: وماذا كان منك ؟

-مرت جميع العواصف .. وبقيت هادئة. وملامحي تشهد على حجم هدوئاتٍ مضت.

وفي اقتباسٍ لفضة من رواية ثلاثية غرناطة وهي تقول لعليّ :

“أحياناً أقول إن الحياة تقسو بلا معنى ولاضرورة، وأحياناً أقول حظنا منها، وإن ساء؛

أقل قسوة من الآخرين، أقل بكثير.”

مرحباً أيها الصمت .. أحييك من مكامن السكون، تاركةً للكلمات أن تتفكّر بك اليوم، وتنساب معك ..

أشهدك .. تحلّ أحياناً كصديقٍ حنون، وتقسو أحياناً كعدوّ حين لا نطيق مجالسنا .. ومعك بيننا وبين ذواتنا تكون حكايا، 

هنالك صمت السيارة حين تحملنا فكرةٌ ما،

وهنالك صمت الاستحمام حين يغمرنا الماء

وهنالك صمت ما بعد الركض أو أداء الواجب اليوميّ وهو صمت عذب مغمورٌ بالهدوء ومغموسٌ بالجزاء العذب

هنالك صمت الألم حين لا نستطيع الردّ على قليل الذوق

وهنالك صمت النغم حين يُطرى أعزّ مانملك

هنالك صمت مسافة التفكّر في الجلوس بين صديقين بعد حديثٍ عميق،

وهنالك صمت اللحظات الأولى من مقابلةِ شخصٍ جديد؛ صمت مربك..

وأجودُ أنواع الصمت بل وأحبها إلى قلبي وما يكون عبادة، هو صمت التأمّل والخلوات .. حين تكون العين غنيّةً في نظرتها للملكوت والسماوات، فتتخدّر معها للحظة قدرتنا على الحديث وتسكن معها جميع أصواتنا الداخلية ويحلّ محلّ الصمت السكون ويطفئ في حضرته كلّ فتيلٍ من مشاعرنا المشتعلة مبقياً للهدوء حقّه بالتبدّي .. لنكون ..

أزعم أني أحبك أيها الصمت .. ذلك أني أحضى بالقليل منك خلال يومي، ولربما يكون مدى العذوبة ذاك يأتي من مقدار الشُحّ فيك، فبعض الأشياء في حياتنا جوهريّة مزاجنا في حبها تأتي لأنها نادرة. 

لا أحاول أيها الصمت أن ألقى إجابة، إذاما كنت جميلاً أو زائراً خفيفاً أو ثقيلا .. ولكنني أعلم أن ثمين الأدب وعظيم الأفكار وغزير العلوم وما وَصل إليه بشر، وماسيصل ؛ جاء كإرث من باطن الصمت وحسن الإستماع لحفيف الحياة ، فالتفكّر ..

ففيك ومن خلالك نستطيع استماع أصوات كما لو نسمعها أول مرّة كما لو نحيا لحظتها أوّل مرة .. أتذكر ما قد قيل لصديقٍ مستوحش في مكانٍ جديد، أن يعيش يوميّات أصواته كبدايةٍ للإستيطان، فالأذن تستوطن قبل العين وتألف مكانها قبل الجسد من خلال الانتباه ..

صوت فتحة الشباك في بداية يوم، صوت صفقة جناح الطير، اختلاف تغريد طائرٍ عن طير، عوادم سيارةِ الجيران،

الهواء على الأغصان، صوت القطط، صوت ذبابةٍ عابرةٍ في نهار، صوت المدفأة بداية إشعالها 

صوت مدرسة الأطفال، أصوات أقدام تمشي، أصوات متحدثين أغراب عن لغتك، وانسياب الكلمات فيما بينهما

صوت الصباح، صوت الأصيل، صوت شجرةٍ يعود الطير لأكوارها عند الغروب، صوت الليل، صوت إغلاق الشباك في نهاية يوم ..

للحياة ياصغيري فنون ، وبعض تناقضاتها تكمّل أغنيتها التي تبعثها كلّ يومٍ بين يديك ، كما رقصةُ الصمت والصوت .. 

أرجوا أن يكون صمتك تفكّر، وحديثك نغم .. وأن تستوطنك جميع الأمكنة حيثما تألف أصواتها لتكون لك الخيار الأحبّ والرحيق ذو النعمة المُطلقةِ وأن تكون بخير ..

أضف تعليق