"مابينهما أجلس"

قال لي يوماً :
كُلما تكبرين ، تعرفين نفسك أكثر ..
كُلما نكبُر نحسّ بسيطرتنا على أمور الحياة ، ونعي الحدود.
كلما نكبُر نتصالح مع كوننا لانريد تغيير الأشياء من حولنا ، وستعرفين أن وجودكِ وحضورك يكون أعلى من أي شيء ..
حين كنا صغاراً قد كنا نشاهد الحياة من منظورنا الصغير وعيوننا البريئة حيث كان كُلّ مايخصّ النضج والكِبر كبيرٌ ومعقّد .. ولكن وكما قال لي فيمكن لحياة ”البالغين“ أن تكون أبسط مما كنّا نتصوّر ..

وقال لي : 
كُلما تكبرين ستتلاشى الأصوات وستتعلمين مواجهة أخطائك بنفسك ..
وكلما نكبرُ تتضّح المشاعر .. ونفهم أنها تكونُ على وتيرةٍ مستقيمة ، وذلك مايكون أساس القصة ،  وأن الحزن والفرح تموّجاتٌ على هذا الوتر وتكون تتطلّب إستقامته لتتشكلّ ، وتنطفئ ، وتعاود الظهور من جديد ..
وكلما نكبرُ نفهم أن الحياة رغم كُل شيء ستمضي ، مهما حاولتِ المقاومة.

وستعرفين بالنهاية .. أن وجودكِ وأحلامك العالية من مكان الاشيء ؛ الآن .. تكون كقطرةٍ في بحر الإبداع البشريّ .. قطرة صغيره أو حبة رملٍ في غبار هذا العالم الشاسع .. هذا العالم الذي يحمل الكثير من الاشخاص ، الكثير من الأرواح ، الكثير من صراعات الأنفُس.. وفي كل نفسٍ قناعاتٌ مختلفه وفي كل نفسٍ طموح ولكلٍّ رأيٍ زوايا عدّة مختلفة نحو الموضوع الواحد ..! زبدة الكلام أنكِ وإن كنت ترين ضرورة أهميّتكِ في يومٍ ما فأنت في مقياس الحياة تلك الحبة.

وستعلمين .. أن الحقيقة واحدة ، فلا تأملي أن التحقيق سيسبب لك إختلافاً عميقاً في الموجات ، أو سيعطيك معنىً آخر تعيشين الحياة من خلاله .. لا تتصوري أن الوصول سيغيرك للأبد ، الحقيقة أن روحك ستظل روحك .. وشيءٌ غريب عن هذه الروح إنها تظَلّ من صغرنا تعطينا نفس الأحاسيس ونفس المشاعر للأشياء ..! والسؤال يكون ؛ هل من الحكمة أن تكون نيّة الوصول هو التغيُر الداخليّ ؟ ذلك لأن التغيُّر في المشهد وكما قال لي يكونُ قراراً لحظيّاً آنيّاً بإستطاعته تغيير كُلّ شيء ..

وهَمس لي .. 
تكمن راحة عظيمة حين تثبتين على ماهيّتك ؛ يوماً بعد يوم ..  وبأنكِ حين لاتكونين ؛ فأنتِ أنتِ ..
وأن الأشياء المؤقتةَ التي تجزمين بجهلك أنها تعرّفك ؛ هي في الحقيقةِ لاتفعل .. أنكِ كنت وماتزالين عين ذلك الطفل المُتبسّم كل صباح ، المتأهّب في المساء بأن يلبس قناعه الذي شكلّه بنفسه ليقول أني ؛ أنا ..

وستعلمين .. أن تلك التصنيفات التي نزعم أنها فينا ومنّا وأنها تحمل أسمائنا ومناصبنا ومكاننا الذي أحببنا أن نَشغله في الحياة ؛ هي ياعزيزتي لاشيء ، إلا لتُقنع عقلنا الخارجيّ أننا نستحق أن نكون شيئاً ما ، وماهو إلا مكانٌ وتعريف إسميّ يُحشر تحته كل شيء ، ويبتغيه كل أحد ، إلى حين التمسّك والإنقياد ؛ فالغرق حيث الإدراك الذي قد نضعف أمام الإعتراف به أن كل شيءٍ وإسم ومعنى ؛ كان للاشيء حقيقتاً ؛ ولم نكن لنكون منه ولا من بعضه ؛ وأنكِ كنت عابرةً فقط على حقيقةٍ كنتِ تتجاهلينها لمدةٍ معلومة جعلت من قبل إسمك معنىً أردتِ التتشبث فيه للراحة ، للتوقف عن البحث عن ماهيّتك الحقيقية ، عن هويّتكِ المغمورة ببعض مما تجهلين ؛ والقليلُ منكِ .. 

قالت له : 
توقّف ياعزيزي ، مابين بين .. 

مابيّن الرِقة والقوّة ، الجَسارةِ والخوف ؛ تكون الحياة ..
توّقف ياعزيزي فما بين القلب والفؤاد شعرةُ حبّ ومابين الحكمة والخُبث شعرةٌ من الضمير الحيّ ..
توٍقف ياعزيزي فالحياة تكونُ في شرنقة البينين ، والوزن بين المتضادات حِكمة ..

فقالت لي ..
لاتؤخذي ياعزيزتي بالشجاعة المزعومة ، بالحُزن المُفتعل ، بالسكينة المتخيّلة ..
لاتؤخذي ياحبيبتي بالزمان فعُمرنا في الأبديّ لحظة ، والجزعُ يكون على ذاتها …

وقالت لي ..
لايغُرّكِ ياعزيزتي المُطلق ، ولاتأخذي من الحياة نصفها .. إحضيّ بالكلّ ومايجلبُ إليكِ الشعور بالحياة ، وإلا فإبتعدي ولاتنظري للوراء .

ثم قالت لي ..
الثبات ياحبيبتي خلال الدوّامةِ هي خُدعة الوجود ، سيظلّ العالم يدور يدور وسيسحبكِ معهُ إلى العُمق .. إن العمق ياعزيزتي هو مركز الدوران ، وفيه تكون مفاتيح الأسرار ؛ فيك.

وقالت لي ..
قد كان العالم ياحبيبتي كالسحابة ، وقد كّنا نرانا في صِغر ، وحين نستطيع أن نرى الكُلّ من نقطةٍ فالحياة لاتقتصر على كبر العالم وإنما كبركِ أمام العالم ومكان وقوفكِ فيه وماتبعَثي إليه ..

وقالت لي ..
البشرُ ياعزيزتي كثيرون ، البشرُ ياحبيبتي واحد. يكونُ المغزى شيئاً مشتركاً ضاع إدراكه في عُمق المسألة وشُحّ السائرين على الطريق ..

ثم قالت لي ..
إن الشعور ياعزيزتي واحدٌ كما خلود الأرض ، إن الإبتسام في وجه الريح يُخدمها. إن الضحكَ على وجه المرضِ يقهره ، وإن الرقص على أطراف الألم هو ماقد يكون أشد أنواع المقاومة .. 

أتتذكرين ياعزيزتي البداية ..! تضّادات العالم هي ماقد تكونُ من مواجهته .. 

رأيان على “

أضف تعليق