تقــول الشاعــرة روضـة الحــاج :
“وغفرتُ
ليس لأن ذنبك يُغفرُ
وعفوتُ
ليس لأن ماقترفتهُ كفُك هيّنُ
أو أن كسري هكذا قد يُجبرُ،
ونسيتُ
بل أنسيتُ نفسي عُنوةً؛ ماكان من تلك الحكاية
علقماً مُراً وصعباً قاتماً؛ أوَ تذكرُ ..؟
وصبرتُ حتى أنني ماعُدت أعرف كيف قد لا أصبرُ
أعفوا لأني أستحقُ رحابة الغُفران،
يجدرُ بي النقاءُ،
وكيف بي لا يجدرُ ..!
حررتُ بالغفران روحك ربما، لكنّما روحي التي تتحررُ
دثّرتُ قلبك صاحبي بالعفوِ،
لكن كان قلبي من به يتدثّرُ
ومنحتُك الصفح الجميل تسامياً،
فوجدتُه وبكلّ شيءٍ يخطرُ
بمواجعي الأولى وبل حتى بجُرحٍ لم يزل يتقطّرُ
أنا أستحقُ جمال هذا العفو، أُشبههُ ، فغادر صامتاً لاعُذر يشفعُ لا حُروف تُعبّرُ
مجروحةٌ روحي وقلبي نازفٌ مقرورةٌ ولهى ألمُّ نثار ما أبقيت لي تتبعثرُ
لكن شيئاً ما بروحي كلّما انبهم الطريقُ أنار لي وأضائني
وعدى أمامي
واشترالي بسمةً ،
شيئا يئآنس وحشتي
وبنفعهِ أتعثرُ.”
وأنا يا صديقي أصفحُ للحياة اليوم صفحاً جميلاً عن جميع وجوهها التي ناولتني وأنوارها التي سلّمتني وجروحها التي قد تكون وقتها أوجعتني، ولكنني من خلالها كبُرت ولم أكبُر..
أليس من المفارقة بمكان أننا قد ننشد الحياة والتجربة عمراً بأكمله، ثم حينما يقوم لنا كائنٌ فيها تُرانا ننشد الراحة منها والاختباء ..!
حسناً ياصديقي .. سأحاول أن أتموضع، وأجلس في منتصف الأشياء، بين الحاصل والأحلام .. وكيفما أكون بالقياس قد قاربت منتصف العُمر ومنتصف الحياة ومنتصف التجربة -والله وحده أعلم- وقد رضيت بها ولا زالت الأيام تقودني نحو اسئلةٍ أعمق في الحياة، فقد أكون بشكلٍ ما على مسارٍ ماضٍ رغماً عني، لربما لا نعرف ما قد يكون صحيحاً حتى تمضي أغلب الاشياء، لكن هدفي يكون دائماً أنلا أنغمس في التكوين وأنسى كيف كان أو من قد يكوّنه .. إن تلقّي الأحوال ياصديقي وخصوصاً الرحيم منها على محمل التسليم، يرعبني .
ها أنا أجلس في صدر الحياة وقد ابتدى في واقعي شيئاً مما يكون في عراكها الطويل .. أحبها مرة، وأتمنى الخلاص منها والتخفف مرة، ترضني مرات وتصدّ عني وجهها الحُلو مراتٍ أُخر .. تتمنّع فأحاول معها ببذل النفس، وتعطي فأخاف حينما تبتسم لي،
أهرب،
تلحقني،
تهرب،
ألحقها .. والزمنُ على سيره باقٍ لم يثبّت في صورته إلا الطفلة الكامنة فيّ، والطفولة الباقية مني علي الأيام، وجوهر البراءة الذي أحاول التمّسك ببواقيه في هذا العالم الذي يبدوا كما يدور ويدور .. وأخشى يا صديقي أن يلتهمني الجذب أو أتوقف في المنتصف ..
شيءٌ واحد يا عزيزي يعيد لعبور الأيام نسيمها في نفسي، إن امتداد السماء وابتعاد النجوم وسحر السكون وجلال الصمت ينبئني في كلّ ليلةٍ أن ما أبتغيهِ سيكون، لن أصل للنجوم لكني حينما أسمعها في الليل من خلال بصري أعرف أن ما أرجوه سوف يكونُ ، ليس لأن أحلامي سهلة بل لأني رأيت في الدنيا كلّ ما هنالك، شوقي يكون لأحلامٍ عالية ، وما نزهد فيه ؛ يأتينا.
للسماء في عينيّ مورداً يعبّئني ويجعل لوقوفي على الأيام جسراً من ألَقٍ وللسكون شوق وذوق ومعنى ولهدوء الأصوات محبّة ونسيمٌ عليل يشبه صوت البحر في يومٍ أزرق .. وكلما تذكرت جمال الشروقات التي لم أشهدها بعد أو الغروبات التي قد تحلّ على سماء حياتي من دونما انتباهـ، أتوقّف .. وأعود لأحاكي السماء حتى يزول عنّي رَوعَ ثقيل الأيام ويطمئنّ ما قد كان فيّ متنافرا .. أحنّ للروح كمن يحنّ إلى طبيعته الأولى رغم جميع ما قد تغيّر..
صديقي العزيز ..
وإني أخبرك أن هذا النهر الدافق من الحياة، الساري بلا توقفٍ للزمن قد يحمل فيه المتنافر بالفكرة ولكنه المضمون بالطبيعة المائية للدِفق ليبقى الماءُ صالحاً، معقولٌ فيها أن تحب الشخوص وتكرهُ ما يفعلون أو تحبّ ما يفعلون ولكنك لا تحترم من يكونون أو تحترم من يكونون ولكنك لا تقدّر ما يفعلون، والعدد يطول في هذا التنافر .. وأن الجزم ياعزيزي بالشعور دائماً ما يضعني في موضع عدم الإنصاف، حيث يأتي علينا من قد لا يكونون في إطار الرحمة ولكنهم في إطار المعاملة، وبعد الإلتزام فلنا مع الناس واجباتٌ كما لنا حقوق ولنا فيهم معايير كما تلزمنا الأخلاق .. كلّ ما أستطيع قوله لك الآن أن المعاملة مدرسة حياةٍ طويلة .. وأن لنا في هذا المجال حِمل ثقيل حينما نعامل الحياة بالشعر والشعور لا بالمنطق، ويثقلني القول بالواقعيّ أنها تحتاج بؤسنا الطينيّ بقدرما تتطلّب رقتنا الإنسانية ..
صديقي العزيز ..
لا يزال كلّ شيء بخير ولكنها طبيعتي أن أتبصر قبل أن يضيع مني الحُلم أو يجفّ المنبع .. أبقي على قطعةٍ مني في كلّ يومٍ بكتابة، نص، قصيدة، دعاءٌ وابتهالٌ روحانيّ، سماء تظللني عتماً ونوراً وحضوراً، طقوس تأخذني من أقصى الحرّ الصحراوي إلى ألطف نسيم الساحل الشتويّ لبحر الخليج .. حيثما هناك أكون أنا وجميع ذكرياتي وطفولتي بخير .. وكلّما استطالت عليّ الأيام أو اشتدّت عليّ دقائق الوقت والمعضلات، أغمضت عينيّ وشهِدت فيها على ربي وأقررت أن كلّما نكون فيه مَحض خيارٍ واحد ووحيد، إما انغماسنا في القصة أو رضانا عن واقعٍ ننتظر ما يتليه .. وفي الخيار الآخر فيكون قرار استغلال الأيام حتى في الإنتظار من الذكاء ما يضمن لنا أن لا تغيب الحياة عنّا ولا نغيب عن وعدها وأمانتها وعهدها فينا .. وإني كما أحبها آمل آمل أن تكون هي أيضاً من طيّبها علامتي على رضى ..
صديقي العزيز ..
الآن أعلم أن كلّ شيء مرهونٌ بالرحمة ثم بالفكرةِ تجاه الإيمان ثم بالرّغبة الملحّه لذلك الإيمان ثم باليقظةِ فيه ثم بمحاولة فهم جوانبه ثم بمعالجةِ أجزاء نفسك التي لا ترتضيه ثم يكون العمل عملك والطريق طريقك لتتركَ منك ومن فكرتك الأثر، كان ذلك في محيطك أو في كتابتك أو فيما تتلقى وتكون ، حيث تبقى فكرة الإعمار صافية دائماً في ذهنك وقريبة إليك من نفسك وواجبةً عليك منك كشُكرِ وجود ..
أرجوا يا عزيزي أن تجدك هذه الكلمات وأنت على أفضل حال.. ابقى دائماً بخير، وعلى عهد الحياة.