كان الأمل حين يحلّ عليّ ، يأتي كما فوران ماء في داخلي ، ثم يُبرده الوقت شيئاً فشيئاً ؛ حتى ينساه قلبي، حتى أنساه أنا، حتى يأتي ما يضغط زر الغليان من جديد ..

صديقي العزيز ..

لنا من الوَجد والنوى مواطن حُب وعلامات تقادمٍ على هذا الزمان ، ومواطنُ وصول .. لنا ضحكةُ الأرضِ حين تتمنّع المسافة بالحلم فنصل ، وتُغرينا بالواقع فلا نصل ؛ كصبيةٍ هازئه .. لنا انعتاقاتنا من كلّ أشيائنا الغريمة التي كانت حبيباتنا يوماً ما .. لنا من زحام الجموع منافٍ ومن عزلتنا لجوء .. لنا من الحديثِ بئره الذي خُفي ولهم بعضه الذي ظهر .. لنا شعثٌ في القلب ؛ زاحمناه بالنَفس العميق فثَار وطهّرناه بالتوبةِ فتمنّع، وغسلناه بالدموعِ فاستحال ..

أرتبُ أدوات الكتابة ؛ بسيطة .. قلمٌ وممحاة ، أو أصابعٌ وجهاز ومُصحح .. ولكن من يجلب القريحة والحرف والمجاز ..! حديثي ليس عن الظاهر ، كلماتي ليست عن الباطن ، بُعدي سماويّ ، روحانية الهوى والتوقِ إلا أن لي أمانةُ النفسِ في داري ومُعتصَمي ..

اعتصمتُ الطوفان الكبير ، إلى جبلٍ يعصمني من الماء ، واغتربتُ في عِصمتي .. تصدّق ؟ الوادي أسهل من الجبل فعلى الأقل تستطيع أن ترى أُفقاً سهلاً ومساراً واضحاً وطريقاً مستقيماً وأُنساً بشريّا يخفف وحدة الطريق .. قلّ منا من يعي وعُورة الجبل ويُجبلُ على جسدٍ يستطيع صعوده، بل ونفسٍ لاتتهيّب المخاطر ..

ليست هي عصمة الخوف صدقني ولا عِصمة العزلة والسكون والصمت والبهاء .. هي بُعدٌ يطمئنني أن أرى من خلاله حتى يسكن قلبي ، قُدر عليّ أني أشتاق نفسي في الزحام كما يقول درويش ، وآوي إليها بعد الله كما رجوع جنديٍّ قادمٍ من السفر وماكانت يوماً إلا نُزلاً دافئاً وملاذاً آمناً ورحمةً ربانيّةً خالصة ..

ولم يعصمني من عواصف الماء والبرد سوى إيمان منّ الله به عليّ ، طلبته حثيثاً وتلمّسته من خلال الصعودِ والهبوط وكان إلحاحي أن تبقى القِمّة دوماً على مدد النظرِ مني حتى لا أفقدِ اليقين .. حتى يُرويني الأمل ..

في صُدف الطريقِ ياعزيزي شخوصٍ علّ قلمي يستطيع رسمهم في المكتوب لتشاهدهم وتبتسم ..

أتحدث .. عن طفلةٍ عجولة تريد أن ينبت نباتها الذي زرعته في بداية اليوم ؛ نهاية المساء .. وعن ضحكةِ كبيرات السنّ على نكتةٍ فاحشة ، وعن حكيمٍ في صومعته لا يؤتي من ذاته إلا بعد جزاء ولا يُدلي من دلوه حتى تغترف .. عن مسمّيات كانت لأفرادها العذاب الأمرّ أو العزوة الدائمة ، وعن راعي الأغنام ، مُمتهن مهنة الأنبياء ، ينام وحيداً ويصحوا وحيداً إلا من غَنمه الذي يتوالد يقينه مع كلّ زيادةٍ فيها ، ويعبُد الله بلا حجاب ، تتلكأ لُغته فيزيد اقترابه بالمقام ، وأنا أعبُر بكلّ دقّة الكلمات وما وَقع بقلبي من الإخلاص إلا قليلا ..

عن من أحبوا الدنيا وعن الذين اعتزلوا الدنيا .. وعن الذين ضاقت عليهم أنفسهم فكان هروبهم من السكون هروب طائرٍ من قفَص ؛ سلامتهم مع الاخرين ..

في رحلتي أثمن مطلوب، وأعزّ مفقود.. أوسع دارٍ، وأتعسَ قرار..

في رحلتي مالا يؤوّلني للوصول، وكلّ أسباب الوصول وكلّ حثاثة الطلب

في رحلتي بسطٌ وضيق، نهرٌ وسماء، شخوصٌ وعزلة، تأمّلٌ وصلوات، أكوان ؛ أكوان كثيرة وأرواح كبيرة تجتمع على أبجديّةٍ واحدة.

أُحبّ المسار بقدرِ ما للطريقِ من بركة .. الأجدى أنلا أكون مع الغارقين..

إلهي أنا لا أراك .. ولكنني أشهدك على هذه الأرض ، وأشاهد رحمتك .. أنزوي على ظلال أنوارك في روحي ، فأطير وأرتفع .. أنا لا أسمعك .. ولكنني أنصت كلماتك التي أنزلت ، تلك التي تحتضنني في عمق الضياع وتواسي روحي مع كلّ وعدٍ باللقاء القريب ؛ لقاء السماوات .. أنا لستُ بالكفئ أن أصل في الطريق إليك وذنبي أعظم .. ولكنني أشاهد علاماتك في رحمتك ، وألمس الحب والطمأنينة كلّما اتبعت ..

إن الحكمة والدقّة البالغة التي يُسيّر الله فيها هذا الكون ياصديقي من أقصى مجرّةٍ وكوكب إلى أقرب ما في نفسك من خاطرةٍ وفكرة، الطريقة التي تسير فيها الأحداث ويمضي من خلالها عليك قدرك شيء لا يدعوا سوى للتسليم بأن تلك الحكمة أكبر منك بكثير ؛ وكأنما لم يودعك لنفسك حين خلقك ، إنما أودعك إليه وحده واستخلص أرواح عباده لنفسه ، يقوم عليهم ويقبل توبتهم وأوبتهم ويتفضّل بمنحة وجودهم ويُسبغ عليهم فيها بهدي تذوّق جماله وإدراك حقّهم في العيش ؛ العيش بما أعطاهم من أجوبة ، تلك حدودك وتلك معاييرك وتلك مساحتك ، وللعقل ..! فلا وجود لأُفق .. تجلّى يا إنسان ولكن لا تتكبر ، تعلّم ولكن لا تصغّر الجاهلين ، اِغتني ولكن لا تنسى الفقير ، وصِل إلى كلّ ما ستصل ولكن ؛ امشِ على الأرضِ هونا ..

لاشيء يسابقك ، لا حُلم سيمضي عليه الوقت ، لا وقت يغادرك من دونما سبب ، لا فُرصة تضيع من دونما تعويض ، لا ترتيب ربانيّ فيك يحدُث للعبث .. أطوارك التي مررت بها وستمرّ تحدث لأسبابه العظيمةِ فيك .. صبرك ارتقاء ودعواتك أجور ولشكرُك زيادة …

أتمنى يا عزيزي وقد أطلت عليك بالمكتوب من رحلتي ، أن يباركنا الله بملاحظةِ الأشياء التي نستطيع تغييرها وأن لا يطولنا الهمّ فيما ليس لنا فيه يد ، كلّ ما تعلمته حتى الآن أن البداية في نفسك . حين تُرتبك ستترتب الحياة في عينيك ، ولستُ من الأنانيةِ بمكانٍ أن أُملي عليك ما يجدرُ تغييره فبقدرِ إختلاف التكوين والأكوان نكون .. يجدرُ أن أحبك كما أنت ، يجدرُ أن تحبني كما أنا وكما يقول محمد عبدالباري في أبياته : (إنني أنتَ كلانا لا يرى في الطمأنينةِ إلا شَركا) ..

الأجدى أن نُحبنا كما نكون حتى نستطيع يوماً أن نمنح الأمانة شيئاً من قدرها ونسلّم لرحلتها .. وآمل أن تدوم الأشياء التي بوسعها أن تُشعل نار الدفئ على قلب الأمل ..

وحتى مشاهداتٍ جديدة .. كُن على عهد الحياة.

أضف تعليق