المعنى هو ما لا يُباع و يشترى .. هو قسمةٌ في القلب حبلى، وجنينها عهدُ الأمينِ .. شبابها كهلٌ تغرّب موطناً ونسيمها روح الشهودِ على الوجودِ الحيّ من وجه الغياب ..

هو سُلمٌ مهما ارتفعت سَمى ، هو قبلةٌ للمتقين الى سماء الله ترتفع الوجوه عن الدُنى هو سعينا بمقام أن الله أقرب للوريد إذا يرى ، هو علمنا أن البعيد الماهناك محِلةٌ أصفى على القلب المُعنّى من طويل مسيرهِ بحثاً عن المعنى، ولا معنى هنا ..

لم يكن في الناس لهوي ولا الى الاخرين مناصي .. كنت دائماً ما أشعر بالوحشةِ اذاما شحّ توحّدي لرب العالمين، تلك الوحدة التي يسميها البعض انطوائيةً واسميها امتلاءً تشير من خلاله بوصلة الروحِ الى السماء 

كالكتابة في تجلّيها كصلاةٍ للروح أمام من خلق الأمانة .. حين نرمم جسوراً بين ما يحدث لنا وما نترجمه فينا، فهي في حقيقتها الحيّز من الكلام الذي يبقى في جعبة الروح ويتوارى عن حديث الجسد، تشهدها تلك الدعوات التي تخرج بسيولةٍ دافقةٍ على لسان الحالِ في لحظة سجود فنتذوّقها كأطيبِ حلوى ..

أشعر ببرودةٍ تسري في أعماق روحي .. صحبتني من خلال نجمةٍ في الليل حين همست لي بالهدوء الصعب أمام العواصف وكأنها هي التي تضيء منذ ألفٍ انفجارٍ وانفجار تشهدُ أن أعتى ما قد يحصل، يمكننا دوماً أن نشاهده من بُعدٍ قصيّ ؛ فيكون أصغر ..

صديقي العزيز .. 

أحمل في روحي عظيم الحب لهذا الكون الواسع .. لفرص الحياة ، للاقترافات الصغيرة التي تسري من بين يديّ ومن خلفي، للشعور الذي يكون بين جنباتي وأحسّه .. لقرب الأحبّة، لتعلّم الدرس، للمعرفة التي لا تنتهي، للأبعاد التي لا تضمحلّ، وللرؤية التي حيث تكون مطعّمةً بالدهشة فهي لا تخفتُ أبداً .. أشعر أنني أنموا، في المرحلة التي لا تُرى، تحت تُربةٍ لا تُحسّ .. أنضّج الفكر وأحتوي المعنى بسقاية الشمس والأمل، أتوغّل في الأرضِ وأزاحم التراب مكانه، وقلّما أحسّ يا عزيزي أنني أكبر، ولكنني الآن ألمس تلك المرحلة في دواخلي .. ورغم كلّ تخوّفاتها إلا أن لها من الجذور بهجةً في الروح لا تقدّر بثمن .. 

ولا أعلم ياعزيزي متى سيحين الوقت حتى يطلعَ لي في الأرض ساق، وتُردف الأغصان بأوراق أو تزهر شجرتي ولكنني في عميق التراب أحاول ترسية جذوري في الأرض، وبشكلٍ ما ؛ يبدوا ما تحت التربة كما سماء .. لست أرجوا أن أُبعث الآن ولا بأس لديّ اذاما طال مشواري للصعود فالأولى أن أكون من الراسخين ..

صديقي العزيز ..

هذا الدرب الممتلئ يشبه الخوض في خيارين عميقين بادئهما فيه الحياة ومنتاهاهما فيه الزهد بالحياة .. أولهما ما يحمل جميع الأمل واخرهما ما يحمل الإيمان .. الحياة تظلم لتعدل برؤية المؤمنين ، والزهد فيها يجعلك على مصافّ التحديات من القانعين ..

إن الحاجة الإنسانية للتطهر ، للخفة ، لأداء واجبٍ روحيّ ، لتذكر الأشياء الأسمى من الصغائر ، للعيش بسند ، للجوءِ الى عظيم ، لسدّ باب الشهوة بل والانتصار عليها .. جميعها أشياء وغايات لا يحققها سوى الدين في حياة الانسان .. وأنبئك أن ثمة ما يكون في رموز البساطة أطيب من جميع محاولات الارتقاء على النفسِ او الفطرةِ او الجماعة .. ولا أعلم إذاما كان في طينتنا وطبيعتنا وسرّنا الغامر ولكني أشعر أن علينا أن نستوطن الأرض من أرواحنا في نفوسنا قبل أن تستوطننا هي فنكون فيها من الطامعين بلا هدف ..

صديقي العزيز ..

المكان الذي أكتب منه إليك اليوم مكانٌ منبسط، واسع، تلاله صغيرةٌ وبعيده، أشاهد الشمس عليها وظلّ الغيمة حين يحين المطر فتكون رؤوسها كما رؤوس الرجال في الحجّ، تارةً تعكس نور الشمس بياضاً وتارةً يظللها سواد الشعر/الشجر الأسود ..

هذه المنطقة من الجغرافيا ليس لها أهل، تبدوا نائيةً سوى من عيون المتأمّلين الذين قرروا الحياد عن الطريق السريع وتوقّفوا لجلال المنظر .. انبساط الأراضي يلامس العربيّ فينا .. أراني كلّما أشاهد أكتب لك بدفقٍ لا ينضب وتنسال الكلمات مني سيلان طفلةٍ عائدة من المدرسة بعد يومٍ حافل وتريد مشاركة والدتها كلّ شيء .. والدتي الصحراء المحملة بحنيني ، وأنت صدى صوتي فيها ..

صديقي ..

المغزى خلف المكان ؛ روح المكان .. وصدر المكان هو ما تراه في لحظة المشاهدة ، ومن تكون في نفسك .. 

تعلمت يا عزيزي درساً واحداً إثر عظيم الترحال الداخليّ ؛ اذاما أقبلت بالاتزان وبالنفس الطيّبة ، زانت لي الحياة ودانت لي الدنيا وتساهل عليّ الطريق .. واذاما خلّ اتزاني بين روح الحياة ومغزاها في البعد الاخر وهو الزهد فيها ، وجدتني أتمايل مع الريح ويتحداني الوقت وأتأرجح بين الضلال واليقين، لأرجع بين ثنايا سجدةٍ تردّني لأصلي الطينيّ وضعفي تجاه خالقي ، حينها يستقرّ الخشوع في دمي ، وتتزن نبضات قلبي ، وأتنفّس بالعمق روح الحياة وتتوسع مداركي ويتفسّح المدى الفاصل بين ما أخشاهـُ وما يكونُ .. 

هنالك يا صديقي لهذه الحياة قانون ، ونواميس .. وهي ستأخذك على محمل الجد الذي تراه من خلالها، لتكون على روحك من المبصرين .. وحتى أكتب إليك من مدى بُعدٍ آخر ، ومحطةٍ جديدةٍ في الروح، أرجوا يا عزيزي أن تكون بخير.. تذكر أني أحبك جداً .. فاحمل حبي هذا وانثره فوق سماء روحك ووزعه بين تلال طريقك واجمعهُ عند مواقف الانتظار الطويل ، حتى نلتقي من جديد ..

أدعوا الله طويلاً وعميقاً يا حبيبي أن يدّلنا دوماً على أنوارنا العزيزة في عمق التعب ؛ ويباركنا برحمته ..

أضف تعليق