رسالة من المستقبل …

صديقي العزيز ..
كان لك أن تأخذ من ذلك التعب لتكون أنت ،
كان لك أن تختلط ، لترى غيرك ، فتحتفي بك ..
وكان لك أن تنعزل ، وتشعر بالوِحدة ، لتقدّر جلال الجَمع ..
كان لأفكارك أن تسيطر عليك بالخوف ، لتستشعر حُريّة الفرح ..
وكان للحياة أن تأخذ منك كل ذاك الضياع ، لتدلّك
كان جديراً بتلك الظُلمة أن تحدث ، لتستنير ..
وحرّياً بالوقت أن يطول ، لتعلم عمق جلال الأيام السريعة ..
وكان جديراً بكلّ صعبٍ أن يعبر عليك ، أن يصيبك طفيف حُزنه ، أن تغرق بالمجهول .. حتى تنجوا بنفسك ..

إن العالم ياصديقي يمرّ بالكثير هذه الأيام ورغم مُقدّمتي المُسهبة لا أملك إلا أن أقول ؛ اللهمّ سلّم سلّم.
رغم ذلك ياعزيزي أشعر أن مستوى الموج الذي نعيشه اليوم ، قريبٌ لما كنتُ أعهده وأشعر بصحته فالكلّ أصبح يقابل بعضه بعد كلّ هذا الهروب السريع للوهمّ والاشيء..

علمت على سبيل المثال أن ليس هنالك “عملاً” لتقوم به حتى تكون أنت أو لتستطيع تعريفك على الأقل، فحين يكون الحديث عمّا في داخلك فإن الحقيقة ثابتةً ولايجهلها الصامت في كينونة ذاته .. ولكن بالمقابل العمل الداخليّ يكون للنمو ..

علمت أن الحقل الذاتيّ كثيف الخُضرة وغنيّ بالتنوّع في أصنافه ، إنما مالذي نريد أن نرّكز فيه ومانريد له أن يكون سيكون، ومازرعتَ ستجنيه .. فإن أردت التعلّم من خلال المصاعب والألم ، فالمصاعب ستحصل لك ، وإن أردت التعلّم من خلال الحُب ، فالحب سيحلّ عليك ..
وليس وكما أن الأمور تأتيك لتختار منها ولكن كلّ ذلك يرجع لبذورك .. من أين تقتنيها ، هل تحصل عليها من مزارعٍ رخيص أو مزارعٍ ناصح ؟ ومن ثمّ كيف تغرس البذر في أرض عقلك ، هل تعملها بالشكلٍ الصحيح الذي يُشبهك ؟ وهل تعاود زيارتها للسقاية والتوكيد في كلّ يوم ؟ وهل هي تتزوّد بالشمس بشكلٍ كافٍ لتتنفّس أم هل هي منغمسةٌ في باطن أرضك بتفتّحٍ يسمح لها بالنموّ ..!
إن ذلك الحقل لوحده ياصديقي هو مُعضلة الإنسان ومايضمن وجوده في آنٍ واحد ..
برمجة العقل في الرؤية قد تظللنا كثيراً ولكنّ لها جوهر خالص فيك .. جوهرٌ نوريّ ..

صديقي العزيز …
كنتُ في حينها قد تسائلتُ أيضاً من أين جاءت فكرة أن الإنسان في عالمنا السريع لم يكن له الحق في الجلوس ، للاشيء ؟ منذ متى نمت الفكرة أن عليك أن تكون مشغولاً على الدوام وعلى عقلك أن يفكّر طيلة الوقت في شيءٍ ما ؟ ومتى تحوّلت فكرة الإسترخاء البسيطة بمفهومها إلى فكرةٍ مُضنية من تأنيب الضمير على أقلّ تقدير وكأن الوقت الفارغ والملل بتعريفه البسيط أصبح شيئاً من هباء رغم أنه يعطيك الكثير .. كيف حَصل كلّ هذا للبشر ..! شعرت ياعزيزي أنه قد آن لنا أن نَعي أننا نواجه مشكلةَ من محاولات الهروب الدائمة للإنشغال بكلّ شيء وبأيّ شيء إلا عن الجلوس للاشيء ..! وليس وكما أنه فعلٌ يجدر بنا القيام به كثيراً ولكنّ تلك الفترة جعلتني أتسائل حول أجدادي الذين كان لأيّامهم من البطيء الشيء الكثير أو لعلّي أقول ماكان “بتعريفنا” بطيئاً فلم يكن على سبيل المثال هنالك أيّ مما يملأ وقتنا في الزمن الحاضر ناهيك عن جودة الحياة والوقت .. هل كانت جودة الحياة بالنسبة لهم أعلى من الوقت الحاضر ؟ وعلى ماذا تقاس ، وبالعكس لحالنا ..!

في النهاية ورغم كلّ ذلك ياصديقي هنالك هَمسٌ من اليقين الخفيّ يقول لي مؤكدّاً على أن الله هنا ..
فحين أضعفك السَقم ، ألم يقوى على إخراجك من الداء إلى العافية بإذنه ..!
وحين تُهتِ باحثاً عن ماتظنه ذاتك في دروب الحياة ، ألم يدلّك في لحظة يقينٍ ما على جوهرك الخالص ..!
وحين شعرت أن لاشيء سيكون بخير وإزدادت مخاوفك ، ألم يطمئنك بمن هم حولك بلُطف ..!
وحين كنتَ قد تترددت كثيراً .. ألم يمنحنك الأكيد ؟
كان في كلّ ذلك لطيفاً عليك ياصديقي فلن يبتعد الآن وهو معنا جميعاً ..
وكما يقول الشاعر صفي الدين الحلي في لطيف أبياته ؛ “الله عوّدك الجميل، فقس على ماقد مضى” ..

أتمنّى ياعزيزي أن تجود عليك أرضك بالثمر الطيّب وأجمل زهور الربيع الذي سنُحدّثه حينها عمّا كان وسنحتفي به .. حتى ذلك الوقت وإنتهاء كلّ هذا القلق .. أتمنّى أن تبقي على ذاتك بخير وأن يضمّك السلام الداخليّ بدفئٍ لطيف …

أضف تعليق