ودائماً يرجــع السؤال للسؤال يا صديقي .. أن ما قيــمة الإنسان حين لا يقــاوم، أو يســعى ..!

سأعصي سرعة الوقت، وأضرب بموازين طمعي عرض حوائط الحياة كلّها ثم سأسمح للمجرى أن يتدفّق في محلّه من جديد حسب السرعة التي يريدها .. سأهيّئ له المكان والمساحة وسأفرغ له بضعاً مني وبعضاً مما أعرف وسأقوّض له أن يسيّر الموازين حسب تلقائيّته، كل ما أستطيعه تجاه القضاء أن أميط عنه تعلّقاتي الضاربة في الأرض، والجذوع التي سقطت عمداً أو من دون قصد، علّها حين تحسّ بجزمي على المسير؛ أن تركب موج مائي أو تستقرّ في ذاكرتي على جاله أو بعيداً عنه حتى يسري كما يشاء ..

للكلمات مكانٌ بين النجوم .. تومض أملاً حينما تتوشّح سماواتنا بالظلمة، وتجلوا همّاً حينما تبتعد طيور السلوان وتدهشنا من ذواتنا بالكثرةِ حينما تبدوا كلّ الأحداث ساكنة ..

الأحداث رغم كلّ هذا يا صديقي من حولنا لا تبدوا ساكنة، فبين ما نراه وبين ما نحاول أن نتناساه ثمّة حيوات تعاش وتُقصى .. عوائل، طفولةٌ مُجهضة، كوارث، مشاحنات .. والكثير من الألم .. ولا نجد على هذا الهامش إلّا أن نبحث في دواخلنا أن كيف نضعُ للأشياء الممتدةِ حدّ، وماهو العمل المتعدّي عن النفس في هذا العالم المتعدد، وما هو الطريق الذي سنختارهُ في كلّ يومٍ ومرّة ..! وكم أحب ياصاحبي جموح الخيالِ حين يحاول تقريبنا إلى فكرةٍ مطمئنة .. كم يسدّ الثغور ويبني الجسور ويرممُ الجدُر ، يقطع قصص ويثبّتها بأُخرى ليخبرنا أننا سنكون بخير .. 

هنالك خيوط رفيعة بين الإنكار والمعرفة، والقرب والالتصاق، والمحبة والبغض، والثقة والجهل، والحكمة والسعي، والتجربة والتطرف .. إن أصعب شيءٍ ياصديقي لنا نحن البشر أن نقف على سراط الميزان المستقيم بين كلّ تلك الأمور، وأن نكون على اتزان، تجد دائماً أن الرؤية تحتمل العديد من التفاسير، والحياة تقع بين درجاتٍ متعددةٍ من الأطياف والألوان والاختلافات ..

صديقي العزيز ..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته ..  وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم ؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب، وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا .. فمالغيب إلا مايخفيه الله عنّا لأجلٍ سنكون بالغيهِ بعد مدّةٍ من الزمن أو على عهد حياةٍ بعيد في حين يكون الخفاء هو جُملة الرحمة واليقين فيه جُملة الإيمان.

أن نتحرر .. من كان ليعلم أنها قد تكون وَمضة، خيال، نص، نسمة ربيع، استنشاقةٌ عالية لهواءٍ بارد .. أو ابتسامةٌ بين الذات والدواخل .. من كان ليعلم أن بعضها يكون حين تَمسّك روحٌ عالية، تباركك بالكشفِ لتجعلك تشاهد التجربة من عينيها لا من عينيك ؛ لتنغمس وتعلو، تتعمّق وتسموا، تحب وتنفتح وترتاح ..

يا الله .. كيف خلقت عالماً لا يكون بهائه إلا في التحرر منه..! كيف جعلته حقيقياً جداً، وهامشيّاً جداً في آن..! كيف جعلت منه عِليةً وسفولا ووازيتنا رغم اختلافاتنا إليك ورتبتنا رغم بعثرتنا عليك وجمعتنا رغم اختلافنا على بابك وأمضيتنا رغم فرقتنا على جنابك .. نخضع، فنعلوا ونصفح فنَسلم ونتصدق فنتبارك ونصدُق فيتجلى لنا الطريق ونحب الحقيقة فتتكشّف ونرنوا للمعقولِ فينفتح وتدنو تدنو فتدنوا لنا الأرض كلّها حين نصدّ عنها إليك .. سبحانك .. كيف جعلت فيها من يرحم، ومن يقسوا .. من يحسّ ومن يتقوّى، من يحبها ومن يبتغي الخلاص منها، من يريدها ومن يمقتها؟ كيف جَمعت فيها مفارقتك، وجعلت فيها الفقير غنيّاً والغنيّ فقيراً والعالمُ خائفاً وجلاً والجاهلُ واثقاً متحدّياً ..! سبحانك .. كيف رضيت للإنسان فيها أن يتكبّر عنك ويتجبر ، ويزيح اسمك ويحكم بغيرك عليك ويرجوا رضىً لا يناله منك ..! 

يا الله .. هذا الكون، هذي السماء، هذا الوجود رغم نُدرة الكشف حلوٌ لاختيارك وحدك فيه ..

ويبينُ لي يا صديقي أن الحديث فنّ والاتصال بالدواخل نعمة والسكون الغامرُ قبلةً لا يوجهها لنا العالم السريع في دورته التي تبدوا بلا روحٍ كما المغشيّ عليه .. أن نألفنا من الوريدِ إلى الوريد، ولا تفاجئنا الأيام باللغوِ وأن نحيا سالمينَ واردين المولى فيما نحبّ وما نريد ؛ تلك هي الغاية الخالصة ..

وحتى يؤذنَ لنا أن ننقاد إلى وحي الحقيقيّ، ونستريح إلى النور، ونقترب كلّما تقدمنا للأكيد .. أرجوا يا صديقي أن نبقي علينا بخير .. 

 

أضف تعليق