أن نجلس تحت شجرة الحياة الكبيرة، ونتحدّث ولا نأبه بالوقت الذي يمرّ.. أن نتحدّث طويلاً وبعُمقٍ حول مخاوفنا الكثيرة.. أن نعيش كلّ فصلٍ كما يكون، بمساحاته كلها.. أن نرتجي المغفرةَ مع الذبول ونقاوم الصقيع ونُمثرُ في ربيعاتنا حتى تميل أوراق غصوننا باحتمال الثمر..

أن نكون نحنُ، مع نغم الحياة.. نضّمها حيناً ونرقّ عليها حيناً وتؤدّبنا في أحيان، تُخرج منا عصارتنا، ترينا عصارتها، تفاجئنا بالأقدار في أحايين وتضمّنا في أخرى.. من جانبٍ تُشعرنا أنها أحنّ أم، ومن آخرٍ تردينا كما حبيبٍ مُجافٍ..

ننام بين غصونها كما تحنو على طير، نحلُم بأن تكون لنا السماء عنواناً كما كانت لكلّ الطيور طريقاً ومرحلة..

نعانق الأُفق بالأمل… 

أن تكون لنا يا صديقي من الحياة علاماتٍ منها نقرأ للحال حتى نُفيق.. دروبٌ هي الحياة، أغصانٌ كثيفة تأخذنا إما لمحاسنِ الارتفاع أو محنة السقوط.. ما أثقل وقع السقوط وما أحلى الطيران فيها.. 

حينما تسقط؛ يبقى لديك مكانٌ واحد ووحيد.. هي السماء التي تراها، أفقك الذي تعزوا إليه بلا قلق.. وعزلتك التي تشافيك من كلّ هذا العالم؛ طريقك إلى الله..

دعنا نقتسم الحكمة ياعزيزي بين وبين، لك حلاوة الثمرةِ ولي منها الريق الطيّب والفال الحسنُ وحماسة الانتظار.. دعنا نشاهدُ روعتها سوياً، دعنا لا ننخدعُ فيمن بوسعه أن يستغرقَ في جانب الأخذ والتناوُل وبين من يسحره الجمال.. دعنا نراها كما هي.. مكتملةً، بهيّة وراضيه، مغريةً ولكن ليس على الدوام.. من حيث يكون الإكثار غصّة، والتخلّي كِبْر، والقليلُ المتخففُ هو أوج الكمال..

دعنا نمشي يا عزيزي قليلاً قليلاً وعلى مهلٍ مع أوسع أقدارنا..

دعنا نمرّ بكلّ شيءٍ على حضور،

دعنا نستغرقُ في جلال الصمت وسط كمال الأفكار واحتدامها حيناً..

دعنا نقدّر جميع تلك الأصوات التي تمرّ وتلك التي تترك في عبورها أثراً في كياناتنا.. لنتلمّس ياعزيزي مشاعرنا كما هي بكلّ خباياها كما لاتُبديها علينا النفس سريعاً..

دعنا نقاوم انفعالاتنا السريعة ليس من مكانِ جحودٍ ولكن من بوابةِ ثقةٍ وعلوٍّ خفيف.. يشاهدُ ما يكون ويشهد عليه كما هو..

قد يكون في الحياة يا عزيزي ما لا يُفسّر.. فكُن لي ومعيَ من الحالمين.

صديقي العزيز..

أتفكّر بالأُنس الذي يأتينا ملئاً من بعضِ من لا يقتربون لنا بالدمِ ولكن لهم في الروح مكان، وفي النفس باب، بل وأبوابٌ منها يدخلون بلا وَجل.. وعليها ومنها وفيها يحكون ويحاكون أجزائنا.. لا يبعثرون المكان بل يزيدوه نوراً ويضاعفون مشاعرهُ ويستقبلونها كما تكون.. يرضون بقليلنا ولو كان صغيراً، يحبوننا كما نكون، يعتزّون بصداقتنا، يشاركوننا الطريق ولا نشعُر بجانبهم بالحاجةِ لشرحِ ذواتنا من جديد.. معهم لا نشعر بالحاجةِ لترتيب دواخلهم وكأنهم يأتوننا مستعدّين حتى يكونون إلى جوانبنا فحسب.. لا نرتبكُ معهم من الكلمة ولا نخشى مما قد نقول..

على الجانب الآخرِ قد يأتينا ضيوف في منازل الروح.. شديدوا الضجيج، يكونون هنا بنيّة أن نصلحهم، يأتون بعد انعطاب جميع أدواتهم طامعين بسكينتنا التي عكفنا عمراً لترتيبها.. مزعجون، عنيدون، مبعثرون في دواخلهم.. يحاولون اسكاتنا لأن محاولاتنا التي تنطوي على عُمرٍ من الأسئلة يفهمونها كمثاليةٍ زائفة.. ضوئنا الساكن يستفزّ بعثرتهم، هم لا يريدون إيذائنا بل وقد يحاولون جذبنا لعاصفتهم ظناً منهم أن هدوئنا مزحة.. وأنا يا صديقي أرتبك، في خِضمّ كل ذلك.. أرتبك، لأن منزل قلبي يحاول كلّ يوم أن يتطهّر من أخطائه وينقّي مدخلاته.. لأن عقلي كلّ يومٍ يستزيد، ولأنه طامعٌ بالراحات على التعب.. أتعرف يا صديقي خوف الوالدين من أصدقائنا حينما نكون في مرحلةِ التكوين؟ هكذا أخاف على نفسي من محيطي في كلّ مرحلة.. قد تجدني قليلة الخِلطةِ شحيحة الأصدقاء ليس لأني أعكفُ على عزلتي كما العابِد على روحه ولكن لأن منزلي يقعُ في الرفّ الأخيرِ العتيقِ من الكتب، ومصطلحاته قد تكون صعبةً بعض الشيء لقارئ الحياة المبتدئ، يتعبه الكتاب كما تشقيه اللغةُ والكتاب بذاته يتعب من محاولات قارئه ليفهم، فلا المتصفّح السطحيّ اكتفى من فكّ شفيرته وتركه يركنُ في هدوءه ولا الكتاب استطاع أن يجلّي معانيه لقارئه البسيط، لذلك يعيشان على سواء، القارئ السطحيّ وكتابه، على طاولةٍ من فراغ سحيق بينهما.. هي المسافات يا عزيزي ما تربكني.. المسافات بالفكر بيني وبين جيلي التي تشعرني دائماً بغُربة اللسان أو مسافةِ المنطق…

أحب تلك المقولة التي تقول : “علّك تجد من يتحدث لغة قلبك حتى لاتُمضي عُمراً في محاولة الترجمة.” 

وهذه التي تقول : “الزرع يكون دائماً هو الأينع بالاخضرار حيثما تقفُ وتسقيه.”

هو الوقوف ياصديقي.. حيثما نكون، والسقايةُ كيفما نستطيع، بهدوءٍ وكلّ يوم، حتى تتنامى أعشابنا، ونخضرّ.. حتى يميزُ الله لنا مكاننا في هذا العالمِ من خلال الاخضرار اليانعِ، حتى نستكينُ للكيف، ليس بمن يكونون حولنا فحسب.. 

ومع الكتابة.. أجدُ روحي معروفةٌ لك جداً، وتحبّك جداً وتستشعرك بشكلٍ عميق.. أراها حُرةً طفلةً فسيحةً بالوجود، أكبرُ من حضن لغةٍ واحدة وأوسعُ من المنطقِ وأكبرُ من الحب.. إلى الكتابةِ أمضي كمن يرفعُ رأسهُ للسماء ويتفكّر هروباً من منطقِ الأرض ويباسها.. ومع اللجوءِ ذاك أراني كلّ يومٍ بالشعور أهطُل مطراً وأشافي دواخلي بأبسط الكلمات، ليس لأني بذاتي شافيةً وحاشا ربي، بل لأنه برحمتهِ يُرسلُ على لسان روحيَ ما أستطيع من خلاله بالمعنى أن يكون لي شفاء وبالكلمةِ أن يُحقق كتابةً م ، لا أصنّفها من الأدبِ ولا من الفكر، ولكن أستطيع القول أنها تكون نابعةً من مكانٍ قصيٍّ في بئر روحي تواسيني مرةً وتبكيني مرات ولكنني معها بالعهدِ والوعدِ والطقسِ حتى تُخرجَ لي الماء، ولا أتركُ دلوها حتى ترويني، حتى أستقيم..

ولأجلِ أن ألقاكَ ياصديقي بخير.. 

أتمنى أن يكون حولك دائماً من يعرفُ كيف يقرأك، ويستحلي عذوبة روحك ويكون قريباً منك.. ويؤانسك.. 

حتى ألقاك،

كن بخير.

صديقي العزيز..
تعال، ودعنا نتحررُ من خلال الكتابة، نعلّي موجة الصوت بالمجاز، نرقُص مع السجع ونتمايلُ بالمرادفاتِ الدقيقة..
تعال، حتى أُعلمك من خلال القلمِ مافقدتهُ في نفسك.. سأجلّي لكَ المعنى، سآخذك في رحلةٍ طويلةٍ من الأصوات، أُعرفكَ على المتضادْ فيك والمتناغمِ منك وجزئك العميق الخفيّ..
تعالَ للكتابة..
ففي الكونِ ياصديقي أصواتٌ لا تسمعها إلا في الوصوفِ، كانقباضةِ القلبِ وحرارةُ الخجلِ الظاهرِ بحُمره، ودهشةِ أول المطرِ على خدِ طفلةٍ تشهدهُ للمرةِ الأولى، علوّ الشجرِ وعِزّةُ صمت العَالمِ أمام الجاهلِ وجنينُ القصصِ من التأمّلات الطويلة التي تنجُب قصيدة، وطفولتنا كجميع البشرِ حينما نلجُمها بواجبات النضوجِ..

تعال إلى كوكبةٍ من كلمات.. تُخلَقُ كلّ يوم، تبزُغُ مع كلَ شمسٍ بفضلٍ ورحمة، ومع كلّ كتابٍ تُغلقهُ ثمَة آخرٌ مخبأٌ فيك.. لا تخرجُه سوى الكتابة..

صديقي العزيز..
دهشةُ هذا الكون الذي أُخلُق فيه كلّ يوم لا تخطئُني، وكما أُحبُ في المشاهدات أن تختلف القصّة في كلّ حلقة، حلقاتي تكون في تسلسل أيامي تبدوا في المشهدِ واحدةً ولكنها في مخبَرِ الشعور والمواجهة، قصصٌ تتبدّل كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ لحظة.. ففيما تراني أُسافرُ يوماً للشمالِ من العالمِ وأضيع بين الثلوجِ في قصةٍ ما، تراني في اليوم التالي في عُمق التاريخ أبحثُ عن اصول الشعر الجاهليّ وعادات العرب.. تُتقنُ الحياة ياصديقي، تتوسّع، تنهضُ وتختلف من خلال الرغبةِ في ايجاد ماهو جديدٌ على هذه النفس، واللحاق بما في وُسعه أن يملأها.. كلّ يوم.

صديقي الحبيب..
نحنُ أجرامٌ صغيرة.. شُقْت وحُجبت بالفضول عن السماء.. كان لنا هنالك بيوتاً وأهلاً وروحاً وفضائل، لم تكُن الخطيئةُ جزءً منا.. نزلنا فكان النزول دُنيا، نحنُ الذين نتوق للسماء نشعرُ بالفصلِ عن جزئنا الأوّل ورحمتنا الرغيدة.. نُحسُ أننا هنا مكبلون أيّما حملتنا الأرض وكيفما كان شكلُ حيواتنا، ليس لأننا ياصديقي خليُّون من أخطاء البشر ولكن لأن جميع جميع هذه الدُنا لا تكون لنا بحجم مايراها البشر.. أشاهدها دائماً من بعيدٍ فتصفوا لي جميع أحقادي، ويلين الماضي بين يديّ ويعبرُ بي الزمن.. لا أعافرُ فيمضي كلّ شيءٍ لي ومن حولي حسبما يقول له الله كُن فيكون..

دعني ياصديقي أنزلُ بك قليلاً من صفحاتي.. أتواضع حتى لا أرتقي فيك وأشعُرك أني فريدةٌ في هذا الكون فنحنُ جميعنا واحدٌ من واحد.. نحنُ واحديّون في طفولتنا وسماويّتنا قبل أن تصبغنا الشمس وتطبّعنا الأرضُ وتكبّلنا عادتنا..
عليك نقاءً وسلاماً دائماً ياصديقي.. كُن بخير.

صديقي العزيز ..
الحياة حال ذكرك وذكراك تقفُ بين ميزانين اثنين؛ أن تستوعبك، وتعرف حجمك. ثم كيف تُقيم شخصك بين الناس عالماً أن لا أحد بوسعه أن يسلب سلامك العميق ولا أنت بقادرٍ على ردّ فكرةٍ بالقلقِ في مواطن قلوب الناس.. أن تعرف حجمك يعني أن تنتبه، تؤدّي دورك كما تأتيك الحياة، دورك المرهون بوجودك، وجودك المرهون بالفضل وبالجمال .. أن تكون كما محبوبك، أن تكون جمالاً..

الحديث عن المعبود، المحبوب، الله.. حديثٌ يجعل قلمي البسيط يخشع .. شيءٌ في القلب يتدفّق، محبةٌ من نبعٍ ليس له منتهى.. سارٍ فيَّ ما حييت، مُطبوعٌ مع فطرةِ روحي، سخيٌ بحجم وساعة القلبِ في ساعة السحَر.. حُبٌ خافت.. ليس له شروط ولا عليه مطلوبات انما هي اتباعات، وأميال نقطعها مع كلّ يومٍ وليلةٍ وسجدةٍ وصلاة.. مسافات نحاول من خلالها تمرين هذا الحب، انعاش هذا القلب، تكوين تلك الثقافة بالمرونة المناسبة لجسدٍ محبوبٍ محمولٍ بالأمانةِ ويُحبُّ خلّاقه البديع ويسعى كلّ سعيه لمحبته..

السَوء يا صديقي بالحديث عن هذه المحبّة الواسعة يأتي بين صراعين اثنين، أولهما أن قلمك لن يفي وَساعة هذا الدِفقِ مهما وصفت واحتذقت واغترفت من بحر اللغةِ المتجذّر.. والثاني أن هل ستكونُ بساطة كلماتك على قدرٍ من الرؤية عزيزٍ كما كتب الأوّلون عن ذات المحبة…؟
أُعلل نفسي وأواسيها أن ما يأتي من القلبِ بالكلماتِ دوماً يصل.. أكتُب من ذات المنبع الحسّاس وقد يكون هو كلّ ما أحتاجه للتعبير عن هذا الفيض الرحيم والواسع..

صديقي العزيز..
أجهلُ كيف أُعمي عيني عن ابصار حقيقة الحياة والمئال والناسِ وذكري فيما بعدي.. أجهلُ كيف لا أجعلُ لكلّ ذلك ثمن، وأجهلُ الانغماس في الحياة.. الرضى بالمالِ مقابل الامعنى، والرضى بفقدِ أعزّ المملوكاتِ لأجلٍ لم يسمّى بعد.. أخشى النسيان يا عزيزي بقدرما أستوعبُ الحاضر والمهمّ والسامي في هذه الحياة.. ولا أكذبك فقد لانعملُ بما نعلم طيلة الأيام ولكن أليس يكفينا هذا العلم لنكون أكثر وعياً أكثر تهذّباً وأكثر تمعّناً في رؤية الحكمة العميقة على الحنَق العابرِ والعجلةِ الدائمة في النفس..!
هي التربيةُ يا صديقي..
ليست تربية الوالدين بل تربية النفسِ على مانراه لها جلالاً وعافية.. العلم لوحده لا يكفي، يأتي وقت العمل به حينما نتوكّل أولاً ثم نربي النفس ثانياً أن تبقى على مدار العلم لا مدار شهوتها.. كم أشتهي اللهوَ يا عزيزي ومالهُ خُلقت ولا تخلّقت..!

صديقي العزيز..
هذا الوجود منحة.. فيه الإدراك جائزةٌ وكنز.. إدراك كلّ ما هو، كل ما هنالك، كل ما يكون.. وهو ليس إدراك الوصول والعجز والنهاية بل وعيُ المنتبه الذي من خلاله يتفاعل مع قائماتِ ونائبات الدهرِ وتأويلات الأمور.. عليك كما بدأتك يا صديقي أن تعرف بالميزان مكانك.. مكانك فحسب، قصّتك الكاملة وانفتاحك على ماقد يكون؛ حتى تربّيك.

السماء، يراها الجميع حينما يرفعون رؤوسهم.. بعضهم يشاهدها بشكلها البكر المكثّف أول الصباح وبعضهم تحلو له عند الغروب وآخرين لا يستأنسون بها إلا ليلاً حينما تطلّ منها النجوم.. هي السماء واحدةً وتبقى، إنما عيون البشر تختلف وتتبدّل…

وفينا من لا تعنيه السماء.. وأنا أتعجّبُ حينما أرفعُ رأسي كم أبدوا صغيرةً جداً وقريبةً جداً في آن..! كم أعطت هذه السماء للبشرِ منذ قديم السنين وكم وَهبت من أفكار ومعنى.. هي بحدّ ذاتها بعد الله عنوان لجوءٍ للمتعبين، للمتفكّرين، للباحثين عن أجوبة.. النجوم بطبيعة حالتها الوضّاءةِ لا تعطي دوماً جواب ولكنها تحتفظُ بطاقةِ الأسئلة، تطوّقها، ترسل ابتسامتك عنها وإليها.. تسمعك وإن لم تكن تسمعك وتتباهى بين ناظريك كأنها الجُرم الوحيد المختصّ بالجمال…

من السابقين والاحقين.. كنتِ يا سماء هنا بشكلٍ أبديّ، كان على الإنسان أن يرفع رأسه فحسب ليتفكّر في ملكوت الخالقِ فيكِ.. بلا أعمدةٍ رُفعتِ ووضعتِ وسحرتي العيون بلا أدوات نلمسها.. لم يلمسكِ بشرٌ قط ولكنّك لامستينا جميعاً منذ النظرة الأولى، التفكّر الأول، مُذّ التمعّن والجلال الجميل في كلّ ليلةِ قمرٍ مُقمر..

يا سماء العالم.. يا ترى كيف تشهدين على كلّ مشهدٍ في الأرض رغم ذلك لا تقاومين حكمة الله في كلّ موضع..! كم كان لكِ وكم شهدتِ من ظلمنا وطغياننا في الأرض..! كم سمحتِ لمَلَكٍ في النزول ورددتي من شياطينَ وأرسلتِ على الدنيا عذاباتٍ ونِعم ونقمٍ تأتي جميعها من ماءٍ واحد..!

سبحان من سوّاكِ حِجاباً نراه، وحُمرةً نشهدها باليوميّ وزُرقةً تميل إليها الروح.. وجلالاً خالداً فائضاً بالمعنى.

كنت اتأمّل البارحة في الحال، حالي .. ودنياي التي لو وجدتُ كلمةً واحدةً لوصفها لقُلت بأنها دوائر.. 

دوائر..

عليك أن تتعلّم، أن الحياة دوائرٌ ومشاعرٌ وتبادُل أحوال.. حالٌ لا يمضي، وحالٌ لا يبقى، وحالٌ هو يسير ولكنّ أهله على غير وعيٍ به.. فضلٌ بل فضائل عميقة وعظيمة ومتغيّره ومتسارعة وحاضره وحاصلة..

حصولٌ مستمر..

بين غمضةٍ عينٍ والتفاته؛ قدرٌ مُخبأٌ بين السماوات يتنزّل في باطن الأرض..

عيونٌ مختلفة.. تتلقّى تلك الأقدار على شكلِ دوائر.. تسري أو تحجمُ أو تتوقفُ لا ضير، سوى أنها تدور في هذا الفَلك..

كم من أفلاكٍ ومداراتٍ لم نعرفها بعد..! أليس يكفينا أن نكون بها أوعَى، وبشأنها أكثرُ إدراكاً أنها مراحل؟ وأنها تدورُ؟ وأنها وأنها على حلقاتٍ تكوّنُ مداراً من مرحلة؟ 

المراحلُ دوائرُ اذاً.. من قصةٍ إلى قصةٍ تتشابكُ مع نفسها، تستطردُ بالمجاز والتفصيل، تروحُ بعيداً وتتوسّع، وتظنُ أنها تكبُر ومن ثمَّ؛ يتضائلُ حجمها من مجرّد فكرة الرجوعِ إلى أوّل حبكتها، ويخفّ انتفاشها، وترجُع حلقةً صغيرة، كجنينٍ صغير، كقطعةٍ كمُضغةٍ كنشوةِ معنى إنسان، كقَدر..

قصصٌ صغيرةٌ هي الحياة، أفلاكٌ نظنّها كبيرةٌ هي المراحل، مواطنُ اللهوِ فيها تكون أروع حينما نبتعدُ عن الأساس وننسى المحوَر والنواة ونظلُ على أطرافِ الحلقةِ متنعّمين ببردِ اليوميّ حتى يتنسى لنا رؤيتها من بعيد، مفهوم الحلقة، لنرجع للدفئ في وسطها من جديد وندرُك بالوعيِ أن هذه الحياة مراحل..

أتفكرُ بالناس..

هم أيضاً يا إلهي قصصٌ واختلافاتٌ وانطلاقات ثانية، غامرة، متشعّبةٌ ومشبّعةٌ بالمعنى.. لكلٍ منا في حياته معنىً لو يستقيم لفضيلة الإدراك وصونِ الذاكرة ووعِي الدوائر..

استطردُ حتى أعود للدائرة.. 

حلقةُ حُفّاظٍ للقران، مجلسُ شورى، أرضٌ كما كُرة، كوبٌ للقهوةِ، قدحٌ للشايِ، فتحتُ أنفٍ، أطرافُ أصابعَ، تكويرةُ بطنِ الحاملِ، عينُ حمامٍ، صحنُ المائدةِ، جذوعِ الشجرُ المقطوعِ، بعضُ الثمرِ وحوضُ النخلةِ ..

تعودُ بي سلسلة القصصِ الخاصة بي حتى أتحلّق حول حوض النخلة.. أين تعود قصّتك..؟