كونٌ كبير .. عالمٌ واسع ، نجومٌ منثوره 

حبٌ ومحبّةٌ وسكون ، شِعرٌ وشعور وتجلّي.. 

نظامٌ محكمٌ وتقادير مكتوبةٌ تفاصيل تفاصيلها لا لغط فيها ولا خطأ وضلال..

أنفاس؛ تترى ولا تُحسّ .. جسدٌ حيّ، حياةٌ في الحياة، شمسٌ وسماء وارتفاعٌ وهبوط وطريقٌ متعرّج وطرق سالكَه..

اختلافات، بشر .. اقصاءٌ أو بُعد نظر .. حكمةٌ وعَجَل، تقديمٌ وتأخير..

مكان؛ نظنّه يوماً المنزل، ويوماً الاعتياد الممل، ويوماً هو المأوى ويوماً هو الألم..

مُدنٌ نشتهيها كما تشتهينا، ثقافاتٌ واختلافات، بحورٌ وجبال..

في حال الحديث عن السيلِ الإلهي مع كلّ جلالٍ نقصده، ثمّة جمالٌ لا يخبو وحبلٌ شفّاف يصلنا دوماً بما هو أبعد من خطوتنا الواحدة، ودائماً ما يكون هنالك ملامح ورؤى حين نراها من ذلك البُعد الغيبيّ من المُشاهدة تأتي على سياق قصص أكثر مما تكون علينا واقعاً، وحين نرى كلّ الأحداث والشخوص كقصص، يتوارى شخصنا في الواقع ونحاول حينها اقتراف التحاليل أن لو قد كان لهم ماضٍ فما ستكون مسريته..! يواسينا جداً حينها أن نؤمن بضعف الأشخاص الجسيم حين يعطوننا مظهر قوّةٍ خارقة، ليس لأنهم ضعفاء في الواقع، ليس لأننا أضعف في الحقيقية، بل لأن البُنية تختلف والسياق يختلف والتربية تختلف والروحانيات تتعدد ولا تبقى على حالٍ واحدة .. وأنا يا صغيري أخذت رهاناً منذ زمن؛ أن لا أتمتّع بالمُطلق .. أن آخذ تلك الخطوة الإضافية حتى أحاول الفهم، حتى أجد الجواب، ودائماً ما قد كان يهبطُ عليّ بفضلٍ ولو بعد زمن.

يقول الشاعر عبداللطيف بن يوسف في شعوره العالي بالشعر مخاطباً جلال الدين:

هل يحدث أن جميعنا نشتاق للمولى، ولا والي هنا ليهدئ من حجم هذا الشوق ويجعلنا نلهو، أم أن المولى أعطَبَ كلّ وجهةٍ لنا فيها دواء ليهدينا لدائه وحده؟ أوليس هو وليّ الشفاء والدواء والطريق..! 

سيكون تأمّل اليوم عن الحُزن.. ملهم الشعراء، دموع المُقدّسين، وَجلُ المذنبين وجلال برائةِ رغباتنا في الطفولة..

تقول شاعرة الاحساء اللذيذة اللغة حوراء الهميلي في “جرحٌ يغتسل عند ماء النبع”؛

متأمّلةً في أن الحزن فيه التقطته تلك الحبيبة .. وحاولت مواساته لتختمها قائلةً:

فهل الحزن من وحي المحبّة..! حين نحب الله نشتاقه فنحزن في دنيانا؟ وحين نحبّ المحبوب نشقى في وجوده وغيابه؟ وحين نحبّ الأولاد يكبرون ونظلّ على عهدٍ مع الحزن في غيابهم والوجود؟ الحزن المرهون بخوفنا الدائم، أو ضعفنا المجبول..؟

أوليس الوجود بأسرهِ حدثٌ حزينٌ على الروح..! أن نتواجد في الأرض بعد ما كانت لنا السماء موطناً والإله لنا نوراً والعبادةُ علينا طريقاً كطبعٍ ملائكيّ لايجوز إلا للسماء..! 

أوَ كان أن أودَع الله لنا الخيَار هنا لنختاره بعد كلّ غفلةٍ ونرجع بعد كلّ ضياع؛ هو محنتنا على هذه الأرض..! ذات الخيار هو هذا الصراع الضائع الذي يشقينا بين ما يريده العجول منّا للتلقّي وما يحتكمه الحكيم فينا للاستبطاء، فاتخاذ النور على مهل، وتجرّع العمرِ كما المرويّ من ندى والاختيار كلّ كلّ يوم بين الأمانةِ أو الترك، الحضور أو الغياب، اللهو أم الوعي، الإيمان أم الكفر، التمرّد أم الطاعة، الشهوة أم التقوى.. والكثير الكثير من الحسم اليوميّ في الحياة الواحدة، وبعد كلّ هذا الإدراك أولا يكون العيش، مجرّد العيش بالرضى فوزٌ حزين؟

هو فوزٌ حزين بطبيعة الحال هنا فحسب .. فنحن وإن علا إيماننا لا نعلم ما سيكون، وإن دخلنا جنّة الأرض بالطاعاتِ فلا نعلم حتى الآن كيف سيكون ملكوت السماوات .. ندعوا بابتهالٍ فحسب.. 

الحزنُ جزءٌ من وجودٍ كامل، وليس المقابل أن يكون الفرح حاضراً على كلّ حال، فحتى في الفرح هنالك نسبةٌ من المجهول والضياع حال الصحوِ من سكرته وتلك تكون أقوى من الحزن ذاته وأكثر وجعاً وأثراً.. ولكلٍّ منا حُزنه الخاص، وعلى اختلاف تفاسير تلك الأحزان وما يقال بالصدمات والتسكين والتخدير والشفاء، أظنّ أن الوجود في حدّ ذاته حزينٌ على الروح، لذلك دوماً تحاكينا الصبا وتلمسنا أنغامُ الناي من أمكنةٍ لم نبلغها من قبل .. ذلك أن لحن الروح على هذه الدنيا حزين..

نهايةً ففي الاعتراف بالحزن شيءٌ من الخِفه وفي فهمه شيءٌ من الجلال وفي رضانا عنه شيءٌ من حكمة وفي تسخيره كأداة شيءٌ من فن.. أدعوا كثيراً أن تكون المشاعرُ فينا دائماً متكاملة، وحقيقةً حتى ولو تعالت الأسباب.

أضف تعليق