Sun.. 12.May.2024
“الحضور الدائم هو ضرب من الغياب .. أحياناً البعد هو إثبات وجود، وهذه مفارقة، ثمة أشياء تُثبت حضورها بغيابها، القرب الشديد يُلغي وجودية الشيء، يجعل الشيء منسياً ومهملاً.. من هنا فالقليل من الابتعاد هو شكل من أشكال القُرب، طريقةٌ في التواجد.. أحياناً البُعد الحسي دافع للقُرب الروحي.”
أن نكون بالمسافة، بعيدين عن كلّ الذين يحبوننا.. متقاربين بالنفس والروح والأخبار والعاطفة.. وافرين بالعطاء لأن شحنتنا مع ذواتنا تكون مليئة، وغرفتنا من الحب الداخليّ مغمورةً باللطف، لم يكن بيننا -في كل الذي نواجهه ونراه- من يمتصّ منا طاقاتنا بالمحبة، ورغبتنا في أن نكون أرقّ وأصلح وأفضل، لذلك كنا دوماً قادرين على أن نكون لأحبابنا الأبعد؛ رسائل محبة..
البُعد كان نقمة طفولتنا، اختبار حياتنا وحيدين، شحّ صداقاتنا لأننا لم نعرف يوماً كيف نبقى بين الآخرين،
ولكن البُعد صار نعمةُ نضوجنا، والبُعد تشكّل فصار رقّة عزلتنا ونديم ليالينا وأجمل أفكارنا.. زرع بيننا بذوراً من الأُنس بالذات والعائلة ولم يُفقدنا طعم الأحباب بل زاد من غلوُّهم، ومن قيمة وجودنا بينهم أيضاً.. صار لنا وزناً حين الحضور، فقداً حين الغياب، من دون أن نُضطّر لنلقي ذلك بتأكيد الفعلِ أو جزم الأحكام..
الغياب ألم، ولكن التواري جمال.. يؤتيكَ جمالاً لمن تحبّ.. يجعلك تقدّره بشكلٍ أعمق . قد قرأت يوماً أنه لا وجود لمصطلح “التخلّي والهجر” بالنسبة لعلاقاتك مع الناضجين، لا يسريان هذين المصطلحين إلا مع الأطفال دون السابعة، وما عداها فأنت لا تتخلّى عن الكبار، لربما هم من تخلّوا عن ذواتهم وطلبوا التعويض منك، من وجودك.. وهذا مالا يصحّ.. وهذا ما أتعلّم الاتساق معه في عمري الآن..
أجدُ والدتي تتُقنُ فنّ الحضور، والإقتراب وإن لم يكن لها عظيم انسجام.. لكنها تتقن كيف تكون أُماً، حتى ولو لم يكن من حولها أبناءً لها، ذلك ما يُفسَرُ قرب بعض الأقارب لروحها كوالدةٍ أكثر من والديهم الفعليين، والدتي تعرف كيف تُشعر الآخر وإن كان مهاجراً أو غريباً بالانتماء، لربما فقط تستطيع أن تستمع، أو ترحم، أو تتواجد بشكلٍ مضاعف.. فينتشر ذلك الإحساس في مجلسها ويفوح..
قد يبدأ والدي بالحديث، تتواصل قصصه، فترمقني والدتي بنظرةٍ مبتسمة.. تعطيه كلّ اهتمامها، كلّ استماعها، كلّ انحنائها لذكرى لربما قد كان يقولها للمرة الألف من حياتهما سوياً، ولكنها تستمع وتصغي وتتفاعل كأنها المرة الأولى، ليس لأنها تحبّ الحديث الطويل ولكن لمجرّد أن والدي يريد أن يروي القصة من جديد ويستذكرُ دروسها..
ولأن بُعدي قد كان دائماً.. وكوبي قد كان طيلة أيام المعرفةِ مملوئاً ومحمولاً بالمحبة ومتواجداً.. أخشى ياصديقي أن القُرب الدائم يخيفني ولا يهذّبني.. أن يثير في نفسي الملل عوضاً عن الحماسة، ولا يدفعني للكشف عن المخبوء حينما يبقى كلّ شيءٍ ظاهر.. أخشى أن القرب يأخذ من ذاتي مالا تأخذه المحبة في البُعد منها.. لستُ أخاف من كلّ السطوع الذي يظهر ولكنني أخشى من التلعثمِ بالفصاحةِ حال الوجود، أن أنسخ ما يكون أمامي وأعكسه في نفسي، أن يكون المرئيّ لي هو كلّ شيء، ولا أعطي الفرصة من شدة الحبس للرؤية من زاوية جديدة، والتغيير من خلالها.. أخشى مما سيكون أكثر مما هو كائن، لذلك فالاقتراب الشديد يكون دوماً علامة توجّس، وهاجسٌ مخيف من تلاشي الدهشة..
أقول لنفسي دائما فلنكن ناضجين.. ولنلقي بمايدهشنا فينا خلف اهتماماتنا ولنبدأ برؤية ما يملأنا من الحياة؛ ولنغترف.. وبتلك القناعة أواجه الأيام.