وعلى جانب الارتقاء والمعرفة، فقد ساعدتني الكتابة .. كشفتني وكشفت لي نفسي .. أخرجتني من صمت أصواتي الى صوت الكلمات وبلّغتني رحمة الله بي .. استطعت من خلالها أن أوثّق مشاعري بل وأياماً كثيرة؟ أستكشفها .. أحببتها كما أحببت من خلالها وفيها نفسي، وسقيتها كمن يسقي نبتته المفضّلة بحبٍ وحذر .. وجاريتها كصديقةٍ لا كمهنة ورعيت لها شواهدي وأفكاري كراعٍ يعدّ ماشيتهُ ويحرسها قبل المنام وبعدهُ كلّ يوم..

وإني أحبّ أن أضع من نفسي قطعةً في كلّ من أحبه والكتابة كانت وتكون لي مصدر حبّ وعطاء.. 

ولأنّ الرحمة واسعه فطريق التنقيح في سبيلها فسيحٌ وواسع وشامل يُعنى بإيمانٍ عميق خالص بالنقاء رغم وجود جميع الانكسارات المتواترة والآلام المُضنية والظروف العصيبة .. إن القول بحياةٍ تخلوا من شوائب حُلمٌ يستطيب له البشر ولكنه ليس بواقع يُعنى بحقيقة الناس أو أصل الدار الدنيا..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته.. 

وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا..

إلهي .. 

تجمّلت في معيّتك الأحوال والآجال وتحسّنت في وجودك الآمال والأقدار وعظُمت منك وفيك وإليك الصفات كلّها .. اجعلنا يا رب على بابك من الواردين وإلى طريقك وطريق حبك ومن يحبّك من السائرين وإلى درب النور الى العقل من المُقبلين وجمّلنا وجمّل حالنا فيك ومنك يا رب العالمين.

الحمدلله،

ليست هي كلمةٌ نقولها فحسب، بل هي شعورٌ يرقع كلّ ما قد حدث بالقلب لتلين من دواخلنا كلّ الجوانب التي جفّت وتهدئ فينا جميع أفكارنا المرتعشة..

الحمدلله،

لأننا نختار جانب اللين وننحاز لأن نكون من المحسنين وأنا نحاول أن نبقي على أفعالنا البياض حتى ولو كان ما أمامنا أسود .. الحمدلله أن الفِعلة الطفولية من أمامنا لا تجد لها صدىً بالقلب، ولأن التوكّل يطبب كلّ جروح اليوم ، لغدٍ أفضل..

الحمدلله،

أننا لم نكن يوماً لنختار البُغض، وأنا نحاول بالمحبة ما استطعنا، راجين منها التقريب مجتنبين من خلال مفهومها الأذى ميّالين لأن تكون قلوبنا بيضاء، ساميةً كما نهار..

الحمدلله،

أن المُحب يجدُ طريقه إلينا في نهاية الأمر، ليس لأنا نحاسبُ بل لأن لنا من الإكتفاء ما يجعلُ حولنا مناص هدوء من هذا العالم الصاخب..

الحمدلله،

على اللحظات التي قد بنينا فيها، وعمّرنا منها ففتحت لنا الفرج وملئتنا بحشودِ مواساةٍ داخلية في كلّ صعبٍ عظيم.. 

الحمدلله،

لأن الذكريات تساوي على قدرِ ماضيها روعة الأمنيات القريبة وأنّا على دين التوكّل أن لا يزال القادم أجمل..

الحمدلله،

جلسةٌ في خلوتك العزيزة على نسيم ربيعٍ يحلّ وسماءٍ محمّلةٍ بالغيوم، وليل .. تجلس فلا تنتظر أن تمسّ قلبك أو تجرّب صوتك أو تتلوا قصيدةً قد تباركك بالحديث، لا لا، لايستدعي الأمر كلّ هذا، لأنك بمجرّد الجلوس ستسمح لطفلتك أن تلفظ قولها وتبدأ شكواها التي قد حجبتها وأمسكتها عنك وصبرت على نضجك وقتاً طويلا..

تضحك في البداية لرِقّة الأشياء الحزينة، لعُمق أنك تعرف أسبابها، تبكي لأن الفضل قد كان أن مفاتحك بين يديك، فتخشى وتخجل وتطالع السماء بصمتٍ ودموع، وتسترجع النعم..

أن لا تدوم الأشياء .. هل يكون أسوء أو أجمل ما قد يحدث ..! ياالله .. هذا القانون من الزوال موشّحٌ بالرحمة على قدر الألم..

للعبور أن يجعلك سعيداً بالخِفة، وله أيضاً أن يملئك بالحنين، وله أن يحجب عنك الصدق فيما تشتاق إليه .. فنحن حينما نتذكّر؛ تجدنا نلتقطُ أسعد ما قد كان وننسى أن الواقعَ في واقعهِ كان يحمل من الأنواءِ الخفيّة شعوراً داخلياً ما، فليست الذكرى هي كلّ شيء .. انما القادم، الأمل فيه، الركون إليه .. كم يكون شعلةً يملئ القلب لكشفها..! 

الفضول .. الفضول تجاه الحياة يا صغيري هو السلعةٌ الجيّدة اذاما كنت ستشتري يوماً من سوق الدنيا قطعةً ما .. املأ فيها جيوبك وتسائل حول القادمِ وتوكّل.

أن أسطع مع ذهبيّة الشمس كلّ صباح .. يا رب..

لو ينزل عصفورٌ في الصباح، ويغرّد على شرفةِ بيتٍ لا تجف من صدره المحبة، بيتٌ صريح ممتدّ..

لو تتوائم فيما تعملُ أو تتراقص من أجل الغير..

لو كانت ترهقك الطرقات الخدّاعة..

لو كان العالم، كلّ العالم معك وضدّك..

لو كنت تسيرُ وحيداً أو من حولك آلاف الأشخاص..

ولو طُلت قصوراً أو حملتك الخيمات..

لو شاهدت سماءً بحبيبك أو رافقت الليل على تنويرٍ وكتاب..

لو عانقت جلال الروح أو امتدت بينكما نفسٌ تطمعُ وحجاب..

لو فسّرت وجودك أو ضاعت أسئلتك بين الماذا والمعقول،

لو كنت حبيباً أو كنت صديقاً أو جالست الناس طويلاً ولم تجد المعنيّ أو المشهودَ المنشود..

لو كنت حلمت بالإستطراد وأخذتَ الهامش،

لو تتبَع الحقيقةَ ويمجّدون الزائف..

ستيضع يا صغيري ستضيع .. بعض الأشياء لا تحدث إلا وقتاًض في العمر، أشياءٌ تحمل معنى .. ستضيع إذا لبّيت وتضيع إذا داريت وتضيع إذا جاريت..

يا ولدي هذا العالمُ لا يعني العالمَ وحده.. هذا التقدير لشيءٍ أكبر، تصنعنا الغايات وأكثر، تصنعنا رغبتنا بجلال الصدق، يصنعنا جريان المعنى فينا، يرهبنا أن نعرف أن المعقول سلاحٌ، والعالِمُ فينا يعلَمُ أن الحقّ يغيّب نور الشمس عن العلماء، العالمُ فينا يعرف أن العالمَ يسري لهبوطه، ينتظر الأسوء ممَ يرى ويحاول أن يبقى بين المقبول وبين المنكر ليرتّب كيف يكون لوقتٍ ليس يكونه..

يا ولدي نحن سنسري.. سنخاف ألا يذكرنا الغير، وسننُسى في باطن ذكرى، الأجدى أن نُبقي فيمن يبقى.. 

يا ولدي فلأدعوكَ لشيءٍ أعمق..، 

الأعمقُ أن الحلم الفوقيّ أبهى وأشدُ وأخلَد،

الأعمقُ أن الوحدة تاجُ الإنسان 

الأعمقُ أن الإيمان ضياءٌ وجواب 

الأعمقُ أن الله يرى من خلفك مالا تعرف 

الأعمقُ كونهُ خلف الأبواب، جميع الأبواب 

الأعمقُ أن الحب أكبر من شخصين،

الأعمقُ أنك لن تتلاشى حتى لو أذنبت

الأعمقُ أنك فيك وهذا الموجودُ يريد..

الأعمقُ أن الغاية أكبر مما تشعر فيه،

الأعمقُ أن التسليم تجلّي والرفضُ حجاب..

أضف تعليق