الحياة .. قصّة، الأيام حكايا مطويّة داخل تلك القصة الكبيرة التي تنقسم لفصول ومراحل، تهمنّي الصفحة الواحدة، يعنيني اليوم.
لأجل الأيام السيئة قبل الجيدة كتبت وسأكتب، ليس محاولةً مني للتجاوز فحسب، بل إيمانا بأن روحي تكون أسطَع حينما يخيّم عليها ظِلال محنة ما، وخوف أو خجل…
أكتب من أجل جميع الذين يشعرون في هذا العالم… لنا نحن البشر الذين قلما نجد الكلمات المناسبة حال بزوغ أسمى مشاعرنا، في الصمت بعد الحديث الطويل الشافي أو الدعاء المسلّم للسماء بعد استطالة الظلم، ولدفء العائلة أو للحظة التقاء العينين في مطافٍ لا يُفسّر، تلك بعضاً من مدارات الشعور التي لأجلها أقدّم نفسي للكتابة كل يوم، على طبق من توجّهٍ كامل، أفضي للخيال وألجُ بوّابة النفس وانطباعاتها مما رأَت، فأجدُ مالأجده في أي انعكاس في هذه الحياة، أجد نفسي، رجفة شعوري الحقيقيّ، ألقى طفولتي، وأحتفي بدمعي… ذلك الدمع الجليل الذي يصاحب كتابة أقصى مافينا من حقائق كانت مجهولة، وأشرقت فيها نور الكتابة…
ثمّة أمور أخجل من قولها بالصوت العالي ومشاعر كبيرة قد أصونها عن الظهور خوفاً من دويّ انفجارها الذي يخصني فحسب، يخصني وحدي وقد لا يدري به أحد، لذلك لربما خرجتُ من رحم الكتابة .. والدتي التي أُهديها جميع كلماتي وكلّ جهدي الذي حملني إليها منذ وعيي الأول مع ما تجلّيه النصوص فينا، مايبدله الأدب في نفوسنا، مانكون قادرين عليه من رسم خيال لانطلاقة فكرة، فكرة قد تكون بسيطة، جملة واحدة، ندندن عليها طيلة حكاية اليوم، وتطرأ أو قد لا تطرأ كفعلٍ ولكنها تكون كوحيٍ مُطمئن، كانطلاقة عميقة، كسرّ نحتفظ به بيننا وبيننا، منا وإلينا.. وذلك الذي أحبه في الأدب؛ أنه يحركك بشكل خاصّ ويدخل عالمك الكبير، عالمك العميق في وحدته حتى ولو جاورك جميع البشر أو احتفى بك الناس، وحده الأدب قادرٌ على مخاطبة الفؤاد والتغلغل في صوت الروح، حتى يبنيك أو قد يتبناك…
أنا ابنة الأيام، وطفلة حياتي وسليلة جميع الآداب التي غيرتني وأثارتني أو أثّرت عليّ؛ من واقعي أو من وقائع الكتب التي أسمّيها أسفاري من حيث أكتبُ حياة شعوري وأعيش على وقع الحكايا في قراءاتي أو في واقع علاقاتي، وأصنع منها أياماً من الكتابات.. أسلّم نفسي للكون كأداة، أُقبل عليه فيعطيني ولا يحبُس الكلمات عني ولا يبخل بها.. ولأجل كل الذي كان من سيل، وبحسبِ مايمليه عليّ شعوري العميق بجدوى جميع الذي قد كان لي من كتابة على مرّ سنوات، سأبدأ من هنا -ومن جديد-. سأكون حقيقيةً أكثر حيث عثرت على نفسي في كل تلك الضوضاء، هدفي هو أن أبقى حقيقيةً لما أحسّه، وأن أتبنى كلماتي كمصدرٍ لمتابعة الحياة.
من هنا ومن جديد: مرحباً يا أصدقائي …