إطرق الباب ..

السادسة وواحدٌ وخمسون دقيقة .. الثاني والعشرون من شهر آب ، غروب من على قارعة طريق البستان / سراييفو ..

أأكون ياصديقي عربيةً بحته حين أقول بحبّي وتفضيلي للبساتين المنبسطة بشكلٍ أكبر من تلك الغابة الكثيفة بهيّبة أشجارها المُخضلّة ..! إن الأشجار كبيرة الجذوع كانت وكأنها تقول لي عن السنون الماضيه ، وكأنها شَهِدت منها مالاأطيق إحتماله ، بعيدةٌ كلّ البعد عن تسارعنا الحاليّ حيث يحتاج التأمّل فيها أياماً بدقّة تفاصيل ماينموا عليها من ورق .. أما عن البساتين فإنها تُكرمك على مدّ النظر ، كرماً بلا حدود …

إليك صديقي ..

إني الآن أجلس في مكانٍ لطالما حلُمت أنه سيحمل ربيع روحي .. تخيّلت يارفيقي أن الأماكن تُشكّل فارقاً في طريقة نظرتك للحياة ، ولعلّ تلك الأخيرة كانت قد علمتني أنها لاتختصّ بمكان ولاتنتمي لأزمنه ، إنما هي هي، كما أنا أنا وأنت أنت …

صديقي العزيز ..

أشعر بخريفي معك يقترب ، وأتسائل عن نوع الأوراق التي ستتساقط بيننا ، ماكُنهها ، وماقد تكون ؟ إن نور شمس المغيب يقابلني من عُلٍ وبقدر رغبتي بالنور والتنوير ، أشعر كما لو أني أرغب في الفناء فيه .. بأن يأخذني عن كلّ شيء ، للاشيء ، وللسكون المطلق .. 

أرغب أن يصمت فيّ العقل ، أن أخرج من قوقعته وشكوكه وأفكاره الكثيفة التي تجلب لي الشعور بالاحيلة .. ولكن ، أتعرف ما الأسوء ياصديقي ؟ هو أن ليس هنالك مبرراً لكمّ هذا الحزن ، كلّ شيء يبدوا بخير على نحوٍ مُربك ، وكأن حُزني يريد أن يكشف عن ذاته ؛ لذاته فقط ، وكأنه يريد أن يتربع على عرشي ليعبّر عن وجوده كشيءٍ من مشاعر ، وكأنه طفلٌ يقول “أنا هنا” ، وعليكِ العبور من خلالي لتجاوزي ..

حسناً .. وإن كان كذلك فأنا سأستمع إليك هذة المرة ولاضطير إن كنت لن تُقدم بي على الموت في أسوء الحالات ، فلم أكن لأتمناه يوماً إلا في وجودك .. وبما أني مُسلمة الكرم وعربية الأصل كمَدّ البصر في هذا البستان الذي يحملني وكتابي الآن فسأقول لك بصبر ؛ مرحباً من شعور ..

إدخل بيت قلبي ولكن .. إخلع نَعليك .. فأنت في مكانِ السلام .. في مكان طفلةٍ مليئة بالنور ، بالدهشة ، بحبّ المصدر الحياتيّ .. إخلع نعلييك ياحُزني فستدخل بيتاً لايعرفك ، يعرف كلّ الشعور ولايعلم ثِقلك .. أرجوك دقّ عليّ الباب في كلّ مرةٍ ترغب في الزيارة حتى لاأجدني في وقتٍ لايسمح بإستقبالك .. دقّ الباب ، وإخفض صوتك إحتراماً لما يحمل قلبي من مشاعرٍ تطغى عليكَ سنّاً .. وتعال وأمكث على صدر مجلسي العربيّ ، فحتى ذلك المُسمّى بات مصدر حزنٍ وذكريات في فترتي الحالية …

صديقي العزيز .. 

أخبرك نهايةً أن إيماني بالرب العادل لايدع لي مجالاً للشك بصلاح الأيام القادمة وحبور النفس الذي سيهطل بعد كلّ شيء .. إنما تساؤلي لايكون “لمَ؟” بل أحاول التبصّر بكُنه الدرس الذي سأخرج به من هذا كلّه .. ماهي تلك القصة التي ستُحكى وكيف سأصيغ العبارات لوصف الشعور المُثقل ، إنها محنة الكاتب ياعزيزي ومنحته في آن ؛ أن يرى حياته من رؤيتين ، رؤية قلمه ورؤية حَدثه الذي يمرّ به .. بالنهاية يحاول الخروج بشيءٍ فريد ، كتجربة إنسانية لم تمرّ على من سبقه ، وللنُدرةِ ياعزيزي وحشتها في التصوّر الداخليّ بكيفية التخطي وطرق العلاج .. 

مع حبّي إلى وقتٍ أستطيع فيه وعدك بالسعادة .. 

أضف تعليق