كثرة بني البشر وقلّة وجود الحقيقين منهم على الأيام .. أشكوا إليك وَساعة العالم ، وضيق رحابته .. فإحكي لي ياأمي كيف إستقبلكِ الكون للمرة الأولى ؟ وكيف كان شكل الأرض الوليد ..! صوّري لي جَوب الأرض الأوّل ، وكيف كانت السهول والبحار والتُربات ..! 

أمي العزيزة .. أشكوا إليك ضياعنا في العقل ومعضلة الأفكار حيث يحركنا الإدراك ياأمي لا الحقيقة ، وتحكمنا العقول لا الحب ، ويكون السلام كلمةً على ورق بين أماكن الأرض المُمتلكة والمتملّكة ..  أمي حواء .. يكون التشكيك فيما نحمل من العلم وماأخذناه من ذوينا على محمل التسليم ، أول الأشياء وأشقها معرفة .. ويكون التبرير أن السنوات ستُعلمنا الأصحّ والتيار سيقودنا، وحينها سنجد الطريق .. أمي المبجّلة .. نحاول بالوَعي أن نكون على صفحات الأيام .. أن نُسطّر على الأرض مكان وجودنا .. أن نقول كُنا على وجه هذه الحياة .. وأعلم ياوالدتي أنكِ تُحصينا واحداً تلو الآخر ، وتشاهدينا وتَشهدي لحظة المواليد المقدّسة كل مرة ..  أمي حواء ..  أشعر بثقل مسؤولية توصيل الأمومة التي تتغشى كل الإناث .. ولكني أعدك مع ذلك أني سأحتمل أمانة الحنان الممنوح .. أعدك أن أكون أماً ونبيلةً  كما أريد بكل جسارة الوجود .. أعدك أن أعمل على تخفيف حدّة شعور الوِحدة في نفسي ومن أحب كما خففت بوجودكِ وروحك الوحدة عن أبينا آدم .. أعدكِ ياأمي المبجّلة أني حين أرقد بعد كُلّ هذا العناء .. أني سأرقد بسلام المُنتصر، تماماً كما فعلتِ .. 

أحبك ياأمي ..

"مابينهما أجلس"

قال لي يوماً :
كُلما تكبرين ، تعرفين نفسك أكثر ..
كُلما نكبُر نحسّ بسيطرتنا على أمور الحياة ، ونعي الحدود.
كلما نكبُر نتصالح مع كوننا لانريد تغيير الأشياء من حولنا ، وستعرفين أن وجودكِ وحضورك يكون أعلى من أي شيء ..
حين كنا صغاراً قد كنا نشاهد الحياة من منظورنا الصغير وعيوننا البريئة حيث كان كُلّ مايخصّ النضج والكِبر كبيرٌ ومعقّد .. ولكن وكما قال لي فيمكن لحياة ”البالغين“ أن تكون أبسط مما كنّا نتصوّر ..

وقال لي : 
كُلما تكبرين ستتلاشى الأصوات وستتعلمين مواجهة أخطائك بنفسك ..
وكلما نكبرُ تتضّح المشاعر .. ونفهم أنها تكونُ على وتيرةٍ مستقيمة ، وذلك مايكون أساس القصة ،  وأن الحزن والفرح تموّجاتٌ على هذا الوتر وتكون تتطلّب إستقامته لتتشكلّ ، وتنطفئ ، وتعاود الظهور من جديد ..
وكلما نكبرُ نفهم أن الحياة رغم كُل شيء ستمضي ، مهما حاولتِ المقاومة.

وستعرفين بالنهاية .. أن وجودكِ وأحلامك العالية من مكان الاشيء ؛ الآن .. تكون كقطرةٍ في بحر الإبداع البشريّ .. قطرة صغيره أو حبة رملٍ في غبار هذا العالم الشاسع .. هذا العالم الذي يحمل الكثير من الاشخاص ، الكثير من الأرواح ، الكثير من صراعات الأنفُس.. وفي كل نفسٍ قناعاتٌ مختلفه وفي كل نفسٍ طموح ولكلٍّ رأيٍ زوايا عدّة مختلفة نحو الموضوع الواحد ..! زبدة الكلام أنكِ وإن كنت ترين ضرورة أهميّتكِ في يومٍ ما فأنت في مقياس الحياة تلك الحبة.

وستعلمين .. أن الحقيقة واحدة ، فلا تأملي أن التحقيق سيسبب لك إختلافاً عميقاً في الموجات ، أو سيعطيك معنىً آخر تعيشين الحياة من خلاله .. لا تتصوري أن الوصول سيغيرك للأبد ، الحقيقة أن روحك ستظل روحك .. وشيءٌ غريب عن هذه الروح إنها تظَلّ من صغرنا تعطينا نفس الأحاسيس ونفس المشاعر للأشياء ..! والسؤال يكون ؛ هل من الحكمة أن تكون نيّة الوصول هو التغيُر الداخليّ ؟ ذلك لأن التغيُّر في المشهد وكما قال لي يكونُ قراراً لحظيّاً آنيّاً بإستطاعته تغيير كُلّ شيء ..

وهَمس لي .. 
تكمن راحة عظيمة حين تثبتين على ماهيّتك ؛ يوماً بعد يوم ..  وبأنكِ حين لاتكونين ؛ فأنتِ أنتِ ..
وأن الأشياء المؤقتةَ التي تجزمين بجهلك أنها تعرّفك ؛ هي في الحقيقةِ لاتفعل .. أنكِ كنت وماتزالين عين ذلك الطفل المُتبسّم كل صباح ، المتأهّب في المساء بأن يلبس قناعه الذي شكلّه بنفسه ليقول أني ؛ أنا ..

وستعلمين .. أن تلك التصنيفات التي نزعم أنها فينا ومنّا وأنها تحمل أسمائنا ومناصبنا ومكاننا الذي أحببنا أن نَشغله في الحياة ؛ هي ياعزيزتي لاشيء ، إلا لتُقنع عقلنا الخارجيّ أننا نستحق أن نكون شيئاً ما ، وماهو إلا مكانٌ وتعريف إسميّ يُحشر تحته كل شيء ، ويبتغيه كل أحد ، إلى حين التمسّك والإنقياد ؛ فالغرق حيث الإدراك الذي قد نضعف أمام الإعتراف به أن كل شيءٍ وإسم ومعنى ؛ كان للاشيء حقيقتاً ؛ ولم نكن لنكون منه ولا من بعضه ؛ وأنكِ كنت عابرةً فقط على حقيقةٍ كنتِ تتجاهلينها لمدةٍ معلومة جعلت من قبل إسمك معنىً أردتِ التتشبث فيه للراحة ، للتوقف عن البحث عن ماهيّتك الحقيقية ، عن هويّتكِ المغمورة ببعض مما تجهلين ؛ والقليلُ منكِ .. 

قالت له : 
توقّف ياعزيزي ، مابين بين .. 

مابيّن الرِقة والقوّة ، الجَسارةِ والخوف ؛ تكون الحياة ..
توّقف ياعزيزي فما بين القلب والفؤاد شعرةُ حبّ ومابين الحكمة والخُبث شعرةٌ من الضمير الحيّ ..
توٍقف ياعزيزي فالحياة تكونُ في شرنقة البينين ، والوزن بين المتضادات حِكمة ..

فقالت لي ..
لاتؤخذي ياعزيزتي بالشجاعة المزعومة ، بالحُزن المُفتعل ، بالسكينة المتخيّلة ..
لاتؤخذي ياحبيبتي بالزمان فعُمرنا في الأبديّ لحظة ، والجزعُ يكون على ذاتها …

وقالت لي ..
لايغُرّكِ ياعزيزتي المُطلق ، ولاتأخذي من الحياة نصفها .. إحضيّ بالكلّ ومايجلبُ إليكِ الشعور بالحياة ، وإلا فإبتعدي ولاتنظري للوراء .

ثم قالت لي ..
الثبات ياحبيبتي خلال الدوّامةِ هي خُدعة الوجود ، سيظلّ العالم يدور يدور وسيسحبكِ معهُ إلى العُمق .. إن العمق ياعزيزتي هو مركز الدوران ، وفيه تكون مفاتيح الأسرار ؛ فيك.

وقالت لي ..
قد كان العالم ياحبيبتي كالسحابة ، وقد كّنا نرانا في صِغر ، وحين نستطيع أن نرى الكُلّ من نقطةٍ فالحياة لاتقتصر على كبر العالم وإنما كبركِ أمام العالم ومكان وقوفكِ فيه وماتبعَثي إليه ..

وقالت لي ..
البشرُ ياعزيزتي كثيرون ، البشرُ ياحبيبتي واحد. يكونُ المغزى شيئاً مشتركاً ضاع إدراكه في عُمق المسألة وشُحّ السائرين على الطريق ..

ثم قالت لي ..
إن الشعور ياعزيزتي واحدٌ كما خلود الأرض ، إن الإبتسام في وجه الريح يُخدمها. إن الضحكَ على وجه المرضِ يقهره ، وإن الرقص على أطراف الألم هو ماقد يكون أشد أنواع المقاومة .. 

أتتذكرين ياعزيزتي البداية ..! تضّادات العالم هي ماقد تكونُ من مواجهته ..