لا شيء، قد يغلب بهجة سكّان الصحراء بالمطر، لا شيء قد يحسّن مزاج غربيٍّ لَمسَ في حِلكة النهار غيمة .. ستخسر في كلّ مرةٍ تحاول فيها أن تُسبِر غورَ سرّ الماء.

صديقي العزيز .. أكتب إليك اليوم من مكانٍ قصيّ ، يُعنى بعمق الذاكرة .. من على تذكار الخيالِ في سفر ، أتلحّف زاويةً داخليّةً في المقهى ، وأراقبُ العابرين ..

ثمّة غلامٌ نحيل .. يمرّ راكضاً بالساحة المكتضّةِ ، قاصداً ضرورةً ما .. وهناك طفلٌ صغير يبدأ بالمشيّ حديثاً ، تناغي تعرّجات المسار قدميهِ المكتنزتان والمحتفيتان في آنٍ واحد بوعورةِ تجربةٍ جديدة ، يدميه السقوطُ تارةً ويردفه لسانه وتحيّةُ الجمهورِ تارةً أخرى ..

رجلٌ كرّس وقته لموسيقى الشارع ، يحمل أداةً واحدةً يتقنها ، وطبلةً متداعية .. يقصّ صوته المتواضع حالة الوجود بأسرهِ ، كقصّته التي تمرّ بهبوطٍ طفيف .. وهنالك كهلٌ على عتبة الباب الرئيسيّ للمدينة القديمة ، أثقلهُ طول الرحلة .. يبدوا أنه يمرّ بفترةِ سكونٍ ما ، غير آبهٍ بأيّ شيء ، لا يحرّك ساكناً .. عينيه تناجي بين فترةٍ وأخرى عنان السماء ، من يراه من بعيدٍ يظنّ أنه يدعوا بالدوام ، ومن يقترب يسمع همس المناجاةِ بالعودة ..

ثمّة شابةٌ تجلس بكامل أنوثتها ، تفترشُ إلى جانب حقيبتها المتواضعةِ كتاباً من الطراز العريق ، تفصّل في أوراقه ، تغوص في عالمهِ ، تنغمسُ في بئرهِ ولا ينتشلها أحد سوى شمس الغروب التي ستزور عمّا قريب ، ولولا الظلال الذي جعل على بعضٍ من كلماته حِلكه ، لما رفعت رأسها للسماءِ مستذكرةً واقعاً ملموساً يحيط بها ..

مقهىً في الزاوية ، تتنفّس فيه عبق الرائحة الزاكية ، من أمامهِ مخبزٌ يفتح أبوابه قبل شروق الشمسِ بساعةٍ كاملة ، يديره حفيد العائلةِ السابع ، عمرهُ بعمر المدينة .. تتدلّى طاولاته على زاويته بشكلٍ مستقيم تحمل زهوراً بقناني زجاجية صغيرة ، تُقطف كلّ بداية يوم ، توحي من أوّل نظرةٍ أنها ثابتة ، وما إن تجلس على إحدى كراسيه حتى تختبر وعورةَ الشارع الذي تستقيمُ فيه ، شيءٌ في فقدان راحاتها يعبّر عن أفضلِ تجربةٍ قد تكون للمكان ، حليب القهوةِ يأتي طازجاً بشكلٍ يوميّ من المزرعة ، ورغوته تبقى مكثّفةً حتى آخر الفنجان .. 

ثمّة أشياء يمارسها أصحاب هذه المدينة بشكلٍ يوميّ لاهثٍ ياصديقي رغم استبطائهم ، تمثّل موسيقى الحياة البشريّة فيه .. وتخبُر العابرَ الجديد عن حياة ، وحياةٍ لم تبدأ اليوم ، بل هي حياةٌ ممتدّة منذ قرون .. تحكيها طوبات المباني وجذوع الأشجار العريضة ..

أتأمّل في حالي ياعزيزي .. أتفّكر .. كم أحبّ التقدم في العمر ، أحب الشعور الذي يعطينيه من معرفةٍ لشخصي المتواضع ؛ للحياة .. أحب السرّ الذي يكشفه الكِبَر .. ولا زلت على ذات الرؤية يا صديقي فالعُمر يسري في دوائر وعي ، تتسع بمسافات دقيقة فيما بينها ، ولا يمكن أن تتسع دائرة متخطيةً حلقة من الوعي قبلها ، وكما تأثير الحجر على بحيرةٍ راكدة ، ستأخذ تلك الدوائر مساحاتها بالتموّج حتى تكتمل وتصل أطراف شاطئها .. لذلك فاطمئن ؛ جميع ما أنت فيه ؛ يجب أن يحدث. ويجب أن يكون الآن ، وقد لا تتعلّم الدرس ، وقد تقع من جديد ، ولكن دائرةً من الوعي لن تسبق لمجر المُراد ، ولن تتحدّى القدر ، ولن تجرؤ أن تستبق مع عقارب الزمن ..

وأدركت .. أن ثمّة اختبارات عميقة لن تجتازها بالنظريّ سوى حين تخوضها ، ستبدوا ساحة المعركةِ بعيدةً حتى تدخلها ، تعتركها ، تشاهدُ حميَ وطيسها ؛ وأهداف جنودها .. سترى فيها الخائف المتواري خلف الكلمةِ الجارحة ، والحزين المتخفّي خلف النكتةِ الضاحكة ستجد الطفل الضعيف المحتجب بدرعِ الثقة ومعرفة كلّ شيء .. ستشاهد الصامت المليء ، والمتحدث الفارغ سترى الجاهل والعارف، القويّ والضعيف ، الحقيقيّ والنصّاب ، الأبيض والأسود ، سيكونون جميعهم في معترك التجربة ، وكان عليك أن تشاهد .. ستدرك حجم المعنى خلف الاخرين بشكلٍ لن تدركه في ذاتك وحدها ، ستتعلّم أن الحقيقة فضفاضةٌ وقابلة للإتساع بحجم الأرض ، بحجم كلّ اولئك الجنود ، بعمق جميع تلك التجارب ، بمقدار الصحيح والخاطئ والعاديّ والمحايد والواجب والمُحسن .. 

فأجوا أن تتذكّر يا عزيزي ..

إن ضاقت عنك التفاسير يوماً .. فاعلم أنها من قلّة العلم به ، إنما الحياة التي أعطى ؛ بوسعها أن تكون أكبر .. وأن التفاسير التي لم تستطع ياصديقي تُرجمانها في نفسك هي ما لم تقدر على قرائته وليست فيما يضيق عنه أو عليه ، فارجوا منه دوماً مالا يضيق عليه عقلك .. لن تتصاغر مواجهات الحياة .. ستتسعُ أنت في تفسيرها ، وحين يحدث ويهدأ عقلك وتطمئنّ ، لاتنسَ أن الواسع هو من أعطاك فسحة النظر .. فلا تكبر في عين نفسك ؛ فتصغرُ في عينيه ..

وبعد طول المشاهدةِ ستحاول أن تتعلّم الرقص ، مع ذاتك في ساحة المعركة .. ولو كنت تشاهدها دوماً من بعيد ، وتبتسم .. سيغريك النزول في غبرتها ، حاول أن تبقى في مكانٍ فيها تستطيع رؤيتك منه ، ومدى تقادمك ومدى خداعك في الحرب ؛ فلكل حربٍ خُدعة ، ستتعلّم لعبتها ولو بعد حين ؛ فاسمح لنفسك بكلّ الوقتِ الازمِ حتى تدركها .. لن تغفلك الاشياء ولن يضيع في عينيك الوقت مادُمت تحاول من منطلق الجوابِ لا من وعورةِ الضياع .. 

تشبّث دوماً بحبل الله ياعزيزي وقم على ناصية المعنى ، و قاوم ..

وحتى ألقاك من مكانٍ جديد .. آملُ أن تكون دواخلكَ بخير ، وميلادُك القريب سعيداً وعُمرك الجديد مباركاً ماحييت ..

كان الأمل حين يحلّ عليّ ، يأتي كما فوران ماء في داخلي ، ثم يُبرده الوقت شيئاً فشيئاً ؛ حتى ينساه قلبي، حتى أنساه أنا، حتى يأتي ما يضغط زر الغليان من جديد ..

صديقي العزيز ..

لنا من الوَجد والنوى مواطن حُب وعلامات تقادمٍ على هذا الزمان ، ومواطنُ وصول .. لنا ضحكةُ الأرضِ حين تتمنّع المسافة بالحلم فنصل ، وتُغرينا بالواقع فلا نصل ؛ كصبيةٍ هازئه .. لنا انعتاقاتنا من كلّ أشيائنا الغريمة التي كانت حبيباتنا يوماً ما .. لنا من زحام الجموع منافٍ ومن عزلتنا لجوء .. لنا من الحديثِ بئره الذي خُفي ولهم بعضه الذي ظهر .. لنا شعثٌ في القلب ؛ زاحمناه بالنَفس العميق فثَار وطهّرناه بالتوبةِ فتمنّع، وغسلناه بالدموعِ فاستحال ..

أرتبُ أدوات الكتابة ؛ بسيطة .. قلمٌ وممحاة ، أو أصابعٌ وجهاز ومُصحح .. ولكن من يجلب القريحة والحرف والمجاز ..! حديثي ليس عن الظاهر ، كلماتي ليست عن الباطن ، بُعدي سماويّ ، روحانية الهوى والتوقِ إلا أن لي أمانةُ النفسِ في داري ومُعتصَمي ..

اعتصمتُ الطوفان الكبير ، إلى جبلٍ يعصمني من الماء ، واغتربتُ في عِصمتي .. تصدّق ؟ الوادي أسهل من الجبل فعلى الأقل تستطيع أن ترى أُفقاً سهلاً ومساراً واضحاً وطريقاً مستقيماً وأُنساً بشريّا يخفف وحدة الطريق .. قلّ منا من يعي وعُورة الجبل ويُجبلُ على جسدٍ يستطيع صعوده، بل ونفسٍ لاتتهيّب المخاطر ..

ليست هي عصمة الخوف صدقني ولا عِصمة العزلة والسكون والصمت والبهاء .. هي بُعدٌ يطمئنني أن أرى من خلاله حتى يسكن قلبي ، قُدر عليّ أني أشتاق نفسي في الزحام كما يقول درويش ، وآوي إليها بعد الله كما رجوع جنديٍّ قادمٍ من السفر وماكانت يوماً إلا نُزلاً دافئاً وملاذاً آمناً ورحمةً ربانيّةً خالصة ..

ولم يعصمني من عواصف الماء والبرد سوى إيمان منّ الله به عليّ ، طلبته حثيثاً وتلمّسته من خلال الصعودِ والهبوط وكان إلحاحي أن تبقى القِمّة دوماً على مدد النظرِ مني حتى لا أفقدِ اليقين .. حتى يُرويني الأمل ..

في صُدف الطريقِ ياعزيزي شخوصٍ علّ قلمي يستطيع رسمهم في المكتوب لتشاهدهم وتبتسم ..

أتحدث .. عن طفلةٍ عجولة تريد أن ينبت نباتها الذي زرعته في بداية اليوم ؛ نهاية المساء .. وعن ضحكةِ كبيرات السنّ على نكتةٍ فاحشة ، وعن حكيمٍ في صومعته لا يؤتي من ذاته إلا بعد جزاء ولا يُدلي من دلوه حتى تغترف .. عن مسمّيات كانت لأفرادها العذاب الأمرّ أو العزوة الدائمة ، وعن راعي الأغنام ، مُمتهن مهنة الأنبياء ، ينام وحيداً ويصحوا وحيداً إلا من غَنمه الذي يتوالد يقينه مع كلّ زيادةٍ فيها ، ويعبُد الله بلا حجاب ، تتلكأ لُغته فيزيد اقترابه بالمقام ، وأنا أعبُر بكلّ دقّة الكلمات وما وَقع بقلبي من الإخلاص إلا قليلا ..

عن من أحبوا الدنيا وعن الذين اعتزلوا الدنيا .. وعن الذين ضاقت عليهم أنفسهم فكان هروبهم من السكون هروب طائرٍ من قفَص ؛ سلامتهم مع الاخرين ..

في رحلتي أثمن مطلوب، وأعزّ مفقود.. أوسع دارٍ، وأتعسَ قرار..

في رحلتي مالا يؤوّلني للوصول، وكلّ أسباب الوصول وكلّ حثاثة الطلب

في رحلتي بسطٌ وضيق، نهرٌ وسماء، شخوصٌ وعزلة، تأمّلٌ وصلوات، أكوان ؛ أكوان كثيرة وأرواح كبيرة تجتمع على أبجديّةٍ واحدة.

أُحبّ المسار بقدرِ ما للطريقِ من بركة .. الأجدى أنلا أكون مع الغارقين..

إلهي أنا لا أراك .. ولكنني أشهدك على هذه الأرض ، وأشاهد رحمتك .. أنزوي على ظلال أنوارك في روحي ، فأطير وأرتفع .. أنا لا أسمعك .. ولكنني أنصت كلماتك التي أنزلت ، تلك التي تحتضنني في عمق الضياع وتواسي روحي مع كلّ وعدٍ باللقاء القريب ؛ لقاء السماوات .. أنا لستُ بالكفئ أن أصل في الطريق إليك وذنبي أعظم .. ولكنني أشاهد علاماتك في رحمتك ، وألمس الحب والطمأنينة كلّما اتبعت ..

إن الحكمة والدقّة البالغة التي يُسيّر الله فيها هذا الكون ياصديقي من أقصى مجرّةٍ وكوكب إلى أقرب ما في نفسك من خاطرةٍ وفكرة، الطريقة التي تسير فيها الأحداث ويمضي من خلالها عليك قدرك شيء لا يدعوا سوى للتسليم بأن تلك الحكمة أكبر منك بكثير ؛ وكأنما لم يودعك لنفسك حين خلقك ، إنما أودعك إليه وحده واستخلص أرواح عباده لنفسه ، يقوم عليهم ويقبل توبتهم وأوبتهم ويتفضّل بمنحة وجودهم ويُسبغ عليهم فيها بهدي تذوّق جماله وإدراك حقّهم في العيش ؛ العيش بما أعطاهم من أجوبة ، تلك حدودك وتلك معاييرك وتلك مساحتك ، وللعقل ..! فلا وجود لأُفق .. تجلّى يا إنسان ولكن لا تتكبر ، تعلّم ولكن لا تصغّر الجاهلين ، اِغتني ولكن لا تنسى الفقير ، وصِل إلى كلّ ما ستصل ولكن ؛ امشِ على الأرضِ هونا ..

لاشيء يسابقك ، لا حُلم سيمضي عليه الوقت ، لا وقت يغادرك من دونما سبب ، لا فُرصة تضيع من دونما تعويض ، لا ترتيب ربانيّ فيك يحدُث للعبث .. أطوارك التي مررت بها وستمرّ تحدث لأسبابه العظيمةِ فيك .. صبرك ارتقاء ودعواتك أجور ولشكرُك زيادة …

أتمنى يا عزيزي وقد أطلت عليك بالمكتوب من رحلتي ، أن يباركنا الله بملاحظةِ الأشياء التي نستطيع تغييرها وأن لا يطولنا الهمّ فيما ليس لنا فيه يد ، كلّ ما تعلمته حتى الآن أن البداية في نفسك . حين تُرتبك ستترتب الحياة في عينيك ، ولستُ من الأنانيةِ بمكانٍ أن أُملي عليك ما يجدرُ تغييره فبقدرِ إختلاف التكوين والأكوان نكون .. يجدرُ أن أحبك كما أنت ، يجدرُ أن تحبني كما أنا وكما يقول محمد عبدالباري في أبياته : (إنني أنتَ كلانا لا يرى في الطمأنينةِ إلا شَركا) ..

الأجدى أن نُحبنا كما نكون حتى نستطيع يوماً أن نمنح الأمانة شيئاً من قدرها ونسلّم لرحلتها .. وآمل أن تدوم الأشياء التي بوسعها أن تُشعل نار الدفئ على قلب الأمل ..

وحتى مشاهداتٍ جديدة .. كُن على عهد الحياة.

إلى قلبك الذي ينام على خدرِ الحنين ، ويصحوا على أمل ..

صديقي العزيز .. 

أبعث إليك برسالة إذاما قلت أنها الأخيرة فلن يعطيها ذلك إلا حجماً من التضخيم ، أنا التي تُدرك وطئ الكلمات وسُبلها التي تنتهي إليّ .. ولكنها تُحتّم أن تكون رسالةً مستدركة بالحقائق المتوارية ، وأني وبعد كلّ ما كتبت وما علمت لن أبقى كما أكون .. فعلّي أقول أنها وداعٌ لمرحلة ، وبداية أخرى من مراحل الذات الجوّانية تلك التي لم تُشرك في تجربتها أحداً من حولك ولكنها كانت متأصّلةً في كيانك وطريقة رؤيتك لذاتك ، أرفع من خلالها كأسي نصف الممتلئ بالحقيقة، ونصفها الآخر متعطشاً للمعنى ، لأجل كلّ فكرة تجذبنا سوياً للأرض ، وأخرى ما ورائية تأخذنا بالصمت للسماوات ، لنحيا أجساداً بين روحٍ وطين ، مُستعذبٍ وثقيل ، نقيٌّ وخطّاء .. حتى ننعتق سوياً ، حتى يكون عبورنا خفيفاً حتى ينضح الكأس وينفضّ الجلوس بعد سماع كلّ الثقيل الذي لابُدّ أن يُتلى خلف كأس المعنى ورشفة الحقيقة .. 

هناك، ياصديقي في البعيد ؛ مُسمى ، لم تُعرنا الحياة يوماً تعريفه ولم تمنحنا الوَعد بالكشف عن كينونته .. كان لزاماً أن نخوض كلّ ما يُحتمل ومالا يُحتمل .. لوعدٍ نريد أن نُصدقه في دواخلنا ، لوعدٍ شخصيّ أن كلّ ما هنا كان قد سُخّر لنا من قديم الأزل ؛ حتى نكون ..

صديقي العزيز ..  ثمّة شوكة في جسد الفكر ، يحاول من وعى عليها منا الإسهام في انتزاعها ومعرفة مسبباتها.. هي تؤلم في وجودها كلّ ما يُعنى بالحقيقيّ والأصيل فينا .. مُتربعةٌ على كينونة الواقع متربّصةٌ لنا في كلّ موضعٍ تطأه منا القدم لسبيلٍ ما ، لتجرحنا بنا جُرحاً داخليّاً لا يُشفى لأن دماء الجُرح لم تنزف بعد ، وحتى يكون شفائها حقيقياً وكاملاً كان يجب أن تمرّ بأطوار الوَعي ..

أُدرك مؤخراً ياعزيزي أنه وكلما يتقدم بنا العمر، نميل للحنين لمن سبقونا ، للبحث عن قصصهم وتأصيل ذواتنا من خلالهم .. سنعرف وقتها قيمة الإحساس بالموروث القيميّ الخاص قبل الديني .. فهل تسائلت يوماً عمّن من سبقوك ومن هم أجدادك ..! كيف كانت حيواتهم اليومية وعلى ماذا جبلوك حين أخذهم السؤال عن من سيأتي من بعدهم ؟ لعلّك تشبهني .. سترضى لو يكونوا رعاةً بسيطين ولكنهم بمحض حقيقتهم أصيلين بعفويةٍ مُفرطة وبتلقائية طفل يتعامل مع الحياة كمن لا يرى الشرور .. يكفيك أن لم ينتزعوا حق قدومك من أقدار الآخرين ، وجُلبت لجبلّة الحياة بنقاء النوايا ، أليس هذا أجمل ما قد يكون ..! أدركت ياصديقي أنه ليستقيم الطفل لمواجهة العالم يحتاج أن يتحسس أعمق جذوره ويسير ناطقاً ومتعلّماً بأحرف الكلمات التي عهدتها الأرض التي يطأ عليها قدمه ، أن لايشعر بالغربة الداخلية في لغته التي لايُدرك سواها، وأن يتلمّس الإنتماء الجوانيّ قبل الخارجيّ بين أصدقائه بكل ماتُعنى به ثقافته الخاصة بأنقى موروثاتها .. 

أذكر نفسي ياعزيزي قبل أن أُذكرك أن مايُبللنا من رهبة تجاه الأشياء الأسمى في الحياة، تلك التي تلتمس بالحقيقة فتكون جزءً منها هي أكثر ما يصرّ علينا لنقفز الى الماء، وأتنبأ كم سيكون الغرق شديداً والحِلكة الداخليّةُ كئيبةً ياصديقي..! ولكن في ذلك القاع حقيقة لن نجدها إذاما كنا نتعبث مع السطح بلهو طفل .. أخشى ياصديقي أنها تتطلّب كُلّ الكهولة، كلّ الرغبة في التخلّي، وكلّ الإقدام حتى تُظهر عن ذاتها من خُدرها ، وتتفّتح وتُفصح عن مكنوناتها. شيئاً فشيئاً يتجلى لي ياعزيزي أن أجمل أمانينا ما كانت لتصبح في حقيقتها إلامن خلال ذلك السعي الذي كان مخلوفاً بقناعةٍ داخلية : أن ما كُتب لك من معرفة سيأتيك ، وأن إسلام الذات بالطلب. والإقبال على العلم بكلّ ضعف الجهل ، سيردفك بكلّ ثقل المعنى .. 

نهايةً أخبرك ياصديقي .. قد يأتي الشروق أو قد يتحتّم او قد تغيب شمسه .. ولكنني في هذا العبور أُدرك وأستدرك حجم المعرفة الغائبةِ وحجم التضليل ، وكلما تقدّمت زادني العلم إقداماً وكلما خطوتُ من جهل دخلت في ما كنت أجهل بشكلٍ أكبر .. ولكنني أعلم الآن ياعزيزي من أكون وعلى ماذا أقف وما هو التراب الذي أتيت منه وما طُمس من التاريخ وما تجلى وإلى أين أريد أن يقودني الطريق ، فأن تمشي في النور ليس كمن يمشي في الظُلمة ، ومن يُدرك يجد ومن يسترفد من المعنى سيُسقى ..  أرجوا فقط ياعزيزي أن لا تسمح لغوغاء التغييب أن تؤذيك ، فهنالك حِكمةٌ في بطن الأصيل .. هي حكمة الصمت أمام كلّ الذي يشبه بعضه، وحتى تتلاشى بقع الضباب ، ستظلّ أجمل الأشياء التي نحسها وتلمس إنسانيتنا بعمق، حبيسة الصمت حتى اكتمال نقاء الأُفق، بعده وبعده فقط سيستطيع أن يتفتح زهرها وتينَع نظرتها وتتشدّق كلماتها وتتفصّح أفكارها .. وحتى نقترف شيئاً من معنى العلم الأصيل ، سأكون بخير .. وأرجوا أن تكون.

حينما يقترب موعد النوم

“لا أنا ذاكرة الناس، ولا غيمة تسكن جبل. أنا المحو المحو والتناسي، حيث ينفي هواي هواي، وأغفوا على صحوةِ الناس، أغفوا ولا أتذكر”.. -قاسم حداد-

حينما يقترب موعد النوم .. أفكّر في نومةِ من يقفون على الميادين، ولربما لم يكن النوم بغيتهم لذاته ولكنّ هنأته تُبارك وجودهم حتى الصباح .. هل كانوا للطمأنينةِ بالخِدمة أقرب ..!

حينما يقترب موعد النوم أفكّر في حجم كلّ القضايا المؤجلة . من يكونون بسنّي ولكنهم في التأثير أكبر .. وفي الحق أفصح وفي الصوت أعلى ؛ كم لهذه الرحلة أن تبقى هادئة ..!

حينما يقترب موعد النوم أتفكّر في صفق جناح الحمام، تلك التي تثير إلهام شاعرٍ بصوتها الصباحيّ ؛ كم سرباً من الحمام نحتاج حتى تنتصر الكلمة ..!

حينما يقترب موعد النوم، أرى حجم الحُلم وبعد الواقع والمسافة الفاصلة بين دنيا أعيشها ودنيا ستكون .. مالذي سأسمح بأن يكون..!

حينما يقترب موعد النوم، تُفصح أفكاري عن عمق سكوتها ، تتجلى لي بصوت والدةٍ ضاع فلذتها لأجل قضية. فتتمسك أكثر ، ليس لأن الولد رخيص بل لأن دَم الولد فداء ولأن القضية أكبر .

حينما يقترب موعد النوم .. أشاهد أشياء لاتُرى ، أسمع أحاديث لاتُسمع ، تثيرني الضحكات تأخذني الموسيقى أتجلّى للمطلق أحتجّ على الموجود أصارع لأجل المفقود أعظّم قيمة الفكر أصارع الهوى أؤمن بالقلب أكثر.

حينما يقترب موعد النوم .. أفكر في فكرة ”الآخرين“ كيف لها أن تُدمّر قيماً وتبني حصوناً وتشيّد أبعاداً إنسانية ..!

حينما يقترب موعد النوم أفكّر إذاما عرف المناضلون حجم ما يقفون لأجله. حجم مايحملون. حجم ما يتخيّلون حمايته . كيف للقدر أن يمنح للإنسان معنى وكيف له أن يحمّلهم جيلاً بعد جيل جدوى كعَظمةِ تلك الجدوى. ليس لأجل أمة موجودة الآن بل في سبيل أمة فَنت وأخرى قُهرت وهموماً خُيّل لأصحابها أن لا مفر منها ؛ وحدثت ..

حينما يتقرب موعد النوم ، اغفى على حُلم مدّ الجسور ، على أمل مجتمع .

حينما يقترب موعد النوم ، أهدهد نفسي بالأمل وخوفي بالشروق وجسدي الغارق بالفوضى أن الله قريب وعقلي الناقد بالتشابه ونفسي اللّوامة بأفق المحاولات وحسّي بالعار لفراغ الفعل باحتمالات الغدّ واضطرابي بحتمية النموّ وأحلامي بالسعي يقيناً بالطريق..

حينما يقترب موعد النوم .. لا أنام ، فقط أفكّر.

صديقي العزيز .. أبعث إليك ترحيبةً دافئةً ومكثّفةً بقدر ماحمل هذا العام من جفافٍ بالبعد وبرودٍ في اللقاء حيث كانت حتى الضّمة تقلقنا بالتفكير

مابالك هذا العام ياصديقي وماذا كان منك ..! هل أرهبك الجلوس لوقتٍ طويل؛ أنت الذي تفرّ من الأشياء المتشابهةِ ومن نفسك فِرار الطفل من وقت النوم ..! هل رأيتَ ياصديقي كيف لفكرةٍ واحدة، ودقيقةٍ بالصغر أن ترعب عالماً بأكمله، وتحوّل مسيرة الكثير من الأشياء، فكرةً واحدة تُعنى بالعلم ..! لربما تكون أكثر الجمل شُيوعاً والأمل الجماعيّ كان ينصّ على أن نعود “لوضعنا الطبيعيّ” ولكن أيٌ طبيعيٍ كان ذاك ياصديقي الذي كنا نعيش فيه  .. وهل كان مستداماً لكلّ مايعنينا في طريقنا ولمن بعدنا كسلوكٍ روحيّ وجسديّ..! وهل إستطعت ياعزيزي من خلال أيامه المتشابهة أن تقترب للذات أكثر وإستقبلت فيه مشاعرك بحفاوة ؟ صاحبت الحُزن ولاطفت الفرحَ وإحتفيت بالضحك، ولم تأخذ مخاوفك مَحمل التسليم..! 

صديقي العزيز .. لعلّ الأيام الصعبة علّمتنا أنه ومهما حدث من بؤس أن الوقت سيمضي ..، فنحن حين نرى الحياة تمرّ رغم “كلّ شيء“، ندرك أن حتى أثقل الأيام آيلةٌ للنهاية وأن سيكتب الله بعدها ماكان من حثيث مساعينا ومانرى نفوسنا من خلاله، ومانحتكم حلوله بالذات من شجن وتناغم .. أن الوقت ياعزيزي يمضي مع مسيرتنا مُضيَّ النَفس وأنه سيكون في صفّنا على أطلال كلّ اليوم إذاما تعلّمنا كيف نتراقص معه ، فلا شديد التفكير قد ينوبُ في تحقيق الحُلم ولا إحتراقنا المُضني بالعمل قد يُسبغ على هذه الروح مَبلغ الرضى .. حين يكون الوقت صديقك ياعزيزي وحين تجلعه سلعتك الخالصة أمام مايثيرُ سؤالاتك في الحياة فإنه سيسعَ كلّ أحلامك .. وعهدُ صداقته يقوم على شريطةٍ واحدةٍ تُعنى بدوام الطقوس ودوام الفضول حتى مع قليل الإنجاز لأنه سيتكفّل بالنهاية بتراكماتٍ إنجازيّةٍ تعود عليك بالرضى .. صدقني إن عَين الوقت واسعة لكلّ معجزاتك ..

صديقي العزيز .. لاتنسَ أن هوان الأمور وشِدتها يرجع دائماً إلى رؤيتك الخاصة تجاهها ، فإنطلاق النفس ليس مُشرّعاً للجميع ولكن قرار الإنفتاح على اللحظة وإستقبالها كما تكون يمتلكه كلٌ منا .. للغد ياصديقي ربٌ يكتبه وللأمسِ إلهٌ يجبره أما اليوم فهو كلّ ماتملك، وحيث يكونُ الأمر إليك بعد الرب فبرؤيتك المتسَع وبروحك الملجأ .. لا تَدع هذا الوقت يمضي ، فكم نكون صغارا حين نلوم الأعوام ..! فالوَعي لايحاسبنا على مايحدث ولكن على طريقة إستجاباتنا للأحداث .. إن من يؤمن أنلا وجود للعَبث في هذا المسير سيدرك أن سُنة هذا الكون في دُولِ تقلّباته من حالٍ إلى أحوال .. وأن السرّ يرجع إلى عُمق ماتشاهد وعنوان رحلتك .. 

أرجوا أن تمنح ياعزيزي ماتحب شرعيّة أن يغير مزاجك دائماً للأفضل وأن يبهجك من الداخل ، وأن يستجلب الطفل فيك .. بشغف الإمتلاء.

كُن بخير ..

” جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما، يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما ”

صديقي العزيز ..

من هيَ أُمنا الحقيقية ، وماهي قضيّتنا الأولى منذ بدأ الزمان، زماننا على الأقل؟  وهل تتذكّر كيف عُلّمنا أننا واحد حين نتحدّث ذات اللغة ونعتنق ذات الدين ..! وأن “الإنجازات العظيمة تبدأ برؤية أو حلم ، وتنتهي بحقيقة أو واقع” ..! هل للأحلام ياصديقي أن تطول أجيالاً وأجيال ؟ وكم فرداً حول هذا العالم يحملون مسمّيين مُغرّبين مثلنا ليتخذوهما سكناً وهويّة كتركيبةٍ وُصمت بكلّ شيء ، إلا مايشبهها حقاً كديانةٍ وكإنتماء ..!

صديقي العزيز .. سأحتجب عن المعنى، لأنك أهلٌ للعُمق ولعلّ من يفهم لُغة روحك سيستطيع ترجمة هذا القلم المُثقل ، والمليئ بالإعتبارات اللتي لم يعبّر عنها بعد .. وياترى كيف سأقول وأعبّر وكيف ستعبُر حروفي عن رؤياي ، أنا التي لم تكن تعطي يوماً لتفصيلة الحُلم بالاً يُرى أو فعلاً يقال ..! مالذي يفعله الوقت ياصديقي ؟ وكيف تمر الحياة بنا سريعاً ..! وكيف لها أن تنتشلنا بأعوامٍ قصيرة من بدايات مخيفة وتجعلنا نرتطم بنهاياتٍ سحيقة، وليس وكأنها تنتهي أيضاً .. هي تستمر بإستمرارنا من عدمة ، في تواجدنا من عدمه وفي إحساسنا ووعينا من عدمه .. كيف يشعر ياترى من تساقطت قطع إنتماءاته قطعةً قطعة ؟ وماحال من قد يكون قد تغيّر حتى على نفسه ليجد بين الذات والروح إبتعاداً في التعريف أو إعادت التركيب .. حيث وحين تتساقط قطع الإنتماء تشعر بالخوف على من تكون ومن يتدخل في تكوين هويّتك .. أو في “تذويبك كقطعة سُكّر” كما يقول غسان كنفاني ..

قيل لي ياصاحبي أن الأحلام وجهٌ من شيء يتحقق لاسيما ونحن نحمل فيها نبوءةً سماويّة، وقد تكون الأحلام هي مانعوّله على الواقع بالأمل ، الأمل الذي يعطينا معنى وجدوى الوجود. الوجود الذي يجعل منا كائنات وأشخاص ذوي معنى .. إن أحداثنا هذه السنة ياصديقي تكون وكأنها في وقعها ومع كلّ صوتٍ جديد وخبرٍ أشرس  تتحرّك من عمق تيارٍ لم تستشعر النقطة فيك يوماً أنها  تنتمي إليه ، وباء ، خوفٌ وفقر وسلامٌ مزعوم وانفجار هناك وفيضانٌ آخر تسبب في غرق ..! وتراك من بعيد وكأنك ابن السماء والتيار ذاك يأخذك إلى أخمص الأرض  ولكنّ الأحداث الأكبر تمدّ يديها إليك ،  تحاول انتشالك ،  وأنت بعد كلّ حدثٍ أكبر منه تجدك تحاول المقاومة تحاول التشبث بما يمسك بك تحاول التسامي على جسدك  ورغبتك وحلمك لتصل لواقعٍ ما وسماءٍ  فيما بين السماوات السبع … يقول الروائي إبراهيم الكوني في مِحنة المبدع : “فالمحنة التي تواجهنا ليس كيفيّة التعبير عن الواقع، ولكن في كيفية الإفلات من الواقع. في كيفية الرحيل بعيداً عن الواقع، في كيفية تحويل الحلم إلى واقع. والقدرة على تحقيق هذه المعجزة هو مقياس الموهبة، بل ومعيار العبقرية. فأن يتحول الإنسان بقدرة قادر إلى حشرة وليس إلى ملاك، أو حتى إلى إله، وهو الإعجاز. هو الفتح المبين في حال أفلح المبدع في إقناعنا”..

تجدك تتسائل ياصديقي بعبث أمام كلّ هذا الامعقول وأمام المبادئ التي تتبدّل ببساطة ؛ أن متى كانت المرة الأولى أصلاً ، ومتى كانت الأخيرة ..! ومتى كنت قد تركت خطّ الذاكرة للجوء لشواطئ الأبديّةِ والنسيان .. متى وكيف كُنت وإلِى ماذا صار جسدك الذي كان يوماً ما صغيراً بحجم الكف ..! هل نحن نتغيّر حقاً أم نولد من جديد ؟ هل نحن نكبر أم نتجرّد من الأشياء قِشرةً قشرة لنقول بصدقٍ عمّن نكون كعصفورٍ يخرج للحياة جديداً وبلا ريش .. متى أصبح لك ريشٌ تطير فيه وهل تتذكّر حين إفتقدته ؟ من الذي ينزرع الريش ، من الذي يقسّر الأحلام ، من الذي يرهبنا تجاهها ، من الذي ينزعنا من الحياة ويعطينا شيئاً يشبهها ؟ لكن فضاء الحقيقة ياصديقي يحمل أموراً لاجدل فيها ،  كأولويّتنا تلك وأُمّنا الحبيبة، ذلك الأُفق يكون مكاناً تُختزل فيه تبعاً  لضميرك، وعن قداسة الضمير كان يقول ؛”بالقوانين الوضعية نحن مدانون سلفاً بالعبارة التي تفرض فينا سوء النيّة. بالقوانين الأخلاقية نحن براءة، لأن شهادة الضمير حريّة”. لذلك ياعزيزي كانت قوانين الأرض لاتعني شيئاً من السلام .. لأن الإنسان مهما إجتهد لن يستطيع بجُلّه أن يتفوٍّق على قانون الزمان ، طبيعة الأرض وأقدار الخالق .. 

وحتى نرى السلام الحقيقيّ وحتى يطير الحمام في أرض ذلك الحُلم حُرّاً .. أرجوا ياصديقي أن نشهد ذاك اليوم سوياً .. وأن تكون بخير .. 

“دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها .. ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها .. يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ”

*الساعة الحادية عشر إلا الربع صباحاً .. يمضي في سيّارته شاقاً الطريق للجهة الأُخرى ، لم يكن يعلم حين إستعجل استحمامه وخروجه أنه كان على بُعد دقيقتين أو أدنى من ذلك الحادث الذي سيغيّر شكل جسده ومسيرة حياته ، وإلى الأبد ..
*كان عابثاً ومتواكلاً حين وضع رقمه في سلّة الجوائز السنوية في محلٍ يزوره في يومٍ محدد على مدار الإسبوع ، لم يكن يعلم أنه سيفوز بقيمةٍ قد تغيّر أوضاعه من حيث لم يحتسب ..
*ولم يعلم حين دخل تلك المكتبة التي إستخفّ برثاثة رفوفها أنه قد يلتقط من ذات الرفّ الكتاب الذي سيقلب قصة حياته الفكريّة ومسلّماته إلى الضفّة الأخرى ..
*لم يكن يعلم أن المدير الذي يكرهه جداً في العمل ، ذلك الشخص الذي لايطيقه أنه سيكون هو وسيلته الوحيدة للوصول للمكان الذي يتمنّآه طيلة حياته ، وسيسلّمه الحُلم بطبعةٍ على ورق ..
*ولم نكن نعلم نحن كعائلة حين زارنا أخويّ الموظّفين في اجازة نهاية الإسبوع ليومين على أعلى تقدير أن الإجازة الإحترازية لجميع منسوبي الدولة ستحل -حتى إشعارٍ آخر- وأنّ وجودهما سيطول معنا لما مايقارب الشهرين القادمين ..
*ولم يكن ذلك الشاب الذي أتابع مسيرة حياته التي يوثّقها على يوتيوب أنه حين إنتقل إلى مدينة باريس كحُلمٍ جديد ليعيد بناء حياته أن مشكلته ستكون في إستلام مفاتيح شقته من مالكيها خلال حضر التجوّل الكامل وأنه سيضطّر للإنتظار ريثما يصله المفتاح الذي يكون “في ذات المدينة” ! من خلال البريد ..

بالتأكيد تعددت مواقف من كان لهم مع الإجراءات الإحترازية للدول الكثير من القصص والتي حتماً تستحقّ كتاباً بأكمله .. لكنّ جُلّ ماشدّني في وضع الحياة الذي واجهناه هو مبدأ ذلك التغيير الذي يحدث قسراً على أيّ شخص كان ..
وعن تغييرات الحياة بمراحلها .. المفاجئ منها ، المحزن أو السعيد .. تلك التي قد تطرأ على فكرٍ حملته ، أم على علاقةٍ أبقيت عليها ، أم على شكلِ الحياة الخاصة بمسمّيات مراحلها المُختلفة .. طالب ، عاطل ، موظّف ، باحث ، رئيس أعمال ، أعزب ، متزوّج ، زوجة أم زوج ، الأم أو الأب .. جميع تلك المُسميات من مراحل الحياة تغييرات تمضي بك مع مُضيّك الزمني بمجرّد أن تكبر ، بعضها لايحتاج لقرارٍ منك حتى ..! تجد نفسك في وسط ذلك القالب من غير طلب ، والبعض يسعى الفرد للحصول عليه .. وفي كلا الإتجاهات يحدث التغيير في شكل الأيام وتَموضع الهويّة ، وإن كنت شخصاً مهووساً بالتخطيط وتصنيفات الأحداث ورؤية قصّتك من زاوية بعيدة وإن كان عقلك لايهدأ بالتساؤلات فسيكون التغيير غالباً مسألة شاقّة على روحك ، فمابالك بالتغييرات التي تأتي فجأةً ومن دون مقدّمات كأن تتعامل مع أيامٍ تجدك فيها في الامعلوم والا مأمول لزمنٍ لاتعلم مدّته أو مالذي قد يغيّره في شكل العالم من بعده ..!
لطالما كنت أتسائل مالذي قد تعلّمنا إياه تغيرات الفصول السنوية أو الكوارث كالعواصف والطوفانات أو الأوبئة .. الأسباب التي تُغيّر شكل الأرض على تعاقب السنين تلك التي تأتي من غير تنبئ فقد نُدرك ونستطيع تحديد تغيّر الفصول والتنبّئ ببعض الكوارث ولكن ليس دائماً ، وماهي الرسائل الإلهية خلف تلك المُتغيّرات على دوام الأعوام ..! وكيف قد خلق الله إنساناً يتكيّف مع الثلج ، أو الجبال وآخر مع الحرارة أو مع الصحراء أو مع إعتدالات الجوّ الممطر على دوام السنه ، وكيف يكون لذات الإنسان أن يتنقّل بين كلّ هذه الإختلافات وبعد مدّة وبإعجوبه يتكيّف حسب ماحوله من طقس وجماعة ..!
إن سُنة التغيير وعدم الثبات حتى ولو تشبّثت بإختياراتك ستقتحمك لامحالة ، وكأنما خلفها أسرار كبيرة لنموّك الروحي .. تراك من بعيد ولكأنك في الحياة تكون على رحلةٍ دائمة من توطين الذات .. الروح داخل الجسد ، محاولات الجسد أن ينتمي وينضمّ للجمع ، ومحاولات التخلّص من الفكر وتغييره حتى ننتمي للمستويات الأعلى منه ونتوطّن أو نجد حيّزاً يُشبهنا فيه ..
ولكننا رغم كلّ ذلك نسعى دائماً ، أو على مستوى شخصيّ على الأقل ؛ للثبات .. لتثبيت مافي داخلنا من مبادئ .. للتوازن على متغيرات الحياة الدراماتيكية ، لأن نضع المعايير ونشق الطريق من خلالها ، ولنقول حين يصيبنا القلق أنّا نعلم من نكون ، وأنّا سنكون بخير ! والحقيقة أنك قد تستطيع أن تتعلّم أيّ شيء من خلال البحث والإطلاع حول مايُثيرك ، ولكن كيف تتعامل مع منظومتك الداخلية من الأفكار والمشاعر والسلوكيات ، وكيف تبرمج واقعك وتقوّي عقلك بشكل خاص أمام ماقد يبدوا جديداً وغير مألوف ومُقلق في بعض الأحيان ..! ستجد أن مواجهة كل تلك الأعاصير والخوف والإضطرابات دائما ماستكون على صعيد شخصيّ .. قد تتعلم بعض الخطوات لتطبّع التغيير في ذاتك ولكنك في نهاية الأمر ستبقى مع نيّتك تجاهه بالرؤية واستجابات عقلك .. أشعر وكما لو أنه من آلم الأشياء أن يرتبط التغيير بهويّتك المُخبئه .. تلك التي كنت لتحاول الطبطبة عليها وصُنع إتزانها الكامل أمام قصص طفولتك .. وتلك التي تُبنى فيك من الداخل على مرّ السنين .. وقد يكون التغيير أصعب مايكون إن هو إرتبط في عقلك بذلك الجزء الثابت منك ، وإستطاع في إرتباطه “الإعتقادي” أن يهزّ شيئاً ما هناك .. شيئاً خاصمت وقاصمت حتى تستردّه إليك في كلّ مرة ..
فماذا لو كان التغيير لايرتبط بهويّتك .. ولا بتلك القوالب المُختارة سابقاً من قبل مجتمعك ..! ماذا لو كان شيئاً تستطيع رؤيته من أعالي نفسك ، بل ، والضحك أحياناً على حُدوثه كونه قد كان مُتوقّعاً وأصبح شكلاً من أشكال الحياة ..! أشعر كما لو أن أولئك الذين تمكنوا من موضَعة ذواتهم وأخذوا هُدنة الصُلح مع أن الحياة ستتتبدل كلّ مرة ولكأنهم في نقطةٍ مريحة جداً .. أتذكر هنا ماقاله الفيلسوف والمدرب الروحي الهندي “جاغي فاسوديف” حينما سئُل لماذا يكون التغيير صعباً لهذا الحد؟ حيث حينما كنا أصغر كان ليكون شيئاً يدعوا للإثارة ولكن حيثما نكبر نجدنا نتجّنبه ماإستطعنا ويصعب علينا التأقلم معه إذا حصل ؟

ليجيب :
“الشيء الذي يجعلك تخاف التغيير هو أنك قد صنعت حول ذاتك شرنقات من البيئة المُريحة التي إن حصل وتهددت راحتها ستجدك مُهدد أيضاً ولكنك حينما كنت صغيراً لم تكن تبحث عن ال”راحة” ، كنت تبحث عن الحياة .. والآن أنت لاتبحث عن الحياة ، بل تبحث عن الراحة والأمان .. فحينما كنت في السادسة عشر مثلاً كانت لديك أحلام جامحة كأشياء تريد القيام بها في الحياة وفي الوقت الذي بلغت فيه الخامسة والعشرون شذّبت بعضاً منها قائلاً : هذا غير “عملي” ، ويجب أن أكون “عملياً” في الحياة .. وشيئاً فشيئاً إنتقلت من الجموح للجُبن ، وفي إعتقادك أنك حين تمتلك عملاً في هذا السن وإكتساب معيشتك أنك ستكون بخير .. وفي عمر الخامسة والثلاثون إعتقدت ؛ “يكفيني أن لا أدخل في مشاكل ؛ فهذا كافٍ” .. وفي الحقيقة يكون هو العمر الذي تدخل فيه في مشاكل فعلياً ..! وبهذا تكون لاتنظُر للحياة بشهّية بل كبوتقة أمان .. وهكذا بقدر ماتكون في شرنقة الأمان بقدر ماسيكون التغيير صعب عليك .. إن جوهر طبيعة الوجود الفيزيائي هو التغيُّر أليس كذلك ؟ كل شيئ يتغيّر .. هل هنالك شيء ليس قابل للتغيير ؟ كل شيء في الوجود وأساس مبادئ الفيزياء هو التغيّر .. لذلك ، حين تدعوا لمقاومة التغيير فأنت ببساطة تقاوم الحياة ..وإذا كنت تريد حياة بلا تغيير فهنالك مكان جميل لاشيء فيه يتغيّر وهو القبر.
إذا كنت لاتريد التغيير إذاً فسيكون هنالك تشابه أساسي في كلّ شيء ! عدا ذلك طالما تكون في العالم الفيزيائي فإن كل شيء مُتغيّر. أنظر لهذه اللحظة : أنت الآن في حالة شهيق ، وبعدها ستكون تزفر النَفس .. وإذا كنت تريد إيقاف ذلك فأنت تعترض على أساس الحياة “.

لن يستطيع صاحب قصّتي الأولى أن يعود كما كان حتى ولو أعاد في رأسه تفاصيل تلك الحادثة وذلك اليوم مِراراً ..
ولن يردّ صاحب الجائزة الثمينة مبلغاً يأتيه بفرج ،
ولن يتوانى ذلك الموظّف الكاره ويغضّ الطرف عن توقيع مديره لصفقة حُلمه ..
أما عنّا كعائلة فقد أمضينا مع إخوتي وقتاً جليلاً بالقُرب وثميناً بعمق المعنى ..
وذلك الشاب إستطاع حتماً إستلام مفاتيح منزله الجديد وبدء حياته الجديدة بفرح ..

اتسائل .. ماذا لو كانت تلك المرحلة التي تراها بشكلٍ غير مستقرّ هي ذاتها تلك الحَبكة اللطيفة للقصة التي تشعر بالإنجاز حين حكايتها ..! وماذا لو كان كلّ مايتطلبه التوطين الذاتيّ لكل متغير هو أن تمشي مع ذاتك وطفلك الداخليّ ممسكاً بيديه خطوةً بخطوة ، يوماً بيوم وساعةً بساعة بل ؛ وحتى شعوراً بشعور ..! أن تحمل أحلامك كصغيرٍ يتعلم المشي لأوّل مرة .. أن تتقبل ذلك الخوف وأنلا تطلق أحكامك على مشاعر طفلك بالسخف أو الهوان .. ماذا لو جعلته يعبّر بالنحيب أو الصراخ أو حتى يتمرّد على حكيمك الذي لايعرف السكوت ..! ماذا لو سمحت له ببعض التيه وأعطيته الحُريّة ليكون سطحياً مثلاً وسمحت له أن يُضيع بعض الوقت ليُشتت من محاولاتك الدائمة للسيطرة في سبيل التأقلم وماذا لو فقط سمحت له بأن ؛ يكون ..!
التخطيط قد يكون هو طريقتك لللمقاومة تجاه مالاتعلمه خلال مراحل التغيير ؛ وهذا جيّد إذاما استطعت الإستفادة منه ولكنك يجب أن تترك تلك المساحه ل”غير المعلوم” الذي سيواجهك حتماً وعليك أن تتعامل معه وقد تؤلمك المقاومة أكثر من محاولاتك لتقبّل مالاتستطيع تغييره ..
يبقى ولاشكّ أن الإيمان العميق بألطاف الله تكون قوّة المؤمن .. فهل يكون لك أن تتبسّط حينما مايتغيّر مجراك ، أو أن تُشذّب من تطلعاتك العالية لتتموضع فيما لاتستطيع تغييره ؟ وأنه ليس دائماً ماعليك أن تقاوم الموج ، وإلا غرقت ..! وإن البقاء مع التيّار جيّد ومقاومته جيّدة في أحايين أُخرى حسب ماتقتضيه الحياة ..! وأن تصدّق أن كلّ ماتخشاه ؛ سيمضي ..!

رسالة من المستقبل …

صديقي العزيز ..
كان لك أن تأخذ من ذلك التعب لتكون أنت ،
كان لك أن تختلط ، لترى غيرك ، فتحتفي بك ..
وكان لك أن تنعزل ، وتشعر بالوِحدة ، لتقدّر جلال الجَمع ..
كان لأفكارك أن تسيطر عليك بالخوف ، لتستشعر حُريّة الفرح ..
وكان للحياة أن تأخذ منك كل ذاك الضياع ، لتدلّك
كان جديراً بتلك الظُلمة أن تحدث ، لتستنير ..
وحرّياً بالوقت أن يطول ، لتعلم عمق جلال الأيام السريعة ..
وكان جديراً بكلّ صعبٍ أن يعبر عليك ، أن يصيبك طفيف حُزنه ، أن تغرق بالمجهول .. حتى تنجوا بنفسك ..

إن العالم ياصديقي يمرّ بالكثير هذه الأيام ورغم مُقدّمتي المُسهبة لا أملك إلا أن أقول ؛ اللهمّ سلّم سلّم.
رغم ذلك ياعزيزي أشعر أن مستوى الموج الذي نعيشه اليوم ، قريبٌ لما كنتُ أعهده وأشعر بصحته فالكلّ أصبح يقابل بعضه بعد كلّ هذا الهروب السريع للوهمّ والاشيء..

علمت على سبيل المثال أن ليس هنالك “عملاً” لتقوم به حتى تكون أنت أو لتستطيع تعريفك على الأقل، فحين يكون الحديث عمّا في داخلك فإن الحقيقة ثابتةً ولايجهلها الصامت في كينونة ذاته .. ولكن بالمقابل العمل الداخليّ يكون للنمو ..

علمت أن الحقل الذاتيّ كثيف الخُضرة وغنيّ بالتنوّع في أصنافه ، إنما مالذي نريد أن نرّكز فيه ومانريد له أن يكون سيكون، ومازرعتَ ستجنيه .. فإن أردت التعلّم من خلال المصاعب والألم ، فالمصاعب ستحصل لك ، وإن أردت التعلّم من خلال الحُب ، فالحب سيحلّ عليك ..
وليس وكما أن الأمور تأتيك لتختار منها ولكن كلّ ذلك يرجع لبذورك .. من أين تقتنيها ، هل تحصل عليها من مزارعٍ رخيص أو مزارعٍ ناصح ؟ ومن ثمّ كيف تغرس البذر في أرض عقلك ، هل تعملها بالشكلٍ الصحيح الذي يُشبهك ؟ وهل تعاود زيارتها للسقاية والتوكيد في كلّ يوم ؟ وهل هي تتزوّد بالشمس بشكلٍ كافٍ لتتنفّس أم هل هي منغمسةٌ في باطن أرضك بتفتّحٍ يسمح لها بالنموّ ..!
إن ذلك الحقل لوحده ياصديقي هو مُعضلة الإنسان ومايضمن وجوده في آنٍ واحد ..
برمجة العقل في الرؤية قد تظللنا كثيراً ولكنّ لها جوهر خالص فيك .. جوهرٌ نوريّ ..

صديقي العزيز …
كنتُ في حينها قد تسائلتُ أيضاً من أين جاءت فكرة أن الإنسان في عالمنا السريع لم يكن له الحق في الجلوس ، للاشيء ؟ منذ متى نمت الفكرة أن عليك أن تكون مشغولاً على الدوام وعلى عقلك أن يفكّر طيلة الوقت في شيءٍ ما ؟ ومتى تحوّلت فكرة الإسترخاء البسيطة بمفهومها إلى فكرةٍ مُضنية من تأنيب الضمير على أقلّ تقدير وكأن الوقت الفارغ والملل بتعريفه البسيط أصبح شيئاً من هباء رغم أنه يعطيك الكثير .. كيف حَصل كلّ هذا للبشر ..! شعرت ياعزيزي أنه قد آن لنا أن نَعي أننا نواجه مشكلةَ من محاولات الهروب الدائمة للإنشغال بكلّ شيء وبأيّ شيء إلا عن الجلوس للاشيء ..! وليس وكما أنه فعلٌ يجدر بنا القيام به كثيراً ولكنّ تلك الفترة جعلتني أتسائل حول أجدادي الذين كان لأيّامهم من البطيء الشيء الكثير أو لعلّي أقول ماكان “بتعريفنا” بطيئاً فلم يكن على سبيل المثال هنالك أيّ مما يملأ وقتنا في الزمن الحاضر ناهيك عن جودة الحياة والوقت .. هل كانت جودة الحياة بالنسبة لهم أعلى من الوقت الحاضر ؟ وعلى ماذا تقاس ، وبالعكس لحالنا ..!

في النهاية ورغم كلّ ذلك ياصديقي هنالك هَمسٌ من اليقين الخفيّ يقول لي مؤكدّاً على أن الله هنا ..
فحين أضعفك السَقم ، ألم يقوى على إخراجك من الداء إلى العافية بإذنه ..!
وحين تُهتِ باحثاً عن ماتظنه ذاتك في دروب الحياة ، ألم يدلّك في لحظة يقينٍ ما على جوهرك الخالص ..!
وحين شعرت أن لاشيء سيكون بخير وإزدادت مخاوفك ، ألم يطمئنك بمن هم حولك بلُطف ..!
وحين كنتَ قد تترددت كثيراً .. ألم يمنحنك الأكيد ؟
كان في كلّ ذلك لطيفاً عليك ياصديقي فلن يبتعد الآن وهو معنا جميعاً ..
وكما يقول الشاعر صفي الدين الحلي في لطيف أبياته ؛ “الله عوّدك الجميل، فقس على ماقد مضى” ..

أتمنّى ياعزيزي أن تجود عليك أرضك بالثمر الطيّب وأجمل زهور الربيع الذي سنُحدّثه حينها عمّا كان وسنحتفي به .. حتى ذلك الوقت وإنتهاء كلّ هذا القلق .. أتمنّى أن تبقي على ذاتك بخير وأن يضمّك السلام الداخليّ بدفئٍ لطيف …

مبعوثُ سلام ..

تعال وقُلّ لي على هذه الأرض مايستحق الحياة ..
تعال وقُلّ لي على نغمِ هذا الكونِ مايستحق النظر ..
تعال وقُلّ لي بحقّ الإله بأن الحقيقةَ محضُ جمالٍ، 
وأن العزاء بقصر النظر .. 
وأني وإياك لم نكُ شيئاً من العابرين على لحنها
وأني وإياك قصةُ حلمٍ على وزنها ..
وأني وإياك فينا الأمَل ..
تعال وقُلّ لي على هذه الأرض مايستحق الوجود ..
فإني لأشعر أني خُلقت بغير وجود ..
وإني بغيرِ إقتراب الإله ، وجومٌ وظلّ قيود ..

حسناً ، ورغم فيض الروح لم أكن يوماً لأرى نفسي كناظمة شعر، أنا التي إعتدت أن أنثر الكلمات نثراً .. ولكني تبريراً سأقول أني لم أكن أعلم كيف لي أن أموضع تلك القطعة التي خرجت مصادفةً .. لعلّي سأعتذر إليك مقدّماً في نشرها هنا ..

صديقي العزيز ..
إن هذا الوقت من السنة ومع بدايات الشتاء ، بعد المَطرة الأولى بالتحديد ، أرى روحي وأراني من بعيدٍ أنتعش .. وكأن شيئاً ما في عمق قسوةِ البرودة يأتي ناعماً ، ومحمّلاً بالسلام .. لليالي الطويلة التي أستطيع القول أني سأخوضها ببسالة وسأستطيع أن .. أغُني ..، وإن حَجرشة الحياة صوتي بفعل الخوف أو الكئآبة ، فسأستكمل أغنيتي يوماً ، وأن مخاوفي لن تكون إلا لحناً لتلك الأُغنية .. وقد يُفترض أنه من المُبكّر جداً القول ياعزيزي ، ولكني لم أكن لأشعر أن الطمأنينة ستلقى موضعاً فيَّ في وقتٍ قريب وأن الحياة ستتفتّح رغم كُلّ شيء ، كزهرِ ربيعٍ طال إنتظاره ..

صديقي.. قد كنتُ طفلةً حين كان لجوئي للسماء يعني الصمت المُطلق ، كان يعني أن أقف لمشاهدة مباعث النجوم ، المضيء منها والمستضيء .. حيث طفولتي كان اللجوء عفوياً ، لاتشوّبه المشاعر .. كان لأجل الحال ذاته .. وكبرت ياصديقي ، وكيف يكون الكبر بالنسبة لطفل ..! يدخل عليه من باب من حيث لايعلم فبين فرحته برفعة قَدره شيئاً وبين حنينه لذلك الخفاء الطفوليّ حيث يستطيع بدون أن يتلقى أيّ تعليق بتفاهته أن يهرب من وسط الجموع ليلجأ لشجرةٍ يدور حولها بلا أفكارٍ على سطح نفسه .. أو أن يلجأ للسماء بعيداً عن حَتمية الوجود العصريّ وعمق التشتت .. 
إن النجوم ياصديقي في سماء هذه الليلة تنتشر ببعثرةٍ مُغرية .. وكأنها ترفض رتابة التنظيم الأرضيّ ضاربةً بتلألئاتها عرض حائط النظام البشريّ ، لتصرخ في وجهي وفي الكون أن كلّ شيء لن يكون كما تحب أن تراه دائماً أو كما تعتقد بصحته ، ولو كان ياعزيزي كما ذاك لرأيتني أرتّب السماء بطبيعتي المُسيطرة نجمةً نجمة ولجعلت الشروق وإزرقاق الفجر علامات السماء الدائمة …
ماذا ياعزيزي لو كانت الحياة ساحة رقص كبيرة .. هل كنتُ لأسمح لذاتي بالرقص ..! بالظهور عليها كمعطياتها هي لا كما توقعاتي المرتفعة حيالها دائماً ..! وهل سأتقبّل الموسيقى التي ستعزفها لي إرتجالاً ، أم هل سأسمح بالتغاضي عن إختلاف حركة خِضري عن وقع الموسيقى ..! سيبدوا الشكل مضحكاً بعض الشيء .. إن كان لها أن تكون فأرجوا أن أسمح لي بالقليل ، بأن يكون الرقص هو إنعتاقي للمطلق .. كما سمحت للسماء أن تكون اللجوء الدائم للطفل بداخلي .. 

صديقي العزيز .. كنتُ قد سألت ذاتي مرةً ، ما هو المعنى بأن أعيش على طرف الحياة ..!

فوجدتني أسمع الذات ترد بهمس ؛ هو أن تكوني ياصغيرة سطحيّة الرؤية .. هو أنلا تتشبثي بضماناتك وإنما بعمق التيّار حيث مجال الأمان الدائم : الزوال .. وأن “الدوام” مُحال لأيّ وضع. طرف الحياة يعني عدم الغوص. يعني .. أن تعيش بقلبان ، قلبٌ حاضر في اللحظة وقلبٌ مؤمن بالزوال ..
طرف الحياة يقول لك أن الجسد الذي تظنه “أنت” إنما هو منزلٌ للروح فقط .. وأمّآ عن من أنت؟ فقد تكون ذلك الصوت الأعلى من شعورك.
طرف الحياة حكايةً ترويها ، حبكتها تكون إختياراتك الحالية .. وإخراجها يكون من أعالي سماءات نفسك.
يوجد هناك دائماً رجوعٌ ومغفرة ، لنورٍ داخليّ .. وأنه مهما إمتدّ البلاء فستأتي لحظة إحتفاءٍ داخلية من حيث لاتعلم ؛ ذلك أن الرؤية من ذلك الطرف لاتجلب لك الخيبات حيث تكون المشاعر زائرةً كعابر طريق. 

حيثما تكون ياعزيزي .. تمسّك بالخفّه ، وأمعِن بالطرف وتعلّم أن الزوايا ستختلف وتابع مصدر النور في داخلك ، هنالك دائماً مستوى أعلى مما تصدّق أنك تستطيع إحتماله ، مستوىً لم تكتشفه بعد ولم تُهيأ لك أسباب الكشف بعد ، لكنك رغم كلّ شيء ؛ ستنجوا ..

تقول الحِكمة ؛ “نحن لانرى العالم كما هو ، بل كما نكون”.

إستشفاءٌ داخليّ ؟

وكم لله من لطفٍ خفيٍّ .. يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ
وكم من أمرٍ تساء به صباحاً .. وتأتيك المسرّة في العشيّ 
وكم يسرٍ يأتي بعد عسرٍ .. يُفرج كربة القلب الشجيّ 
إذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فثق بالواحد الفرد العليّ 

جلسة “الليلة مغنى” ، تسجيل قديم بموسيقى عذبة لأبو نورة بموالٍ يحمل تلك الكلمات .. في ليلةٍ نجديّة خريفية مغيّمة مصحوبةً بكوب شايٍ محضّر بعناية .. بعد سفرٍ طويل ، وأيامٍ مليئة .. وحيث الرجوع لل”مريح” وال”معتاد” وال”منتظم” ..
وجدتني ونفسي في تمشيتي الليلية ، أتفكّر بعدد أيامي الماضية من الخضوع والتعب ، ممَ ؟ ولمَ ..! 
لما أحمله من كمّ المشاعر المختلطة من محاولات الإستشفاء الحثيثة من الحزن الداخليّ ، وحيث وجدتني أحكمُ على مشاعري بالسخف والرتابة فقد قررت كتابه ..،

صديقي العزيز ..
نظلّ نمضي عابرين على لحن الحياة .. على سكةٍ من نور يتباين ويتخافت ، فيما بين الشروق والعتم ..  
عن جسر المشاعر الطوييل ؛ إكتئاب ، حزن ، فرح ، عن صوت العقل وصوت القلب وفلسفة المنطق ، الخطأ والصواب .. تلك القوالب التي نحكم من خلالها على شعورٍ ما ، ونطبّعها ونقول بتشابهنا وإحساسنا ببعضنا البعض لذات المشاعر ، وعن قرار الارجوع لشعورٍ أحسست به يوماً ظناً منك أن قرارك في ال”مقاومة” سيحجب عنك الإحساس المُرغَم ..

في الحقيقة ولملرةٍ الأولى ياعزيزي وفي تجربة عُمري البسيط .. أشعر أني تعبت الحياة .. تلك الحقيقة التي أحاول تجنّب كتابتها منذ أيام .
مايحزنني ليس القول بها بقدر حُكمي الداخليّ على ذاتي أنه “لايجب” الشعور بهكذا شعور أثناء الرابعة والعشرون، فالحياة لاتزال صلصالاً يتشكّل بصرف النظر عن معاودات التعريف الداخليّ كثيراً بيني وبيني ..
أشعر أننا نُرهق النفس ليس بمقاومتنا لإستشعارنا المشاعر السلبيّة فحسب ؛ ولكن لحُكمنا داخليّاً على مشاعرنا أنها لاتجب ..! وكأننا في تلك القوالب المذكورةِ سابقاً نحاول أن نكون في منطقة “الصحيح والمنطقيّ والمعقول” .. وكأن للشعور أن يرضخّ في مقاومات القول بال”أجدر والمناسب” إجتماعيّاً للوضع بدلاً من مراجعات إنعكاساتنا وأصول تلك المشاعر ومنابعها التي قد تكون أثراً لتجاربٍ سابقة لم يَكنها إنسانٌ قط ، ناهيك عن الأحكام المجتمعيه تبعاً لما يظهر عليك من مشاعر كفرد مستقلّ ..
وهذا ينطبق أيضاً على إيجاد المُتعة الداخليّة والسلام مثلاً أو الضحك في وقتٍ “ليس بوقته” بالمتعارف عليه ، فقط لحُكم الجماعة.

عزيزي .. 

كنت أحدّث نفسي عن شعوري بنضوب الأشياء من حولي وإضمحلال رؤيتي الحالمة للأماكن والأوضاع، رائيتاً بذلك حياةً واحدة وزاوية نظر قد تكون فيّ إلى الأبد ، ومن يعلم ..! فقد أتغيّر ، وقد تضحكني الحياة كثيراً كما الآن حين لاتعطيني فرصةً للتبرير .. لتبرير الأشياء التي ظننتها مسلّمةً على الأيام ..

ماأجدني تعلّمته على وجه الحقيقة ، وفي مرحلتي على الأقلّ من محاولات الإستشفاء ؛ أن الحياة .. تتغيّر .. وتمضي ، برضاك أو بسخطك ، بإختيارك للنهوض بعد العواصف أو في إستسلامك بتعبٍ أثناء العاصفة ، فهي ستمضي وتسير ، ولن تتركك ، هي إنما تتغيّر في وجهك أو تغيّرك تبعاً لما تمر به .. وفي كلا الحالتين فإن قرارك بالمقاومة لذات سُنّتها وهو التغيير لن يصبّ في صالحك في النهاية.

فهل سندرك ياصديقي مفاتيحنا ونعلم مع الوقت دقّة تعرّجات أنفسنا تلك التي تفتح دواخلنا للنور إن أقفلت الحياة أبوابها على الطريق ..! 
أليس من الجميل ياصديقي أن ألغازها ، لاتفسّر ..! أوليست الرغبة في تحصيل التعريف هو دافعنا المستمر للبحث بها والنبش عن تجاربها وأخبارها ..! أوليس مايكون جهلنا بالنهاية ووقتها وعمق الشعور بها هو مايدفعنا للأمل بإيجاد ضآلتنا ؛ طريق النور ..!
أليس جهل كُنه الطريق ، هو العنوان الجيّد لما قد تؤول إليه أمورك ..! 
وإن كنّآ سنضيع دوماً في التخبّط في أبواب العلم الذي لن ندرك جُلّه ، فكيف للإنسان أن يجد مأواه المثاليّ إن كان يشعر بالضياع عن منازل النور ؟

أما عن سؤالات الإنعتاق للنور ؛
فهل ستحضتنك السماء يوماً ، وهل مازلت تستطيع التطلّع لأنوارها ؟
 هل ستسمح لنور الله أن يُشرق فيك ؟ وهل ستستقبله حينها بلا أحكام ؟
ماهي نفحة الروح النورانيةِ ياصديقي مقارنةً بجسد الطين وملذّاته ..! وكيف لنا أن نشبع النور في حضرة الطين وكيف للطين أن يبلغ نورا ..!

إن كنّآ لنؤمن ؛ أن الروح نفحةٌ نورانية .. فجديرٌ بالروح أن تتصل بالسماء ، وجديرٌ بالنور أن يعود ، وجديرٌ بالأيام الصعبة أن تمضي…