كنت أرى دعواتي تشرق في الصباح الحيّ؛ وأبتسم، سبحانه .. سمعني وشاهد حالي واستجاب ..

صديقي العزيز ..

حين يهدأ الزورق على جال الكلام .. هل يبقى للماء من فُرصةٍ لتقبيلة..!

حين يترنّم عسيف النخيل الصحراويّ على نسمة صيفٍ لطيفة .. هل لبهجة الجذع أن تكون أوسع؟

حين يُفصح المحبُ عن قدرِ المحبة، هل للنور أن يكون أكبر ..!

حين تتداخل الأصوات الوتريّةُ بعذوبة؛ وتنساب كما لحنٍ واحدٍ وتجعلُ مافينا يتحرّك، هل يبقى للماضي أو الآتي من وجود ..!

حين ننغمس في باطن الحياةِ كـ حَب النوى، ثم يسقينا كلُ ساقٍ ولكننا نعلم أن ماء السماء أنمى لذواتنا وأقدَر؛ فنحجمُ حتى يأتينا الغيث؛ هل يتبقى بعد اليقين منّا من خوف ..!

حين ندخل أوكارنا في الكلام بوعي حجم المسافة بين الحقيقة والخيال، ثم نولّدُ ألف معنىً ومعنى؛ هل يبقى حينها من يأسٍ يُعجزنا ..!

حين تكون الأمانيُّ بحراً على هامش الفكرة والغروبات مواطن وقوفنا على أطلالها بالخيالِ القريب؛ أيقدرُ بعد الله من أحدٍ أن يسلب عذوبة الفكرة منّا ..!

حين ننعمُ بالوعيِ في حالنا ونقترف الحضور على الغياب ونحاولُ السير سعياً بقلبٍ يرتعش من الضجيج ويطمئنّ في العاديّ، هل يبقى لأحدٍ علينا مِن منّ ..!

حين نبني على النفسِ درعاً وورداً وبشرى من الأملِ المتحقق .. أن لا تنزاح عنّا أمانينا؛ يآ رب، حتى تكون ونكون فيها .. هل يبقى بعد ذلك من رجاءٍ أكبر على الأيام يقوينا ..!

صديقي العزيز ..

شعور السكينة بعد الركض الطويل، يبدوا صامتاً ولكنه لذيذٌ بالتذكّر .. أبدوا كمن يعود رويداً رويداً الى منازله وأحطّ على قلبي بحذر .. أتمسك بفؤادي الذي بين يديّ، قطعتي الثمينة من العالم وجوهرتي التي هذّبتها طويلاً حتى تعكسني وتكونني وترتدّ عليّ ..

جسدي ساكن .. لكنّ ملامح الأحلام تلهث .. يسعني القول أن ما بين يديّ من ذكريات بوسعه أن يعوّضني عمراً من الوجود .. ولكن الحال أن الوجود ليس كما التذكّر، ففي حين نأمل أن نكون مستقبلاً رحيماً نجد من وازانا بماضيه، وأغلق عنا دفاتر الانتظار، وتجاوزنا للبعديّ وولّى ..

لكن لا تخشى يا صديقي ..

ها أنا من جديدٍ أعتلي نخلتي، أجني ثمار وحدتي وأجابه الأيام كما يجب لمن يأكل التمر أن يكون، حالياً خالياً محباً للاعتزال وهائماً في دواخله وسماواته، رفيعاً في عوالمه .. 

أتذكرك كمن يتذكر أن لديه روح .. و جُلَّ ما أتمنى أن تجد جذور يقينك من جديد .. أن تتذكّر المعنى وتلزم الحقيقة في الصعود ولا تنسى شيئاً قد كان لك أن تتذكره .. أنلا تنساك .. واحذر أن تصدّ عن قصتك محاولاً أن تبني من جديد .. العُمر يا صديقي يكون بقدرِ اعترافاتك كلّها، لا تخشاها بل اخشى أن تثكلك، أو أن تغرق فيها طويلاً .. واسبح بهدوءٍ حتى لاتفقد مجدافك، جدّف بين الرجاء واليقين، الرحمة والتجربة، الحقيقة والخيال، النسيان والتذكر .. لتتموّج الرحلة في بحر هذه الحياة على أمل أن نقابل برّ أماننا بعد عُمرٍ جزيل ليكون لنا الساحلُ ارتماء من واجه وقدّم وأقدمَ حدّ الراحة الأخيرة، الرجاء الأكبر ..

حتى نكتبَ بعضنا من جديد .. أرجوا أن تبقى بخير ..

أضف تعليق