إستشفاءٌ داخليّ ؟

وكم لله من لطفٍ خفيٍّ .. يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ
وكم من أمرٍ تساء به صباحاً .. وتأتيك المسرّة في العشيّ 
وكم يسرٍ يأتي بعد عسرٍ .. يُفرج كربة القلب الشجيّ 
إذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فثق بالواحد الفرد العليّ 

جلسة “الليلة مغنى” ، تسجيل قديم بموسيقى عذبة لأبو نورة بموالٍ يحمل تلك الكلمات .. في ليلةٍ نجديّة خريفية مغيّمة مصحوبةً بكوب شايٍ محضّر بعناية .. بعد سفرٍ طويل ، وأيامٍ مليئة .. وحيث الرجوع لل”مريح” وال”معتاد” وال”منتظم” ..
وجدتني ونفسي في تمشيتي الليلية ، أتفكّر بعدد أيامي الماضية من الخضوع والتعب ، ممَ ؟ ولمَ ..! 
لما أحمله من كمّ المشاعر المختلطة من محاولات الإستشفاء الحثيثة من الحزن الداخليّ ، وحيث وجدتني أحكمُ على مشاعري بالسخف والرتابة فقد قررت كتابه ..،

صديقي العزيز ..
نظلّ نمضي عابرين على لحن الحياة .. على سكةٍ من نور يتباين ويتخافت ، فيما بين الشروق والعتم ..  
عن جسر المشاعر الطوييل ؛ إكتئاب ، حزن ، فرح ، عن صوت العقل وصوت القلب وفلسفة المنطق ، الخطأ والصواب .. تلك القوالب التي نحكم من خلالها على شعورٍ ما ، ونطبّعها ونقول بتشابهنا وإحساسنا ببعضنا البعض لذات المشاعر ، وعن قرار الارجوع لشعورٍ أحسست به يوماً ظناً منك أن قرارك في ال”مقاومة” سيحجب عنك الإحساس المُرغَم ..

في الحقيقة ولملرةٍ الأولى ياعزيزي وفي تجربة عُمري البسيط .. أشعر أني تعبت الحياة .. تلك الحقيقة التي أحاول تجنّب كتابتها منذ أيام .
مايحزنني ليس القول بها بقدر حُكمي الداخليّ على ذاتي أنه “لايجب” الشعور بهكذا شعور أثناء الرابعة والعشرون، فالحياة لاتزال صلصالاً يتشكّل بصرف النظر عن معاودات التعريف الداخليّ كثيراً بيني وبيني ..
أشعر أننا نُرهق النفس ليس بمقاومتنا لإستشعارنا المشاعر السلبيّة فحسب ؛ ولكن لحُكمنا داخليّاً على مشاعرنا أنها لاتجب ..! وكأننا في تلك القوالب المذكورةِ سابقاً نحاول أن نكون في منطقة “الصحيح والمنطقيّ والمعقول” .. وكأن للشعور أن يرضخّ في مقاومات القول بال”أجدر والمناسب” إجتماعيّاً للوضع بدلاً من مراجعات إنعكاساتنا وأصول تلك المشاعر ومنابعها التي قد تكون أثراً لتجاربٍ سابقة لم يَكنها إنسانٌ قط ، ناهيك عن الأحكام المجتمعيه تبعاً لما يظهر عليك من مشاعر كفرد مستقلّ ..
وهذا ينطبق أيضاً على إيجاد المُتعة الداخليّة والسلام مثلاً أو الضحك في وقتٍ “ليس بوقته” بالمتعارف عليه ، فقط لحُكم الجماعة.

عزيزي .. 

كنت أحدّث نفسي عن شعوري بنضوب الأشياء من حولي وإضمحلال رؤيتي الحالمة للأماكن والأوضاع، رائيتاً بذلك حياةً واحدة وزاوية نظر قد تكون فيّ إلى الأبد ، ومن يعلم ..! فقد أتغيّر ، وقد تضحكني الحياة كثيراً كما الآن حين لاتعطيني فرصةً للتبرير .. لتبرير الأشياء التي ظننتها مسلّمةً على الأيام ..

ماأجدني تعلّمته على وجه الحقيقة ، وفي مرحلتي على الأقلّ من محاولات الإستشفاء ؛ أن الحياة .. تتغيّر .. وتمضي ، برضاك أو بسخطك ، بإختيارك للنهوض بعد العواصف أو في إستسلامك بتعبٍ أثناء العاصفة ، فهي ستمضي وتسير ، ولن تتركك ، هي إنما تتغيّر في وجهك أو تغيّرك تبعاً لما تمر به .. وفي كلا الحالتين فإن قرارك بالمقاومة لذات سُنّتها وهو التغيير لن يصبّ في صالحك في النهاية.

فهل سندرك ياصديقي مفاتيحنا ونعلم مع الوقت دقّة تعرّجات أنفسنا تلك التي تفتح دواخلنا للنور إن أقفلت الحياة أبوابها على الطريق ..! 
أليس من الجميل ياصديقي أن ألغازها ، لاتفسّر ..! أوليست الرغبة في تحصيل التعريف هو دافعنا المستمر للبحث بها والنبش عن تجاربها وأخبارها ..! أوليس مايكون جهلنا بالنهاية ووقتها وعمق الشعور بها هو مايدفعنا للأمل بإيجاد ضآلتنا ؛ طريق النور ..!
أليس جهل كُنه الطريق ، هو العنوان الجيّد لما قد تؤول إليه أمورك ..! 
وإن كنّآ سنضيع دوماً في التخبّط في أبواب العلم الذي لن ندرك جُلّه ، فكيف للإنسان أن يجد مأواه المثاليّ إن كان يشعر بالضياع عن منازل النور ؟

أما عن سؤالات الإنعتاق للنور ؛
فهل ستحضتنك السماء يوماً ، وهل مازلت تستطيع التطلّع لأنوارها ؟
 هل ستسمح لنور الله أن يُشرق فيك ؟ وهل ستستقبله حينها بلا أحكام ؟
ماهي نفحة الروح النورانيةِ ياصديقي مقارنةً بجسد الطين وملذّاته ..! وكيف لنا أن نشبع النور في حضرة الطين وكيف للطين أن يبلغ نورا ..!

إن كنّآ لنؤمن ؛ أن الروح نفحةٌ نورانية .. فجديرٌ بالروح أن تتصل بالسماء ، وجديرٌ بالنور أن يعود ، وجديرٌ بالأيام الصعبة أن تمضي…

أضف تعليق