رسالة إلى أمي حواء

أمي حواء .. آهـ كم أحبكِ وكم أشعر بحزن وجودك كلّ مرة ، وفنائكِ بالتضحيات العظيمة .. أمي حواء .. أنجبتِ النصف الخلّاق والنصف المخلوق ولم يكن لشرور الخلق طريقٌ إليك ..  أمي العزيزة .. تتواضع أفكاري ويُحنى رأسي أمامك خجلاً من جسارة فكرة الكتابة إليكِ فأنا ظلتُ أتسائل وأحلم ببحر حضنك الذي لاشواطئ له ، وأضيع دائماً بحيرة الوجود لكِ ومعك .. كيف إبتدأ كلُّ شيءٍ منكِ ويعود ..! كيف كانت أيام المرأة الأولى ، وكيف كان العيش الحوائيّ الأول ..! وهل كانت الخطيئة لتغتفر ؟ وهل كان الصفح ليكون وللغشاء أن يكتمل ..! أتسائل دائماً عن معضلة الألم الداخليّ على الصعيدين ، ذلك الذي يجعلني أجزم بقوتنا ألف مرة، رغم جهل بعض بناتِ الجنس بتلك القوة ..  أمي حواء .. أشكوا إليكِ كثرة الذكور وقلّة الرجال .. أشكوا إليكِ أبنائك الذين أصبحوا كالصبية في أرض المعركة ؛ كساقي الماء ، لا كمحاربٍ جسور ..

أمي حواء .. بحق الحزن الوجوديّ .. خذيني .. وأغمريني بضمّةٍ منك عن العالمين ..  والدتي المبجّلة ..  أشكوا إليكِ كثرة بني البشر وقلّة وجود الحقيقين منهم على الأيام .. أشكوا إليك وَساعة العالم ، وضيق رحابته .. فإحكي لي ياأمي كيف إستقبلكِ الكون للمرة الأولى ؟ وكيف كان شكل الأرض الوليد ..! صوّري لي جَوب الأرض الأوّل ، وكيف كانت السهول والبحار والتُربات ..! 

أمي العزيزة .. أشكوا إليك ضياعنا في العقل ومعضلة الأفكار حيث يحركنا الإدراك ياأمي لا الحقيقة ، وتحكمنا العقول لا الحب ، ويكون السلام كلمةً على ورق بين أماكن الأرض المُمتلكة والمتملّكة ..  أمي حواء .. يكون التشكيك فيما نحمل من العلم وماأخذناه من ذوينا على محمل التسليم ، أول الأشياء وأشقها معرفة .. ويكون التبرير أن السنوات ستُعلمنا الأصحّ والتيار سيقودنا، وحينها سنجد الطريق .. أمي المبجّلة .. نحاول بالوَعي أن نكون على صفحات الأيام .. أن نُسطّر على الأرض مكان وجودنا .. أن نقول كُنا على وجه هذه الحياة .. وأعلم ياوالدتي أنكِ تُحصينا واحداً تلو الآخر ، وتشاهدينا وتَشهدي لحظة المواليد المقدّسة كل مرة ..  أمي حواء ..  أشعر بثقل مسؤولية توصيل الأمومة التي تتغشى كل الإناث .. ولكني أعدك مع ذلك أني سأحتمل أمانة الحنان الممنوح .. أعدك أن أكون أماً ونبيلةً  كما أريد بكل جسارة الوجود .. أعدك أن أعمل على تخفيف حدّة شعور الوِحدة في نفسي ومن أحب كما خففت بوجودكِ وروحك الوحدة عن أبينا آدم .. أعدكِ ياأمي المبجّلة أني حين أرقد بعد كُلّ هذا العناء .. أني سأرقد بسلام المُنتصر، تماماً كما فعلتِ .. 

أحبك ياأمي ..

أضف تعليق