نشوة .. حتّام علينا أن نستعملها قبل أن تحترق ..؟

يا وعائات حقيقتي .. إليكِ. 

أتنفّس، فتسري جميع اللحظات الحبيبة، لحظةً مسّت يدي فيها الرمال، ولحظاتٍ خَلوتُ فيها بين النجوم، ولحظة هبطت عيناي فيها على جذع نخلة المزرعة فظللت أرفع أرفع رأسي حتى أبلغُ منتهاها..

اتنفّس، فتبزغ لحظة الخلوّ بالوالدةِ في مساءِ ظهيرة، ولحظة وقوفٍ تحت الشمس بوهج؛ أغمضُ عيناي في استشعار حراراتها، ولحظة أضحك أبكي أطرب في الخلوة بهجةً وحناناً وسكوناً وبشرى لفكرةٍ طال طال انتظارها حتى في تسلسل قلقها قد انحلّت..

أتنفّس في داخلي.. 

فتهدأ مساراتي وتضيئ أكواني ويغمرني ملمَح القصة من بعيد، وهي صغيرةً من بين ملايين القصص، فأستغرقُ فيّ وأبتسم .. كم تبدوا متلاشيةً وصغيرة، كم أبدوا متلاشيةً وصغيرة..!

أتنفّس في داخلي أملاً..

فتغريني المحادثات التي لم أخضها مع البعيدين، بعد .. والأسئلة التي لم أسألها لنفسي بعد، والخيارات التي لم أضّطر للاختيار بينها والإحتيار بعد.. 

أتنفّس أطوَل فتغريني أحلامي التي لم أقترفها بعد، والشعراء الذين لم أعرف عنهم قصيدةً خالدةً حتى الآن، والموسيقى التي تركها الأوّلون ولم أرخي لها سمعي مع شخصٍ يعشقها ويتبناها كإسلوب حياة.. 

تغريني الحيوات التي لم تمسّ قصّتها قصتي حتى الآن ولم نتقاطع .. تغريني الأيام، أجمل الأيام التي لم يُكشف زمام أمرها لنا، ويعجبني انتظار جلال الله فوق كلّ الصعوباتِ التي لم تُفرج بعد..

أتنفّس، أضع يديَّ على صدري، أتحسس دقّات قلبي حين يبقى في الجسد صوت الهواء العميق المحبوس سوى من صدى دقّاته، أستشعره ينبض، أتمنّاه قلباً طيّباً شاكراً أبيضاً على الأيام وبين الآخرين .. أتلمّسه وقد رُتقَ من جميع خيباته بفضلٍ من الله، من أجلِ اختيار الطيّب فضّل هذا القلب الانغماس في الملكوتِ حتى لايُبقي حقاً ولا يبقى له حقّ، صارت السماء مئاله كلّه وسمعه كلّه ووعيه كلّه وشوقهُ كلّه .. بقى هو ولم يُبقى عليه ونذر ذاته للوجودِ الخفيفِ عبوره، للمساحةِ القليلة، للتواجد الطفيف كنسيم ربيع، حتى حين يرقى؛ يرقى صافياً بقدرِ ما يستطيع من مجانبة الدرن واقتراف النور.. 

قد كنت قلت يا وعاء حقيقتي، وهو أنت .. وستظلّ أجمل ما قد أقدّمه للوقتِ ولحياتي ، يا وعاء حقيقتي تفضّل عليّ باتزانك وأعنّي عليك بالحمد ورتّبني فيك باستصغار المصائب حتى نتخفف نتخفف، فتكون لي يا وعائي هديّتي الجزيلة من هذا العالم، أريد أن أقدّمك كأعلى انتصاراتي وأسماها، كأني قد كنت فيك وأنت كلّك فيّ .. يا هديّتي من الله ووسام هَديهِ لي وشرفي في تقديم أمانتي..

إليك.

سلام .. على أوقاتنا التي لنا، وأيامنا التي تبدوا محمّلةً بالسكون الوفير، ينقضي ولا يُقضى..

والحمدالله أنه لم يكن يوماً هباءً منثورا..

قد كنتُ أوقنُ دوماً أن القادم سيكون أجمل ؛ وقد كان ..دوماً ما يكون..

في النوازع من حولنا، وعلى المسار الطويل لا شيء يبشّر في الأحداث .. وأنا لا أعرف كيف أواسي هذه الدنيا العارمة ولكنني أعرف أن صبغة الأيام وطبعها في حكمة الله..

صديقي العزيز ..

هذه هي ديار الآمال تلوح لي بعد سفرٍ خارجيّ طويل، لأدخل مدينتي الداخليّة بتلهّف بعد طول بحثٍ وتعب.. تشرق لي وتضيئني، يعرف حرّاسها مَلمحي من سبعةٍ وعشرون عاماً تقارب الثمانية إلا ثلاثة أشهر.. آتيها مدججةً بالعزيمة سليمةً من أسلحتي مُسلّمةً للصفاء وحكمة الله وقلبي؛ نوياي كلّها.. في القريب يا صديقي حيث لا شيء يبقى سوى إيمانك بالتسليم ولو تسلّحت بالخبرات المتراكمة كلّها..

نزعة السلام والتسليم جليلة على الصدرِ حينما تأتي لتُخففك وكأنما تُرخيك وتنزع عنك أشواك إحتمالاتك المحدودة، لتقرِنها بإحتمالات الله فتكون سماويّة؛ كونية وسليمة.

نحتاج بعد كلّ هذا السفر يا صديقي أن نضع حقائبنا جانباً لبعض الوقت ، وننزع منا سلاح الوجه المغترب عن أهله ومَلمح السائح لندخل مدائننا التي نعرفُ من أوسع أبوابها واثقين بما سنرى خابرين ملامح كلّ زقاقٍ وبيتٍ وطريق، عارفين المساجد التي بكينا فيها مرةً والمقاهي التي حملتنا مع الصحبةِ تاراتٍ طويلة بهزلِ من لم يكن يخاف ولم يحمله التخوّف من ذات المصير لغربته..

نريد يا صديقي أن نشهد قانون الله في الدهشة المتعاقبة بين الصُبح والليل، والأرزاق التي يتجدد تقسيمها كلّ يوم تبعاً للدعاء ونيّة الاستيقاظ والهمّة المخبّأة بين مانستطيعه بحقّ وما نتمنّى أن نقدر عليه.. نحتاج يا صديقي عُمراً من الأيام المتكررة حتى ندرك جيّداً فحوى هذا التجدد الكونيّ بين اليوم والليلة ونوقن تماماً كيف يغيّر الله أقداراً في لمح البصر..

صديقي العزيز..

لا بأس فيما يمضي من الوقت وإن طال.. لم يعد يربكني الزمن بل صار يخيفني أن لا أتأكّد من رؤيتي واهتمامي بملامح الطرقات وعمق روايتي عليها وفيها كيف أكون وكيف تكون هي.. أخاف أن أنسى السنين التي أنضجتني والأيام التي قررت فيها قراراً ما والأوقات التي شغلتني عني والأوقات الي عدت فيها إليّ، لا أخشى أن يمرّ علينا الوقت ولكنني أخاف أن يمرّ بغفلة..

لذلك فها أنا أحطّ رحالي في مكانٍ جديد فيّ، مكان يدعوا للاستقرار ولو لبعض الوقت حتى أكتب أحلاماً جديدة قبل أن يدعوني داعي السفر من جديد، فهلّا تحمل كتابي وتحملني معك..؟

أضف تعليق