Wed.. 5.April.2023
14.Ramadan.1444AH
حين يتم مشاهدة التجارب عن بعد، لا يبقى لكينونتنا مكان فيها بقدر ما يبقى للدرس المستفاد حجماً بحجم الذاكرة، تلك التي تسعفنا يوماً وتخوننا أياماً أُخر..
أتذكّرُ من قد قال لي إن العيش من الذاكرة أعزّ وأبقى في حياتنا اليومية، وأتذكّر أني قد تسائلت يومها كيف للإنسان أن يرضى بمحصّلةِ ذكرياتٍ عابرة ويتغافلُ عن كونه ابن اليوم، فالمرحلة ..!
ثم ابتعدَ أحبابي .. وقد غرّبتنا هذه الأرض،
لأتذكّر تماماً ذلك القول .. فبجعبتي ذكريات عن ذات الحُب، تشعرني بالرضى أني قد جرّبت احتماله على الأقلّ يوماً وأنه كان عذباً صادقاً شفافاً لطيفاً وأتى على مقاسِ قلبي ومايستطيعهُ من محبَة، هنا تكون الذكريات صندوق رضى لا مرجع مطمع ولا بؤرةً للأحزان .. هي مُحصّلةٌ تذكّرك، أنك ولو يوماً ما .. قد جُذبت من طاقته وانجذبت في مداره وحامت روحك بخِفّةٍ حول كوكبته وسكرتَ من دوّامته ..
سترضى حينها ولو كان الذي بقي لك منه مجموع ذكريات، سترضى لأنه قد كان لك، وقد كنت فيهِ ولم يكن من الخيالِ بقدرِ ماكان واقعاً بأحاسيسك،
صرت بعده تعرف اللين، تُرك قلبك الذي أحبّ ومال، صرت تعذرُ المُحبّين، صرت ترى ذنوب الحُبِ بنور البصيرة، صرت تعرف الضعف الإنساني تجاه ميل القلب وجنوح الخواطر، صرت تعرف النشوة وخفّة الحب وبهجة الكلمة الواحدة وتغيير حالٍ بالتفاتةِ قلبٍ إليك .. صار قلبك أليَن وطينتك أسهل للتشكّل حين ترى محنة الآخرين، لتعلم بعدها أن الحُب، بعيداً عن نهاياته واحتمالاته، لا يأتِ إلا بخير..
وكم أحب ياصغيري جموح الخيالِ حين يحاول تقريبنا إلى فكرةٍ مطمئنة .. كم يسدّ الثغور ويبني الجسور ويرممُ الجدُر، يقطع قصص ويثبّتها بأُخرى ليخبرنا أننا سنكون بخير..
وسواءً كُنا أبناء اليوم بذاكرة الأمس ، أو أبناءً لأحلامنا وتجاربنا الجديدة .. يهمّني ويعوزني أن نكون دائماً: (نحن)، بقدر ما لتلك الكلمة سبقٌ فينا، بقدر ما سنحاول معرفتها وكشفها ودراسة أطوارنا فيها،
مهما ساقتنا جميع أقدار الله وسَعةَ إمكاناتنا إلى مالم نتنبأ يوماً؛ الأهمّ أن نسكُن لمن نكون.
Thus.. 13.April.2023
22.Ramadan.1444AH
مكة كمدينة، مختلفة في زوايا الرؤية ومواطن النظر.. هي شيء لمن يقيم فيها، وحكاية لمن يتمناها، وأمرٌ مختلف لمن يزورها..
الذكريات المكيّة التي تزاحمني حينما يطرأ ذكرها كمكان، كثيرة ومتفرقة ومتنوّعة من حيث لا تشبه تجربةٌ فيها تجربةً أخرى .. مكة متعددة بعدد الوجوه التي تمرّ عليها والشعوب التي تسكنها والوادي الذي يحمل جبالها، تضيق بقدر شوارعها الملتوية وتتسع بحجم بقعة الحرم الذي يكبُر كلّ عامٍ معنا وكأنما نصغُر..
لا أستطيع الإلمام بحجم الكعبة المشرّفة، ولكنها في عينيّ ومن فوقها السماء بملائكة البيت المعمور تشبهُ القبلة والبوصلة التي تهوي إليها أفئدة المسلمين حول العالم .. لها طاقة جذبٍ عميقة ومواطن سلام يتوسطها الدفئ الغامر .. تدور حولها فلا تحسّ بالدوار بل وكأن المزيد في هذا الحال يشفي .. وكطفلٍ إكتشفَ للتوّ مركزيّة جسده فحام حول ذاته دائراً؛ تكون الكعبة لقلب المسلم .. علامةٌ وهَديٌ وقبلةٌ وهُدى .. عندها نحن دائماً نصل. لبقعتنا المكتوبة حسباً في هذه الدنيا .. ولولا الزحام العميق لوجدت من يجلسون بلا مللٍ للارتواء بدهشة المشاهدة..
الحرم الطاهر يصبّ في اتزاني صباً كأنما يعلم حجم الوجوم الطارئ على قلبي، يحرّكني ويهزّ مسلّماتي ويوقظ شيئاً في نفسي لا ينطفئ .. يساويني ويعيد قصّ احتمالات غروري وتشذيب مطامعي فألتحم مع روحي اتحاد المحبوب بعد طول غياب، يفترش الأرض ويقبّل الأرجل ويبارك الخطوَ ويتقرّب بالفصاحة ويميل هياماً بالفضل المُعطى سَلفاً والفضل المنتظر .. فيحاول مع حسن الظنّ الشكر على الحالين قبل واثناء وقوعهما في أرض نفسه..
لا نتخيل حينما نجاوُز حدود الحرم ونشاهد وعورة هذه الأرض أن من خَلفنا رقعةٌ مقدّسة في وادٍ يغيب عنه الزرع في أرضٍ لا تشبه فلات العروبةِ وصحاريها ولكنها تشبه جميع المقدّس الذي يريد له الله أن يكون..
ها أنا أنتِ يا مكة .. ها هو جسدي يتسامى فيكِ ويقشعرُّ تارةً ويستقر .. آتيك بحجم جميع القصص التي تذكرين وكلّ المقدّس الذي تكونين وحجم الروايات التي تكون على أرضكِ والشعوب التي تطأكِ، آتيك إحساساً وقلماً قبل أن يمسّ جسدي بركتكِ ..
ضمّيني بالدهشة واغسلي قلبي بالدمع وباركي خطويَ إليه بالقبول وكوني لي منك على نفسي من المبصرين .. واحمليني خاليةً مني إلا إليه.
Sat.. 15.April.2023
24.Ramadan.1444AH
يقول محمد الفيتوري في ياقوت العرش :
“ياقوت العرش ..
دنيا لا يملكها من يملكها ، أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها ، ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظن الأشياء ، هي الأشياء !
تاج السلطان الغاشم تفاحة ، تتأرجح أعلى سارية الساحة
تاج الصوفيّ يضيء على سجادة قش
صدقني يا ياقوت العرش ، أن الموتى ليسو هم هاتيك الموتى
والراحة ليست هاتيك الراحة ….”
ويذكر رسول حمزاتوف في داغستان بلدي :
“تحدث أحياناً بين المتزوجين حديثاً مشاجرات. في مثل هذه الأمسيات يأتي أصدقاء الطرفين، وعلى الأخص أصدقاء الزوج، إلى تحت نوافذ البيت ويأخذون في العزف على المزمار. وأنغام المزمار هذه تجعل الزوجين الشابين ينسيان خلافاتهما الصغيرة.
وأنا أيضاً كان لي صديق طيب هو المصور والموسيقي أمين تشوتويف ، وكثيراً مااضطر في سنوات زواجي الأولى إلى أن يأتي ويعزف تحت نوافذي.
أي أمين تشوتويف، لماذا لا تأخذ كمانك الآن وتعزف تحت نوافذ العالم لتخمد نزاعات عصرنا فتهدأ؟
كان لي في إحدى لقاءاتنا في شيكاغو نقاش حامٍ مع زميلٍ أمريكي. كان النقاش قاسياً، لاسبيل فيه الى الاتفاق على مابدا ، لكن الأمريكي قرأ فجأةً فيما بعد أبياتاً لأخيه الذي فقده في ألمانيا أثناء الحرب الأخيرة. وأنا من جهتي قرأت أبياتاً لأخي الذي قتل هناك أيضاً وفي الوقت نفسه.
فهدأ نقاشنا ولم تبقَ إلا أبيات الشعر. حبذا لو أننا نذكر قَتلانا أكثر، ولو أننا نلوذ بالشعر وبالأغنية أكثر!”
وبين صوفية محمد الفيتوري السودانية وسلاميّة رسول حمزاتوف الداغستانية، وعلى مفارقة الثقافتين رغم شاعريّتهما، كان لديّ ميلٌ لأن أتذكّر أن الإنسان هو الإنسان كما أن الأشياء ليست هي الأشياء من منظور الفيتوري..
تأمّلت طويلاً وبخصوص الأحداث الأخيرة في عالمنا العربي، رجوع سوريا وزعيمها ارغاماً وأحداث السودان اليوم التي أجهل الكثير من أسبابها سوى خوفي من الدم ووقوفي مع الشعب في كلّ حال.. أشعر أنني بحاجةٍ للإعتذار.. من كلّ طفلٍ عرف الموت بأقسى أشكاله وتعرّف على الظلم قبل أن يرى معنى الحرية والبهاء والحياة البسيطة والشكل الطبيعيّ للأيام أو للطفولة..
أشعر بحاجةٍ ملحّةٍ أيضاً للإعتذار منّي، فرغم جميع ما أعرض له نفسي من الشعر والأدب وقصص التنمية وبرغم حساسيتي تجاه الشخوص والناس، لا أزال أصدّق فيمن خذلني وأحاول أن أتلمّس الطيّب في الخشنِ والناعم خلف الخُبث..
أيستطيع الإنسان أن يعود رغم القسوة إلى إنسانيّته..! هذا ما يفعله التصوّف فينا يا صديقي.. يعيد الروح إلى مكانها ويرتّب القلب ليكون الله هو الواحد المعبود الأوّل، وما دونه هباء..
وبشكلٍ ما ترتبط الصوفية بأقسى تجارب الإنسان من القتل أو الحرب أو الموت، لتجد الرهافةُ دائماً بابها المفتوح ولو على طرف بين قطبيّ أعتى مالا نستطيع احتماله وأكبر ما بوسعنا أن نناله من وحي الروح على خواطرنا المحمّلة بالكسور الدنيوية التي ما إن تأتي الحقيقة حتى تنخل منها الكثير وتُبقي ما له فينا أثرٌ حقيقيّ،
عن الأثر يُحمد دائماً خفيف الخطى بليغ الأثر، ولكن كيف يأتي للخطوةِ أن تبقى على أرضٍ رمليّة إذاما خفّ وجودها؟ وكأن ثقل الخطوة ياصاحبي يكون موازٍ لمدى عمق الأثر، ثقل الجروح موازٍ لتعميق تجربتنا الإنسانية، ثقل التجربةٍ موازٍ لتعلّمنا للدرس، وثقل الدرس موازٍ لعمق حصافةِ العلم الذي نحمل وامتيازهُ بالتجريب عن الكلام؟
ما أحاول قوله ياصديقي أن لقسوة الظرفِ أن تولّد لدى الإنسان روحاً شريفةً في دوافعها تبتغي أن تقاوم، بعيدةً عن الأسى المرهون بسهولة كلّ ما قد يكون حولها..
قد يكون أقسى ما قد نواجه هو تبرير وجودنا على هذه الأرض.. قد يكون أقدس ما نواجه على حدٍ سواء، هو تبرير وجودنا على هذه الأرض..
الشعرُ والأدب، الحساسية والكلمات، التصوّف والحرب، مبتغى الدنيا أو الآخرة.. جميعها أمور يا صديقي متعلّقةٌ بالمبدأ والبوصلة، فيها يُفرق أمرك إذاما كانت لك منها دوافع محمودة.. وعلى عكسها تنكصُ دائماً على قدميك خاسرا ولو أعطتك الدنيا جميع ألقابها..
لا شيء في الأدب يوازي صدق القلب في حضور الكلمات حتى ولو أبكتنا ولا شيء في المعركة يوازي صدق قضية الجنديّ في قلبه حتى ولو مات ولا شيء يوازي في خلوة الصوفي نقاء حبّه لربه حتى ولو فنى.. جميعها تتعلّق بنقاوة الدم وصدق الدوافع؛ فإذاما أهداك الله يا صديقي حياةً تتحلّى بالصدق، فبعيداً عن أيّ ظروف، ستكون بخير؛ لأن قلبك سيكون بخير.