Mon.. 13.May.2024
“هناك شيء من الطهر النفسي يعتريك بعد ما تمر بتجربة حزن، الشعور بالألم أحياناً يُفضي إبى نقاوة روحية.. فبعض الأحزان تهذّب النفس وتزيل غشاوة الروح، يصبح الإنسان معها أرهف حسا وأذكى قلبا.. الحزن في النهاية هو شكل من أشكال الاقتراب من النفس والشفافية مع الروح.”
عائدين إلى ذواتنا من عُمق النسيانِ واللهو،
نحاول معها فنَرى في التقرير ما يقول؛
أحياناً تكون الحياة لحظة، خصوصاً من مستقبلها.
أحيان تكون فكرة نقاومها، خصوصاً من كئابتها.
أحياناً تجتمع لك محاسنها فتكون بيت قصيدة،
أحياناً تبقى كما حُلم،
وأحياناً تصفعنا بالواقع
أحياناً تتجوهرُ في أعيننا كلّ ملذاتها،
وأحياناً تزولُ متعتها كتُراب..
قيل أن العربيّ يكرهُ الإقتناء وكثرة الجَمع ويحبّ المدى، يؤمن أن في الخلوّ صفاء، يُشبه في نفسهِ وفي تخلّيه رمال الصحراء الجديدة، رمال الصحراء النقيّة وكأنما هي في حركتها ورجوعها لأوّل خلقها في كلّ مرة، تضللُ في بواطنها السرّ..
العربيّ خفيف .. يهنأ في تأمّلهِ الفضاء الفسيح، يأتي على الدُنيا بعمل، بارتباطٍ سماويّ، ثمّ يحبّ لو أنه ودّعَ ولو لم يترُك.. ماضيهِ فناء ومستقبلهُ سَعه.. يتروّى ولايطمع بالريّ، شحيحٌ على نفسهِ بقدرِ شُحّ صحراءه عليه، ناظرٌ للعلوّ كمرحلة، طامعٌ بالعاديّةِ كمساحة، عارفٌ بأن أقصى ما يكونه أن يكون نفسه، غير آبهٍ بما سيكون..
هذه الأرضُ انعكاسنا.. مرآتنا، ترابنا الذي منه نستمدّ أولوياتنا عليها، وهمومنا فيها، وعودتنا إليها.. كيف نبدوا بالنسبة لها يا ترى؟ سائرين؟ أبناء؟ أطفالاً متكبّرين لم يتعلموا بعد أن رجوعهم إلى جوفها؟.. هل نبدوا لها مزعجين، خرّبوها.. أم طيّبين مشوا عليها، وكم مشى من قبلهم من أمم..؟ وهل تحبنا كما نعشق أجزاءً منها ونشعُرُ أننا متغرّبين على كثيرها ؟ لا أعلم..
العودةُ إلى الذات من عُمق النسيان تقول:
الحياةُ مرحلةٌ للروح، الحياة مدرسةٌ للنفس، الحياةُ اختبارٌ للإيمان، الحياةُ ساحةٌ من الجوائز للمتأمّلين.
بالأمس كنت أستمع للدكتور طلال الخِضر حول دراسة العربيّ للدراسات الإسلامية في الغرب، وقد استخدم مُصطلحين أساسيين كُنت أعدّ نفسي أعرف فكرتهما التي انطبعت في نفسي من خلال التجربة، ولكنه حين ذكرهما أكّد عليّ وجودهما، قال على الدارسِ أن يمتلك أدوات نقدية يستطيع من خلالها أن يخاطب الغرب بما تعكسهُ ثقافتهُ على نفسه ومجتمعه ويعرف كيف يقرأ نتاجهم من زاويتهِ لا زاويتهم، إن غايتنا في العلم “التعرّف” كمصطلحٍ قرآني بينما كانت غايتهم في العلم عنا السيطرةُ والاستعمار..
ثم قال على الباحث أن يمتلك في نفسه ثقة حضارية بما يستطيع تقديمه وما يثق به.. عليه أن يعي أن الآخر ليس أفضل منه وإن تقدّم فالأفضليّة الحالية لا تلغي جودة الحضارة المتروكه .. لذلك فحينما تمضي إلى هناك كُن واثقاً من جمال حضارةٍ أنجبتك وكُن عالماً بمكانك الفسيح بين الأُمم..
لا أعلم متى صار لي رؤيتان للعالم، إحداهما من هويتي وأُخرى من زاوية الغربيّ الذي أثّرت عليَ ثقافتهُ منذ مراهقتي.. كلّ ما أعرفهُ أنني صرت الآن أستطيع الرؤية من جانبين ونقد الجانبين أيضاً متى احتجت .. ولكن مصطلح التعرّف أثارني حقاً، نحن مع الآخرين أدوات تعارف، لا نريد أن نقيس ذواتنا بأحجامهم ولسنا نريد أن نرى أنفسنا من خلالهم أو نقارننا بهم.. نستطيع أن نتعرّف ونتجاور ونبني الجسور ولا نلغي بعضنا.. ليس حياداً ولكن بالتصالح أمام الإختلاف الذي سيكون دائماً قائماً.. فهل سيكون..؟