وما زلت يا صغيري على قيد النبض وعهد الحياة، أعدك أن أكون حاضرةً في أيامنا كلّها ..

وأنا يا رب ..

لست خائفةً من تقطّع الأحبال أو الأوصال .. أنا خائفةٌ من هذا الشعور الذي لاينطق، وذلك الغضب الذي لا يضجّ وتلك الذكرى التي لا تُنسى

أنا خائفةٌ من حجم الخوف الذي يمنعني من تلقّي سُلّم الأقدار والحياة كما يكون، أخشى أنني أعرف التذكّر أكثر مما أتقن العيش .. 

ونعم ياصغيري .. فلقد أحببت الحياة، أحببتها بشكلها العميق .. وكنتُ فيها ومن خلالها دوماً معي .. لذلك رفضت لها أن تعبر ولا تتوقّف .. كنت أريد أن أتذوقها برويّه، أستشعرها، بجميع بواعثها

ولقد تقدم بي الزمن لأرى أن الحكم عليها من خلال الأيام وليس المراحل، حكمٌ جائرٌ وسريع .. وأنها، وأنها تدور وتدور ..

يا لدوارنها الذي يشعل النار فينا ويخمدها ..

يا لانقلاباتها التي تكون حليفنا يوماً وعدوّنا في أيامٍ أُخر ..

يا لضياع النبض في لهاثِ عُشاقها ..

يا لغدرها وكرمها، حذقها وبرائتها، تعاستها وأفراحها ..

يا لضجيج أحلامها .. يالصمت مقابرها ..

وإني يا صغيري لست أسأل من تخلّى أن لماذا قد سمح لموج الحياة أن يهبط على وعوده فينساها، وشخوصه فيتركهم، ويفرّق فيما بين يديه أو يُفرّط .. الراحلون يا صغيري هم ودائعنا فيما تركنا فيهم من اختلافٍ وإئتلاف، فيما شعرنا حولهم وتركناهم يشعرون، هم لحظةٌ من لحظات انعكاساتنا في هذا الزمن بفترةٍ ما، لنبقى في ذكرياتهم للأبد ..

وأخيراً ..

فمادام في العمر من تقديرٍ لا نعلم له نهاية، فلكلّ هذا الوقت مقادير ستصبّ في بواطن إدراكاتنا من حيثما لن نعلم كيف أوصلتنا إلى فكرتنا المطمئنّة أو أودعتنا إلى أسلوب عيشٍ يشبهنا أو جعلت منا شخوصاً أفضل، وكلّما أقبلنا عليها بوجهنا الصافي أصدّق أنها ستصفو لنا وحدنا وسيعلم الله بأيّ صفحةٍ من هذا القلب نحن نحاول ونجاهد أن نكون .. وحسب اجتهاداتنا عند الله نكونُ

وبشكلٍ ما، تستعيد الحياة يا صغيري في عينيك رونقها .. ذلك أنك حال الضيق لم تحاول تعديلها، كنت معها حينما كانت تخوض فيك نواميسها، شاهدتها تسري فيك ولم تقاوم ضبابها الذي غشّى عن عينيك رؤية ما يجدر أن يكون، وفي ذلك الضياع المهيب البارد تولدُ من أعماقنا رغبةٌ مُلحّةٌ لمقاومة ما كُنا نرفضه؛ كلّ ألمٍ يقوّينا ..

وأنا يا صغيري لا أعلم ويعجبني جهلي تجاه التطرّف والإطلاق .. تجاه معرفة الشراسة، تجاه أن تخاض الحياة بالمؤامرات والمعارك، تجاه أن تُحبس تلقائيتنا في سبيل تحقيق أذىً على صعيد النفوس .. هي النفوس يا صغيري التي أخشى كشفها للحدّ الذي أترك لها أن تتوسّع في ساحتي أو أتوسّع في ساحتها حدّ أن تكبر الهُوة فنعود غرباء ..

أحتمي دائماً بمسافة الأمان الفاصلة .. حتى يُعرف الحد، وتتقن الراحات، فبين المقاصد والكلمات تختبئ دائماً نيّة البلاغة، وبين الناس وألسنتنا فيما نحدّثهم تخبوا نيّة الإحسان أو الضرر، والله يا صغيري من فوقنا عليم ..

الروح تتجلّى كلما رقّ مطلوب القلب وارتقت فينا غايات عقولنا عن سفاسف الأمور؛ تكون حتى ذكرياتنا تجاه ما قد حلّ سليمةً من الأذى، لن تقوى فينا ذاكرة الألم بقدر ما نضفي عليه من المعنى ليكون كما مرحلة، وأسمى آلامنا ما يأتي لنا بالرسائل الخفيّة ليخبرنا عن ذواتنا وما نستطيع .. وما أكبر ذلك المدى فيما نستطيعه من وحي الروح يا صغيري، بدأ بها الله في الأنبياء واختتمت في تكليف البشريّ البسيط على أحوال دواخله وأمره .. وتلك الأمانة هي غاية الغايات حتى حينما نودعها إلى الرفيق نؤتى نتائج جهدنا وجهادنا الداخليّ بالجوارِ أو العقاب .. 

أرجوا أن يكبر فينا يا صغيري إيماننا للحدّ الذي يجعل نفوسنا  تهون وكبريائنا ينكسر وعجلتنا تستطبئ وحكمتنا ترتقي وتدوم ..

كن دائماً بخير يا حبيبي ..

إلهي .. تقدست وتعاليت 

فارغين، إلا مما تسمح لنا بحمله 

وتائهين، إلا مما تسمح لنا بإيجاده 

ومهمومين، إلا بما تطرحه من أكتافنا باليقين ..

اللهمّ إنا حائرين فدُلنا ومتخوّفين فأرشدنا وضعفاء لا نرجوا أن نتقوّى إلا بجنابك وحسن رعايتك ..

أدعوك .. أن تُظلنا من حرارة التيه وتدفئنا من صقيع المشاعر وترتّبنا في فوضى الحياة وتؤتينا منها

ما تراه لنا الأخير والأنسب وتجعلنا فيها وعليها من الحامدين فضلك السائرين حسب أمرك المجيبين لدعوة أنبيائك بالتوحيد لك .. لا إله إلا أنت.

الخَلف في نفسك وعملك عليها هو حين تفعل بك الاشياء الصغيرة كلّ مالاتفعله بك عظيمة الأثمان 

لتعود وداعة بسماتك للخروج على ليل وهدوء وسماء وكوب شايٍ معطّر .. هناك حيث لا شيء أثمن من حرّيتك، من روحك في سماءٍ لا تطولها مداخلات الأشقياء 

غريبةٌ هي النفس يا صاحبي .. ففي حين يُسهمون بكلّ الثراء أجدني كلّما وجهت وجهي شطر السماء؛ سَموت وزاد ألَقي واتساعي وتفتّحت أسراري عليّ بشوق وحضور .. أعرفني كطفلةٍ امتلأت فيها الحياة وامتلئت هي بالحياة حدّ أن صار الشقاء صدفة، والسكون سِمه ..

أعلم أن الأشياء لا تسقطُ في عوالمنا عبثاً، والشخوص وملامحهم لا يُقدّرون علينا بشكلٍ عابر بل توزن الموازين وتنصبّ الأحداث في حالنا صبّاً دقيقاً ولو كان على نفوسنا كثيفا .. دقيقاً بالمقدار عميقاً في الأثر سماويّاً في التنزيل .. ونحنُ القالب لقدرِ ربنا نتشكّل كيف يشاء، نتسع أو نضيق نتقدم أو نتأخر نخطئ او نصيب .. لا نزال نحمل المكتوب بما في وسعه أن ينبت الأرض ويجريها في سواقينا كيفما أراد ..

ولا أعلم لماذا أن كلّما تقدّمت وتكشَف لي المخبوء زاد أمَلي في الخفيّ وزاد عليه اتزاني رغم ظلام الرؤية ..! أولا يزال الإنسان يبتغي ويأمل من هذه الدنيا ما يفوته حتى لو رضيَ واستقرّ وشبع بكلّ جوانبه فيما بين يديه؟ أليست الفرص ذاتها هي ما يحيينا تجاه القادم ؟ أوليس الله سبحانهُ قادرٌ على شقّ الظلام من كبد الحِلكة واستظهارِ النور ، كلّ يوم ..! أوليس الذي تكون النفسُ بين يديه بقادرٍ على أن يُحيي فيها ما فات ويعالج ما مضى ويرتِقُ المجروح منها ويداوي عضال أمراضها ..!

لذلك فالأمل هو سرّ الإيمان  .. الأمل الذي قد يبدوا حالماً في مواضع، وطفولياً في مواضع أخرى وسريعاً عجولاً متخبطاً في أكثرها .. هو ذاته الإيمان أن ما يؤذينا يدفعنا للأحسن وما يشقينا يعلّمنا وما يكسرنا يقوّي عظامنا وما نحسّه يلامسنا يزيدنا تعلّقاً بكلّ ما هو إنسانيّ، حقيقيّ ويجلبنا للحياة .. الأملُ في النفس والحال والمئال .. الأمل في سير الإيمان وزيادته ومضاعفته .. الأمل أن الحال ستكون أحلى وأطيب .. وأن الله قادرٌ على أمرنا، علّامٌ بمن وهب ولمَ وهب وكيف يهبُ للمحتاجِ دقيق أمر حاجته وعذوبة تفاصيل مراده؛

ولو بعد حينٍ يا صاحبي .. ولو بعد حين ..

أضف تعليق