إلى قلبك الذي ينام على خدرِ الحنين ، ويصحوا على أمل ..

صديقي العزيز .. 

أبعث إليك برسالة إذاما قلت أنها الأخيرة فلن يعطيها ذلك إلا حجماً من التضخيم ، أنا التي تُدرك وطئ الكلمات وسُبلها التي تنتهي إليّ .. ولكنها تُحتّم أن تكون رسالةً مستدركة بالحقائق المتوارية ، وأني وبعد كلّ ما كتبت وما علمت لن أبقى كما أكون .. فعلّي أقول أنها وداعٌ لمرحلة ، وبداية أخرى من مراحل الذات الجوّانية تلك التي لم تُشرك في تجربتها أحداً من حولك ولكنها كانت متأصّلةً في كيانك وطريقة رؤيتك لذاتك ، أرفع من خلالها كأسي نصف الممتلئ بالحقيقة، ونصفها الآخر متعطشاً للمعنى ، لأجل كلّ فكرة تجذبنا سوياً للأرض ، وأخرى ما ورائية تأخذنا بالصمت للسماوات ، لنحيا أجساداً بين روحٍ وطين ، مُستعذبٍ وثقيل ، نقيٌّ وخطّاء .. حتى ننعتق سوياً ، حتى يكون عبورنا خفيفاً حتى ينضح الكأس وينفضّ الجلوس بعد سماع كلّ الثقيل الذي لابُدّ أن يُتلى خلف كأس المعنى ورشفة الحقيقة .. 

هناك، ياصديقي في البعيد ؛ مُسمى ، لم تُعرنا الحياة يوماً تعريفه ولم تمنحنا الوَعد بالكشف عن كينونته .. كان لزاماً أن نخوض كلّ ما يُحتمل ومالا يُحتمل .. لوعدٍ نريد أن نُصدقه في دواخلنا ، لوعدٍ شخصيّ أن كلّ ما هنا كان قد سُخّر لنا من قديم الأزل ؛ حتى نكون ..

صديقي العزيز ..  ثمّة شوكة في جسد الفكر ، يحاول من وعى عليها منا الإسهام في انتزاعها ومعرفة مسبباتها.. هي تؤلم في وجودها كلّ ما يُعنى بالحقيقيّ والأصيل فينا .. مُتربعةٌ على كينونة الواقع متربّصةٌ لنا في كلّ موضعٍ تطأه منا القدم لسبيلٍ ما ، لتجرحنا بنا جُرحاً داخليّاً لا يُشفى لأن دماء الجُرح لم تنزف بعد ، وحتى يكون شفائها حقيقياً وكاملاً كان يجب أن تمرّ بأطوار الوَعي ..

أُدرك مؤخراً ياعزيزي أنه وكلما يتقدم بنا العمر، نميل للحنين لمن سبقونا ، للبحث عن قصصهم وتأصيل ذواتنا من خلالهم .. سنعرف وقتها قيمة الإحساس بالموروث القيميّ الخاص قبل الديني .. فهل تسائلت يوماً عمّن من سبقوك ومن هم أجدادك ..! كيف كانت حيواتهم اليومية وعلى ماذا جبلوك حين أخذهم السؤال عن من سيأتي من بعدهم ؟ لعلّك تشبهني .. سترضى لو يكونوا رعاةً بسيطين ولكنهم بمحض حقيقتهم أصيلين بعفويةٍ مُفرطة وبتلقائية طفل يتعامل مع الحياة كمن لا يرى الشرور .. يكفيك أن لم ينتزعوا حق قدومك من أقدار الآخرين ، وجُلبت لجبلّة الحياة بنقاء النوايا ، أليس هذا أجمل ما قد يكون ..! أدركت ياصديقي أنه ليستقيم الطفل لمواجهة العالم يحتاج أن يتحسس أعمق جذوره ويسير ناطقاً ومتعلّماً بأحرف الكلمات التي عهدتها الأرض التي يطأ عليها قدمه ، أن لايشعر بالغربة الداخلية في لغته التي لايُدرك سواها، وأن يتلمّس الإنتماء الجوانيّ قبل الخارجيّ بين أصدقائه بكل ماتُعنى به ثقافته الخاصة بأنقى موروثاتها .. 

أذكر نفسي ياعزيزي قبل أن أُذكرك أن مايُبللنا من رهبة تجاه الأشياء الأسمى في الحياة، تلك التي تلتمس بالحقيقة فتكون جزءً منها هي أكثر ما يصرّ علينا لنقفز الى الماء، وأتنبأ كم سيكون الغرق شديداً والحِلكة الداخليّةُ كئيبةً ياصديقي..! ولكن في ذلك القاع حقيقة لن نجدها إذاما كنا نتعبث مع السطح بلهو طفل .. أخشى ياصديقي أنها تتطلّب كُلّ الكهولة، كلّ الرغبة في التخلّي، وكلّ الإقدام حتى تُظهر عن ذاتها من خُدرها ، وتتفّتح وتُفصح عن مكنوناتها. شيئاً فشيئاً يتجلى لي ياعزيزي أن أجمل أمانينا ما كانت لتصبح في حقيقتها إلامن خلال ذلك السعي الذي كان مخلوفاً بقناعةٍ داخلية : أن ما كُتب لك من معرفة سيأتيك ، وأن إسلام الذات بالطلب. والإقبال على العلم بكلّ ضعف الجهل ، سيردفك بكلّ ثقل المعنى .. 

نهايةً أخبرك ياصديقي .. قد يأتي الشروق أو قد يتحتّم او قد تغيب شمسه .. ولكنني في هذا العبور أُدرك وأستدرك حجم المعرفة الغائبةِ وحجم التضليل ، وكلما تقدّمت زادني العلم إقداماً وكلما خطوتُ من جهل دخلت في ما كنت أجهل بشكلٍ أكبر .. ولكنني أعلم الآن ياعزيزي من أكون وعلى ماذا أقف وما هو التراب الذي أتيت منه وما طُمس من التاريخ وما تجلى وإلى أين أريد أن يقودني الطريق ، فأن تمشي في النور ليس كمن يمشي في الظُلمة ، ومن يُدرك يجد ومن يسترفد من المعنى سيُسقى ..  أرجوا فقط ياعزيزي أن لا تسمح لغوغاء التغييب أن تؤذيك ، فهنالك حِكمةٌ في بطن الأصيل .. هي حكمة الصمت أمام كلّ الذي يشبه بعضه، وحتى تتلاشى بقع الضباب ، ستظلّ أجمل الأشياء التي نحسها وتلمس إنسانيتنا بعمق، حبيسة الصمت حتى اكتمال نقاء الأُفق، بعده وبعده فقط سيستطيع أن يتفتح زهرها وتينَع نظرتها وتتشدّق كلماتها وتتفصّح أفكارها .. وحتى نقترف شيئاً من معنى العلم الأصيل ، سأكون بخير .. وأرجوا أن تكون.

أضف تعليق