Sun.. 4.Feb.2024
“وتأنس النفسُ في نفسٍ توافقها
بالفكرِ والطبع والغاياتِ والقيِم”
صديقي العزيز..
أتفكّر بالأُنس الذي يأتينا ملئاً من بعضِ من لا يقتربون لنا بالدمِ ولكن لهم في الروح مكان، وفي النفس باب، بل وأبوابٌ منها يدخلون بلا وَجل.. وعليها ومنها وفيها يحكون ويحاكون أجزائنا.. لا يبعثرون المكان بل يزيدوه نوراً ويضاعفون مشاعرهُ ويستقبلونها كما تكون.. يرضون بقليلنا ولو كان صغيراً، يحبوننا كما نكون، يعتزّون بصداقتنا، يشاركوننا الطريق ولا نشعُر بجانبهم بالحاجةِ لشرحِ ذواتنا من جديد.. معهم لا نشعر بالحاجةِ لترتيب دواخلهم وكأنهم يأتوننا مستعدّين حتى يكونون إلى جوانبنا فحسب.. لا نرتبكُ معهم من الكلمة ولا نخشى مما قد نقول..
على الجانب الآخرِ قد يأتينا ضيوف في منازل الروح.. شديدوا الضجيج، يكونون هنا بنيّة أن نصلحهم، يأتون بعد انعطاب جميع أدواتهم طامعين بسكينتنا التي عكفنا عمراً لترتيبها.. مزعجون، عنيدون، مبعثرون في دواخلهم.. يحاولون اسكاتنا لأن محاولاتنا التي تنطوي على عُمرٍ من الأسئلة يفهمونها كمثاليةٍ زائفة.. ضوئنا الساكن يستفزّ بعثرتهم، هم لا يريدون إيذائنا بل وقد يحاولون جذبنا لعاصفتهم ظناً منهم أن هدوئنا مزحة.. وأنا يا صديقي أرتبك، في خِضمّ كل ذلك.. أرتبك، لأن منزل قلبي يحاول كلّ يوم أن يتطهّر من أخطائه وينقّي مدخلاته.. لأن عقلي كلّ يومٍ يستزيد، ولأنه طامعٌ بالراحات على التعب.. أتعرف يا صديقي خوف الوالدين من أصدقائنا حينما نكون في مرحلةِ التكوين؟ هكذا أخاف على نفسي من محيطي في كلّ مرحلة.. قد تجدني قليلة الخِلطةِ شحيحة الأصدقاء ليس لأني أعكفُ على عزلتي كما العابِد على روحه ولكن لأن منزلي يقعُ في الرفّ الأخيرِ العتيقِ من الكتب، ومصطلحاته قد تكون صعبةً بعض الشيء لقارئ الحياة المبتدئ، يتعبه الكتاب كما تشقيه اللغةُ والكتاب بذاته يتعب من محاولات قارئه ليفهم، فلا المتصفّح السطحيّ اكتفى من فكّ شفيرته وتركه يركنُ في هدوءه ولا الكتاب استطاع أن يجلّي معانيه لقارئه البسيط، لذلك يعيشان على سواء، القارئ السطحيّ وكتابه، على طاولةٍ من فراغ سحيق بينهما.. هي المسافات يا عزيزي ما تربكني.. المسافات بالفكر بيني وبين جيلي التي تشعرني دائماً بغُربة اللسان أو مسافةِ المنطق…
أحب تلك المقولة التي تقول : “علّك تجد من يتحدث لغة قلبك حتى لاتُمضي عُمراً في محاولة الترجمة.”
وهذه التي تقول : “الزرع يكون دائماً هو الأينع بالاخضرار حيثما تقفُ وتسقيه.”
هو الوقوف ياصديقي.. حيثما نكون، والسقايةُ كيفما نستطيع، بهدوءٍ وكلّ يوم، حتى تتنامى أعشابنا، ونخضرّ.. حتى يميزُ الله لنا مكاننا في هذا العالمِ من خلال الاخضرار اليانعِ، حتى نستكينُ للكيف، ليس بمن يكونون حولنا فحسب..
ومع الكتابة.. أجدُ روحي معروفةٌ لك جداً، وتحبّك جداً وتستشعرك بشكلٍ عميق.. أراها حُرةً طفلةً فسيحةً بالوجود، أكبرُ من حضن لغةٍ واحدة وأوسعُ من المنطقِ وأكبرُ من الحب.. إلى الكتابةِ أمضي كمن يرفعُ رأسهُ للسماء ويتفكّر هروباً من منطقِ الأرض ويباسها.. ومع اللجوءِ ذاك أراني كلّ يومٍ بالشعور أهطُل مطراً وأشافي دواخلي بأبسط الكلمات، ليس لأني بذاتي شافيةً وحاشا ربي، بل لأنه برحمتهِ يُرسلُ على لسان روحيَ ما أستطيع من خلاله بالمعنى أن يكون لي شفاء وبالكلمةِ أن يُحقق كتابةً م ، لا أصنّفها من الأدبِ ولا من الفكر، ولكن أستطيع القول أنها تكون نابعةً من مكانٍ قصيٍّ في بئر روحي تواسيني مرةً وتبكيني مرات ولكنني معها بالعهدِ والوعدِ والطقسِ حتى تُخرجَ لي الماء، ولا أتركُ دلوها حتى ترويني، حتى أستقيم..
ولأجلِ أن ألقاكَ ياصديقي بخير..
أتمنى أن يكون حولك دائماً من يعرفُ كيف يقرأك، ويستحلي عذوبة روحك ويكون قريباً منك.. ويؤانسك..
حتى ألقاك،
كن بخير.