Tue.. 4.July.2023
لماذا نتعجَل الحياة ..! دعها تمرّ بهدوء.
أتعلم يا صغيري مايتبقى حينما يُخدع الإنسان بالخلود ؟
جسدٌ لا يعي معناه.
أجراس كبيرة ، وآماد طويله ومددٌ سماويّ عذب وقصص مسهبة بقدرِ حجم خيالات الإنسانية، ومدنٌ عذبةٌ صامتةٌ لا تدعوك للجمال فحسب بل بأن تكونه وتتمثّلها عين الدهشة فيك..
أسفار، وأطفال يلعبون، قهوةٌ جيّدة وغرباء؛ الكثير الكثير من الغرباء.. اجتماع كبير في مقهى تسمع صدى ضحكاتِ من فيه من أقصاه..
رصيف وشجر وورد وأغصان تتمايل وأحباب يمشون يمشون طويلاً على تلك السكّه..
صوت ماء، نافورة، طيورٌ تستقي منها، ضربة الجناح مع موسيقى الشارع البعيدة، وصوتُ الإستاذ في المدرسة القريبة يردد من خلفه الطلاب حروف لغةٍ جديدة..
طرقات غير معبّدة بالكامل؛ تعلو وتهبط، لا يفصلها عن الغابة سوى منعطفٍ في أسفل الإنحدار يأخذك لعالمٍ طبيعيّ ينموا منذ ملايين السنين، طينتها سوداء وطرقُ الصعود إلى قمّتها معلومة ومسوّمه.
الجمال الملموس بالأيدي يتكون على شكلِ محلٍ للتذكارات يحمل منحوتات صُنعت بأيادٍ بشرية تحكي خلف جمالها المعطوب بالصنعة؛ حكاية تشتاق أن تسمعها من الباعة. ورسومات كثيرة كبيرة وصغيرة بألوان من وحي قلب الطبيعة التي تكون هنا..
سوقٌ قديم، ملابس مستخدمة، قطع عتيقة منها..
تجوال .. سوق خضار يحمل الثمر الناضج في يومه ومرحلته يرعاه كبار السنّ ويزيّنون أجواءه بالضحك وتفقّد الأحوال والقيام بأنفسهم على جودة المنتج وسلامته، تحكي ثمارهم الناضجة حكاية حصادٍ سعيد لسنةٍ مباركة ، يبدوا عمّي فخوراً وهو يقدّم إليّ ثمرةً للضيافة.
أتوق لمكانٍ مختلفٍ لم تطأه قدماي على هذه الأرض من بعد، وما يبدوا بالوصف أنها مدينةٌ عتيقة بالوجود وغزيرةٌ بالمعنى، أو ربما هي لا تسكن في الحقيقة على الأرض بل تكون مما يشكّله خيالي سعياً مني لأمسك حالمية الحُلم في جعبتي، رغبةً مني بأن أربّي في داخلي سلسلةً لا يقطعها الواقع ولا تُغفل التفاصيل.. هي التفاصيل التفاصيل يا صغيري؛ بوسعنا أن نهرب منها أو أن نهرب إليها وفي دقيق وجودها رحمتك أو عذابك حسب الدهشة التي ترى والطريق التي تكون والمزيج الذي تنسج..
Fri.. 7.July.2023
في ختام قصيدة مسّ يقول محمد عبدالباري :
“وباسم الفرقِ الواضح بين الشيءِ وظل الشيء
تقلّب في أضدادكَ حتى ينسجم المعنى فيكَ
فشرطُ دخولكَ للحيرةِ ألا تحتار.”
وأنا أحبّ أن أميل كثيراً للتثبيت، والبناء وعدم ملاحقة الحيرة لأنلا نظَلّ على وجوهنا في الحياة هائمين.. أتطلّع للإستحكام في المنهج وترسية جذوره في نفسي وتثبيت مبادئه، ذلك أن لاشيء سيكون عندي أجمل من نفسٍ راسيةٍ تعرفُ حين تنطلق في منتصف البحور كيف ترجع وإلى من تستحكم، نفسٌ تعرف بوصلتها لن تضيع أبدا..
صديقي العزيز..
ما هي جهات بوصلتك الخاصّة للرجوعِ إليك..! أتسائل..، كم سيكون جميلاً لو تعلمنا دوائرنا ودرسنا ذواتنا وفهمنا أن الغيب لا يعني الخوف وأن الحاليّ لا يعني المُطلق.. حتى تكون الحياة بين جنبينا أخفّ وأرحب، حتى نكون نحنُ بالاتساع الكافي لأن نفتح أبوابنا عليها كما نشاء، كما تكون.
وُجدَت الجهات حتى نصل، وكما أننا لا نكون في مكان الضياع ذاته في كلّ مرة، فإن كلّ جهة ستأخذ حقها الطبيعيّ في قيادتنا حتى الوصول.. أن نعلق في حلّ واحد، جهة واحدة طيلة العمر؛ يعني أننا لم نعي بعد أن جميع الجهات تقود إلى معنى، ولم نكشف الخيرة خلف تلك الوجهات.. ليس كلّ طارئٍ يا صديقي يُحلّ بالطريقة ذاتها، والهروب حتماً هو أوسع الجهات ولكنها جهةٌ ممتدة لاتتوقف فيها من الركض حتى ولو استدركك الضياع مرةً أخرى ..
صديقي العزيز..
سنبحرُ في عرض البحرِ وستسحرنا الزُرقة والماء، وفي أوقاتٍ لن نستطيع أن نرى غير سماءٍ مقابل ماء .. هيبةُ المنظر، ولكن البحّار الجيَد يُسلّم لروحه التي تقوده ويعطيها سِحر الوجهة وثقة الملّاح، يصبر على هيبة المشاهد في الغروبات والشروق حتى توصله بر أمان.. أتعلم يا صديقي ما الحياة؟ ليست هي سوى ذلك البحر .. مهيب ولكنه مقدورٌ بالتوكّل ومميت ولكنه مُحيي بالمعرفة ومخيف ولكنه جميل بالتأمّل..
إن الروح الساكنة فينا يا صديقي تبتغي راحاتها في مواضع الشاطئ وعلى أرض السكون، ولكن السعي الواقعيّ في العقل والجسد يحتاج منا كلّ الشجاعة حتى نمتطي أصعب الأمواج ونركب البحر ونسير، وما يفيد يا صديقي ليس الركوب لذاته؛ بل شجاعته. وما يُكتسب يا صديقي ليس التعب للذّته بل الذات المتغيرة بعد ذلك الابتغاء هي ما يُجزء هذا الوجود..
وحتى نلتقي في صدفةٍ تحت وجهةٍ واحدة،
أرجوا أن تكون دائماً بخير.
Tue.. 11.July.2023
من الذي سيفوز في هذا العالم،
هل هم الشعراء في إحساسهم حول رفع بطاقة السلام والتحرر؟ أم هو العالم الكبير المحمّل بالطمع والالتزام..؟
أيا قِبلة الوقت والذكريات العميقة وابتغائات الدهشة التي تملأ أرواحنا بالشجنِ حين يجفّ العالم،
أنوارنا التي تبزغ، وتذهلنا منّا حين نطوي مسافةً في طريق الظلام قليلاً قليلاً، لتكوّن ثورتنا الداخلية ويبقى النور نتيجتها في الأرض،
أيا أمكنتنا التي نشغلها وتشغلنا في هذا العالم الواسع الاختيار العريض باحتمالاته، شيءٌ مما لا يطاق وشيءٌ مما يطاق وكلّ العاديّ الساري فيما بينهما،
أيا حصّتنا من الرزق، نغدوا لما يتوجّب ليس لأن الخِماصَ كلّ ما نبتغي قدر ما يكون الواجبُ هو مواساتنا في الغدوّ،
أيا تلك الأيام التي من خلالها يكبر الصغار من حولنا، أسنان صغيرة تتكسر وأخرى صغيرةً جداً تنموا في فمِ الوقت وعن البناءِ الجديد لقصّةِ برعمٍ في الحياة،
أيا أسمائنا النازلة من السماءِ علينا حتى تتكوّن فينا ثم تكوّننا وتبقي وَسمَنا على هذه الأرض، تشكَلنا ونتشكّلها كقوالب ملأت فينا الزمان الطويل إلا أن نستريح عليها..
يا ملامحنا التي تتخبئ مع الوقت وتظهر إلا أن لها من العمق ما لا يبدوا أنها تتغيّر..
يا انتمائاتنا التي لم نعرف حقّ حجمها حتى ابتعدنا عنها، حتى ابتعدت عنّا وصرنا فيما بين البينين منها غرباء..
يا مسافاتنا مع الأصدقاء.. نكرهها ونحبها ونحتاجها ونشرّعها كقوانين ونحييها كمواطن ونشعلها حين نشعر بالوحدةِ أو عندما نكون فرحين
أيا أحلامنا القادمة من الماضي، تسعى من خلفنا باغيةً أن تستقبلنا على موانئ المستقبليّ جاعلةً من رحلة البحر في سفينتنا أطول، ولكنها أعمق..
أما في الوداع.. فآمل أن تبقى عين الطفل فيك وضّائه مُستلمَه تسير مع الحياة ولا تسابقها خطوةً بخطوة؛ تمسكها بيديها وتدّلها على اللحظات الساحرةِ منها رويداً رويدا.. لا تميل عن الزوال ولا تضيع عن الحقيقة المطلقة.