“دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها .. ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها .. يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ”

*الساعة الحادية عشر إلا الربع صباحاً .. يمضي في سيّارته شاقاً الطريق للجهة الأُخرى ، لم يكن يعلم حين إستعجل استحمامه وخروجه أنه كان على بُعد دقيقتين أو أدنى من ذلك الحادث الذي سيغيّر شكل جسده ومسيرة حياته ، وإلى الأبد ..
*كان عابثاً ومتواكلاً حين وضع رقمه في سلّة الجوائز السنوية في محلٍ يزوره في يومٍ محدد على مدار الإسبوع ، لم يكن يعلم أنه سيفوز بقيمةٍ قد تغيّر أوضاعه من حيث لم يحتسب ..
*ولم يعلم حين دخل تلك المكتبة التي إستخفّ برثاثة رفوفها أنه قد يلتقط من ذات الرفّ الكتاب الذي سيقلب قصة حياته الفكريّة ومسلّماته إلى الضفّة الأخرى ..
*لم يكن يعلم أن المدير الذي يكرهه جداً في العمل ، ذلك الشخص الذي لايطيقه أنه سيكون هو وسيلته الوحيدة للوصول للمكان الذي يتمنّآه طيلة حياته ، وسيسلّمه الحُلم بطبعةٍ على ورق ..
*ولم نكن نعلم نحن كعائلة حين زارنا أخويّ الموظّفين في اجازة نهاية الإسبوع ليومين على أعلى تقدير أن الإجازة الإحترازية لجميع منسوبي الدولة ستحل -حتى إشعارٍ آخر- وأنّ وجودهما سيطول معنا لما مايقارب الشهرين القادمين ..
*ولم يكن ذلك الشاب الذي أتابع مسيرة حياته التي يوثّقها على يوتيوب أنه حين إنتقل إلى مدينة باريس كحُلمٍ جديد ليعيد بناء حياته أن مشكلته ستكون في إستلام مفاتيح شقته من مالكيها خلال حضر التجوّل الكامل وأنه سيضطّر للإنتظار ريثما يصله المفتاح الذي يكون “في ذات المدينة” ! من خلال البريد ..

بالتأكيد تعددت مواقف من كان لهم مع الإجراءات الإحترازية للدول الكثير من القصص والتي حتماً تستحقّ كتاباً بأكمله .. لكنّ جُلّ ماشدّني في وضع الحياة الذي واجهناه هو مبدأ ذلك التغيير الذي يحدث قسراً على أيّ شخص كان ..
وعن تغييرات الحياة بمراحلها .. المفاجئ منها ، المحزن أو السعيد .. تلك التي قد تطرأ على فكرٍ حملته ، أم على علاقةٍ أبقيت عليها ، أم على شكلِ الحياة الخاصة بمسمّيات مراحلها المُختلفة .. طالب ، عاطل ، موظّف ، باحث ، رئيس أعمال ، أعزب ، متزوّج ، زوجة أم زوج ، الأم أو الأب .. جميع تلك المُسميات من مراحل الحياة تغييرات تمضي بك مع مُضيّك الزمني بمجرّد أن تكبر ، بعضها لايحتاج لقرارٍ منك حتى ..! تجد نفسك في وسط ذلك القالب من غير طلب ، والبعض يسعى الفرد للحصول عليه .. وفي كلا الإتجاهات يحدث التغيير في شكل الأيام وتَموضع الهويّة ، وإن كنت شخصاً مهووساً بالتخطيط وتصنيفات الأحداث ورؤية قصّتك من زاوية بعيدة وإن كان عقلك لايهدأ بالتساؤلات فسيكون التغيير غالباً مسألة شاقّة على روحك ، فمابالك بالتغييرات التي تأتي فجأةً ومن دون مقدّمات كأن تتعامل مع أيامٍ تجدك فيها في الامعلوم والا مأمول لزمنٍ لاتعلم مدّته أو مالذي قد يغيّره في شكل العالم من بعده ..!
لطالما كنت أتسائل مالذي قد تعلّمنا إياه تغيرات الفصول السنوية أو الكوارث كالعواصف والطوفانات أو الأوبئة .. الأسباب التي تُغيّر شكل الأرض على تعاقب السنين تلك التي تأتي من غير تنبئ فقد نُدرك ونستطيع تحديد تغيّر الفصول والتنبّئ ببعض الكوارث ولكن ليس دائماً ، وماهي الرسائل الإلهية خلف تلك المُتغيّرات على دوام الأعوام ..! وكيف قد خلق الله إنساناً يتكيّف مع الثلج ، أو الجبال وآخر مع الحرارة أو مع الصحراء أو مع إعتدالات الجوّ الممطر على دوام السنه ، وكيف يكون لذات الإنسان أن يتنقّل بين كلّ هذه الإختلافات وبعد مدّة وبإعجوبه يتكيّف حسب ماحوله من طقس وجماعة ..!
إن سُنة التغيير وعدم الثبات حتى ولو تشبّثت بإختياراتك ستقتحمك لامحالة ، وكأنما خلفها أسرار كبيرة لنموّك الروحي .. تراك من بعيد ولكأنك في الحياة تكون على رحلةٍ دائمة من توطين الذات .. الروح داخل الجسد ، محاولات الجسد أن ينتمي وينضمّ للجمع ، ومحاولات التخلّص من الفكر وتغييره حتى ننتمي للمستويات الأعلى منه ونتوطّن أو نجد حيّزاً يُشبهنا فيه ..
ولكننا رغم كلّ ذلك نسعى دائماً ، أو على مستوى شخصيّ على الأقل ؛ للثبات .. لتثبيت مافي داخلنا من مبادئ .. للتوازن على متغيرات الحياة الدراماتيكية ، لأن نضع المعايير ونشق الطريق من خلالها ، ولنقول حين يصيبنا القلق أنّا نعلم من نكون ، وأنّا سنكون بخير ! والحقيقة أنك قد تستطيع أن تتعلّم أيّ شيء من خلال البحث والإطلاع حول مايُثيرك ، ولكن كيف تتعامل مع منظومتك الداخلية من الأفكار والمشاعر والسلوكيات ، وكيف تبرمج واقعك وتقوّي عقلك بشكل خاص أمام ماقد يبدوا جديداً وغير مألوف ومُقلق في بعض الأحيان ..! ستجد أن مواجهة كل تلك الأعاصير والخوف والإضطرابات دائما ماستكون على صعيد شخصيّ .. قد تتعلم بعض الخطوات لتطبّع التغيير في ذاتك ولكنك في نهاية الأمر ستبقى مع نيّتك تجاهه بالرؤية واستجابات عقلك .. أشعر وكما لو أنه من آلم الأشياء أن يرتبط التغيير بهويّتك المُخبئه .. تلك التي كنت لتحاول الطبطبة عليها وصُنع إتزانها الكامل أمام قصص طفولتك .. وتلك التي تُبنى فيك من الداخل على مرّ السنين .. وقد يكون التغيير أصعب مايكون إن هو إرتبط في عقلك بذلك الجزء الثابت منك ، وإستطاع في إرتباطه “الإعتقادي” أن يهزّ شيئاً ما هناك .. شيئاً خاصمت وقاصمت حتى تستردّه إليك في كلّ مرة ..
فماذا لو كان التغيير لايرتبط بهويّتك .. ولا بتلك القوالب المُختارة سابقاً من قبل مجتمعك ..! ماذا لو كان شيئاً تستطيع رؤيته من أعالي نفسك ، بل ، والضحك أحياناً على حُدوثه كونه قد كان مُتوقّعاً وأصبح شكلاً من أشكال الحياة ..! أشعر كما لو أن أولئك الذين تمكنوا من موضَعة ذواتهم وأخذوا هُدنة الصُلح مع أن الحياة ستتتبدل كلّ مرة ولكأنهم في نقطةٍ مريحة جداً .. أتذكر هنا ماقاله الفيلسوف والمدرب الروحي الهندي “جاغي فاسوديف” حينما سئُل لماذا يكون التغيير صعباً لهذا الحد؟ حيث حينما كنا أصغر كان ليكون شيئاً يدعوا للإثارة ولكن حيثما نكبر نجدنا نتجّنبه ماإستطعنا ويصعب علينا التأقلم معه إذا حصل ؟

ليجيب :
“الشيء الذي يجعلك تخاف التغيير هو أنك قد صنعت حول ذاتك شرنقات من البيئة المُريحة التي إن حصل وتهددت راحتها ستجدك مُهدد أيضاً ولكنك حينما كنت صغيراً لم تكن تبحث عن ال”راحة” ، كنت تبحث عن الحياة .. والآن أنت لاتبحث عن الحياة ، بل تبحث عن الراحة والأمان .. فحينما كنت في السادسة عشر مثلاً كانت لديك أحلام جامحة كأشياء تريد القيام بها في الحياة وفي الوقت الذي بلغت فيه الخامسة والعشرون شذّبت بعضاً منها قائلاً : هذا غير “عملي” ، ويجب أن أكون “عملياً” في الحياة .. وشيئاً فشيئاً إنتقلت من الجموح للجُبن ، وفي إعتقادك أنك حين تمتلك عملاً في هذا السن وإكتساب معيشتك أنك ستكون بخير .. وفي عمر الخامسة والثلاثون إعتقدت ؛ “يكفيني أن لا أدخل في مشاكل ؛ فهذا كافٍ” .. وفي الحقيقة يكون هو العمر الذي تدخل فيه في مشاكل فعلياً ..! وبهذا تكون لاتنظُر للحياة بشهّية بل كبوتقة أمان .. وهكذا بقدر ماتكون في شرنقة الأمان بقدر ماسيكون التغيير صعب عليك .. إن جوهر طبيعة الوجود الفيزيائي هو التغيُّر أليس كذلك ؟ كل شيئ يتغيّر .. هل هنالك شيء ليس قابل للتغيير ؟ كل شيء في الوجود وأساس مبادئ الفيزياء هو التغيّر .. لذلك ، حين تدعوا لمقاومة التغيير فأنت ببساطة تقاوم الحياة ..وإذا كنت تريد حياة بلا تغيير فهنالك مكان جميل لاشيء فيه يتغيّر وهو القبر.
إذا كنت لاتريد التغيير إذاً فسيكون هنالك تشابه أساسي في كلّ شيء ! عدا ذلك طالما تكون في العالم الفيزيائي فإن كل شيء مُتغيّر. أنظر لهذه اللحظة : أنت الآن في حالة شهيق ، وبعدها ستكون تزفر النَفس .. وإذا كنت تريد إيقاف ذلك فأنت تعترض على أساس الحياة “.

لن يستطيع صاحب قصّتي الأولى أن يعود كما كان حتى ولو أعاد في رأسه تفاصيل تلك الحادثة وذلك اليوم مِراراً ..
ولن يردّ صاحب الجائزة الثمينة مبلغاً يأتيه بفرج ،
ولن يتوانى ذلك الموظّف الكاره ويغضّ الطرف عن توقيع مديره لصفقة حُلمه ..
أما عنّا كعائلة فقد أمضينا مع إخوتي وقتاً جليلاً بالقُرب وثميناً بعمق المعنى ..
وذلك الشاب إستطاع حتماً إستلام مفاتيح منزله الجديد وبدء حياته الجديدة بفرح ..

اتسائل .. ماذا لو كانت تلك المرحلة التي تراها بشكلٍ غير مستقرّ هي ذاتها تلك الحَبكة اللطيفة للقصة التي تشعر بالإنجاز حين حكايتها ..! وماذا لو كان كلّ مايتطلبه التوطين الذاتيّ لكل متغير هو أن تمشي مع ذاتك وطفلك الداخليّ ممسكاً بيديه خطوةً بخطوة ، يوماً بيوم وساعةً بساعة بل ؛ وحتى شعوراً بشعور ..! أن تحمل أحلامك كصغيرٍ يتعلم المشي لأوّل مرة .. أن تتقبل ذلك الخوف وأنلا تطلق أحكامك على مشاعر طفلك بالسخف أو الهوان .. ماذا لو جعلته يعبّر بالنحيب أو الصراخ أو حتى يتمرّد على حكيمك الذي لايعرف السكوت ..! ماذا لو سمحت له ببعض التيه وأعطيته الحُريّة ليكون سطحياً مثلاً وسمحت له أن يُضيع بعض الوقت ليُشتت من محاولاتك الدائمة للسيطرة في سبيل التأقلم وماذا لو فقط سمحت له بأن ؛ يكون ..!
التخطيط قد يكون هو طريقتك لللمقاومة تجاه مالاتعلمه خلال مراحل التغيير ؛ وهذا جيّد إذاما استطعت الإستفادة منه ولكنك يجب أن تترك تلك المساحه ل”غير المعلوم” الذي سيواجهك حتماً وعليك أن تتعامل معه وقد تؤلمك المقاومة أكثر من محاولاتك لتقبّل مالاتستطيع تغييره ..
يبقى ولاشكّ أن الإيمان العميق بألطاف الله تكون قوّة المؤمن .. فهل يكون لك أن تتبسّط حينما مايتغيّر مجراك ، أو أن تُشذّب من تطلعاتك العالية لتتموضع فيما لاتستطيع تغييره ؟ وأنه ليس دائماً ماعليك أن تقاوم الموج ، وإلا غرقت ..! وإن البقاء مع التيّار جيّد ومقاومته جيّدة في أحايين أُخرى حسب ماتقتضيه الحياة ..! وأن تصدّق أن كلّ ماتخشاه ؛ سيمضي ..!

أضف تعليق