Thus.. 16.May.2024
“كان والدي يقول: تعلم، وأنت تنصت إلى البحر، أن تفهم ما يقول. لقد رأى الكثير، ويعرف الكثير.
على رابية يجلسُ جبليان أشيبان شاعران، كأنهما نسران قديمان. يجلسان دون حراك صامتين يصغيان إلى البحر. والبحر يهدر، ويدفع الإنسان للتفكير بالحياة التي تشبهه، والتي يجب على الإنسان أن يمخر عبابها من الشاطئ حتى الشاطئ المقابل، مهما يكن الطقس الذي قد تتعرّض له في مداها الواسع والخطر. إلا أن الحياة ليس فيها كما في البحر موانئ هادئة ومراسٍ. عليك أن تمخرها شئت أم أبيت. هنالك مرفأ واحد أخير فقط، ومرسى واحد أخير فقط.”
-رسول حمزاتوف/ داغستان بلدي.
وداعة الشيوخ حال يضحكون، وحال يشاهدون أشياء جديدة، يعرفها زماننا ولا يألفها زمانهم .. حال يُدهَشون فيفقدون من كان بوسعه أن يلازمهم في هذه الدهشة بالتحديد ومن كان سيصلُح لها..
وداعة العجائز حال الصلاة، تمرّدهنّ على الإمام السريع في السجدات.. يطلن السجود حتى أن تتمّ دعوتها ولو خالفت الإمام..
وداعة البحر الرقيق في شطئانه، العميق في جوفه .. وداعة الأمواج التي تأتيك كأنها جديدة، ليس كأنها قد سافرت آلاف الأميال حتى تصل إلى أطراف أصابعك قبل أن تعود..
وأنا أيضاً أريد أن لايكون وجودي مُكلفاً مهما حاولت أن أصل .. وأبتغي أن يكون وصولي كما الموج، أن يبدوا تلقائياً يصبّ في مصلحة المرفأ ولا يضرّني.. أريده وصولاً تلقائياً جليلاً خفيفاً حتى ولو طالت رحلتي في البحر وتنوّعت عليّ أشكال الطقوس فيها.. أبتغي أن تكون نفسي خفيفة، أن أعمل ما أعمله من دون أن أؤذي أحدا.. أريد لسفري أن يكون خفيفاً، وروحي أن تبقى خفيفةً هي الأخرى وعملي ولساني، أريدهما أن يبقيا ناضجين، ثقيلين كما يجبُ للثقل أن يكون..
وداعةُ النخيل في المطر..
طقسٌ من التجدد ، يرطّبها وهي حافيةٌ لا تألف الماء، مايجعلها تأوي إلى الماء في صعوباتها وتخبّئه وتتزوّد منه..
وأنا أيضاً أريد أن أكون كما النخلة.. أن أستطيع اعتياد الشمس والجفاف كما أعتاد الحب والمطر، وحينما لا يُمطرني وجود الأحباب بالسيلِ الهادرِ من الحبّ في قلبي أريد أن أتعلّم كيف أستدفئ بالشمس وأنضجُ ثماري ولا تحرقني، أن أتقن لعبتي مع فنود الحياة وإن تبدّلت أحوالها.. أن يكون الثبات في استقامتي موضعاً وليس حكايةً عابرة..
وادعةُ المدينةِ في آخر الليل، وأوّل الصباح..
وأنا أريد لذلك السكون أن يحلّ دائماً في نفسي، واحدٌ يثير أشجاني وآخرٌ يجددني، صمتٌ يكون كما طبيب أنفاسي، سكونٌ له طعم هواءٍ مختلف، ومددُ ضياءٍ مختلف، وألوان شعورٍ باردة، تأتي كما هدوء الفجر الأوّل ، جميلةً وغير مبررة .. أريد لسمائي أن تعرف كيف يكون السكون رغم كلّ حالٍ قابلٌ للحصول، أتخيّل، في كلّ معضلةٍ وانزعاج، شكل السماء في بتولها الأخير أو في سموّها الأول، فأطيرُ من عمق الخوفِ إلى مواطن السكون وأذكّر أن كلّ شيءٍ ماضٍ، وعلى كلّ ذلك الارتجاج أن يهدأ في نهاية الأمر..
وداعة كوب قهوةٍ يتقطّر، وداعة بقبقةِ الماء المتبقّي على السقوف وهو ينزل على الأروقةِ بعد ليلةٍ ممُطرة، وداعة الجوريّة الغبية حينما تزهرُ على شجرتي التي انتظرتها لمنتصف العام، ثم تذوي في يومين من شمسنا الحارقة، وداعة الرضيع الذي تتألم بواطنه ولا يعلمُ كيف يخبرُ عنها سوى بالإيماء كما القطط، وداعة شجر الحيّ، وداعةُ بيتٍ قديم، وداعة الدواليب المُهملة، وداعة الثمار الساقطةِ على الأرض حين حان وقت قطفها ولم يحملها أحد.. وداعتي وأنا أحاول سِراً أن أجد موضوعاً للكتابة، لأن الكلمات تتطاير، وأنا عبثاً أحاول جمعها وردّها من جديد لبوابةِ الأدب….