” جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما، يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما ”

صديقي العزيز ..

من هيَ أُمنا الحقيقية ، وماهي قضيّتنا الأولى منذ بدأ الزمان، زماننا على الأقل؟  وهل تتذكّر كيف عُلّمنا أننا واحد حين نتحدّث ذات اللغة ونعتنق ذات الدين ..! وأن “الإنجازات العظيمة تبدأ برؤية أو حلم ، وتنتهي بحقيقة أو واقع” ..! هل للأحلام ياصديقي أن تطول أجيالاً وأجيال ؟ وكم فرداً حول هذا العالم يحملون مسمّيين مُغرّبين مثلنا ليتخذوهما سكناً وهويّة كتركيبةٍ وُصمت بكلّ شيء ، إلا مايشبهها حقاً كديانةٍ وكإنتماء ..!

صديقي العزيز .. سأحتجب عن المعنى، لأنك أهلٌ للعُمق ولعلّ من يفهم لُغة روحك سيستطيع ترجمة هذا القلم المُثقل ، والمليئ بالإعتبارات اللتي لم يعبّر عنها بعد .. وياترى كيف سأقول وأعبّر وكيف ستعبُر حروفي عن رؤياي ، أنا التي لم تكن تعطي يوماً لتفصيلة الحُلم بالاً يُرى أو فعلاً يقال ..! مالذي يفعله الوقت ياصديقي ؟ وكيف تمر الحياة بنا سريعاً ..! وكيف لها أن تنتشلنا بأعوامٍ قصيرة من بدايات مخيفة وتجعلنا نرتطم بنهاياتٍ سحيقة، وليس وكأنها تنتهي أيضاً .. هي تستمر بإستمرارنا من عدمة ، في تواجدنا من عدمه وفي إحساسنا ووعينا من عدمه .. كيف يشعر ياترى من تساقطت قطع إنتماءاته قطعةً قطعة ؟ وماحال من قد يكون قد تغيّر حتى على نفسه ليجد بين الذات والروح إبتعاداً في التعريف أو إعادت التركيب .. حيث وحين تتساقط قطع الإنتماء تشعر بالخوف على من تكون ومن يتدخل في تكوين هويّتك .. أو في “تذويبك كقطعة سُكّر” كما يقول غسان كنفاني ..

قيل لي ياصاحبي أن الأحلام وجهٌ من شيء يتحقق لاسيما ونحن نحمل فيها نبوءةً سماويّة، وقد تكون الأحلام هي مانعوّله على الواقع بالأمل ، الأمل الذي يعطينا معنى وجدوى الوجود. الوجود الذي يجعل منا كائنات وأشخاص ذوي معنى .. إن أحداثنا هذه السنة ياصديقي تكون وكأنها في وقعها ومع كلّ صوتٍ جديد وخبرٍ أشرس  تتحرّك من عمق تيارٍ لم تستشعر النقطة فيك يوماً أنها  تنتمي إليه ، وباء ، خوفٌ وفقر وسلامٌ مزعوم وانفجار هناك وفيضانٌ آخر تسبب في غرق ..! وتراك من بعيد وكأنك ابن السماء والتيار ذاك يأخذك إلى أخمص الأرض  ولكنّ الأحداث الأكبر تمدّ يديها إليك ،  تحاول انتشالك ،  وأنت بعد كلّ حدثٍ أكبر منه تجدك تحاول المقاومة تحاول التشبث بما يمسك بك تحاول التسامي على جسدك  ورغبتك وحلمك لتصل لواقعٍ ما وسماءٍ  فيما بين السماوات السبع … يقول الروائي إبراهيم الكوني في مِحنة المبدع : “فالمحنة التي تواجهنا ليس كيفيّة التعبير عن الواقع، ولكن في كيفية الإفلات من الواقع. في كيفية الرحيل بعيداً عن الواقع، في كيفية تحويل الحلم إلى واقع. والقدرة على تحقيق هذه المعجزة هو مقياس الموهبة، بل ومعيار العبقرية. فأن يتحول الإنسان بقدرة قادر إلى حشرة وليس إلى ملاك، أو حتى إلى إله، وهو الإعجاز. هو الفتح المبين في حال أفلح المبدع في إقناعنا”..

تجدك تتسائل ياصديقي بعبث أمام كلّ هذا الامعقول وأمام المبادئ التي تتبدّل ببساطة ؛ أن متى كانت المرة الأولى أصلاً ، ومتى كانت الأخيرة ..! ومتى كنت قد تركت خطّ الذاكرة للجوء لشواطئ الأبديّةِ والنسيان .. متى وكيف كُنت وإلِى ماذا صار جسدك الذي كان يوماً ما صغيراً بحجم الكف ..! هل نحن نتغيّر حقاً أم نولد من جديد ؟ هل نحن نكبر أم نتجرّد من الأشياء قِشرةً قشرة لنقول بصدقٍ عمّن نكون كعصفورٍ يخرج للحياة جديداً وبلا ريش .. متى أصبح لك ريشٌ تطير فيه وهل تتذكّر حين إفتقدته ؟ من الذي ينزرع الريش ، من الذي يقسّر الأحلام ، من الذي يرهبنا تجاهها ، من الذي ينزعنا من الحياة ويعطينا شيئاً يشبهها ؟ لكن فضاء الحقيقة ياصديقي يحمل أموراً لاجدل فيها ،  كأولويّتنا تلك وأُمّنا الحبيبة، ذلك الأُفق يكون مكاناً تُختزل فيه تبعاً  لضميرك، وعن قداسة الضمير كان يقول ؛”بالقوانين الوضعية نحن مدانون سلفاً بالعبارة التي تفرض فينا سوء النيّة. بالقوانين الأخلاقية نحن براءة، لأن شهادة الضمير حريّة”. لذلك ياعزيزي كانت قوانين الأرض لاتعني شيئاً من السلام .. لأن الإنسان مهما إجتهد لن يستطيع بجُلّه أن يتفوٍّق على قانون الزمان ، طبيعة الأرض وأقدار الخالق .. 

وحتى نرى السلام الحقيقيّ وحتى يطير الحمام في أرض ذلك الحُلم حُرّاً .. أرجوا ياصديقي أن نشهد ذاك اليوم سوياً .. وأن تكون بخير .. 

أضف تعليق