Sun.. 16.July.2023
لا حقائق في الشعر، كلّ المجاز خياليّ، وكلّ قصةٍ مرويّة تحكي عن جوىً لا يقوله الناس لمجرد المشاركة، بعض المشاعر تنطوي بين صفحات الشعر ومقلة الكلمات فحسب، ولا يشبهها أيّ شيء.
صديقي العزيز..
الأحداث من حولي تتغيّر، وأنا كلَما أكبرُ تعطيني الحياة شكلاً جديداً من شكلها وجلداً جديداً من جلدها لأشعر معها أن لا نسب واحد ولا معنى واحد قد أستطيع الظهور فيه والانتساب إليه .. ويبدوا أن هذا الذي لا يتوقّف عن المُضي أو لا يعود لما قد كان عليه هو شرعها وقانونها..
ولقد كنت أريد أشياء بسيطة، أرنوا لبساطتي المحققة ووجودي الزاخر بالأسئلة.. وتبدوا عوائقي أمام ذلك الوجه الأمثل من النقاء عالية،
أخشى أنني لن أستطيع شرح نفسي بالواقع بعيداً عن الكتابة الدقيقة، فهل يحدث أن تكون البساطة هي أعلى ما في العُمق؟
صديقي العزيز ..
هذا الكون رغم كلّ شيء لا يتغيّر.. وكأنه يُطمئن شغب الإنسان القلقِ فينا أنه هو هو منذ قديم الأزل وما يزال؛ شاهدوه الأجداد واستولى على أحلام الأمهات وشارك الآباء أسمارهم..
السماء، النجوم وطيورها وفضائها وأشعتها وسناها وراحاتها ووسعها، كلّ شيءٍ فيها يدعونا للجمال الذي لا يتغيّر.. للسكون الذي يَشهدُ ولا يُشهد..
أستطيع القول أنني أتمدد في فحسة هذه الأرض حسب المطويّ أمامي ولا زلت أجهل وأشكّ في صواب الطريقة والطريق، ولكن أليس أصعب على ما في النفس من صيرورة دائمة هو الثبات؟ السريان حسب ما كُتب لا حسب ما تطمع في ابتغائه..! وألم يكن تقلّبها يوماً هو مصدرُ شدّتها في العزيمة وحثّها على النقاوة في المطالبِ والرؤى..!
قد لا نعمل بما نراه صحيحاً على الدوام ولكن في هذا القلب تصديق عميق ومنحة سماوية وتطلّع وإيمان كبير كبير بما هو قادم..
كلّ ما أستطيع بثّه يا صديقي هنا أننا نتقلّب، بمخزونٍ هائلٍ من النعم، نتذكره أيام وننساه في أيامٍ أُخر، وأن لنا أحلاماً على هذه الأرض تستحقّ صبرنا وأن لنا فيها مطالب تستحقّ التعب وأنّا وإن لم نكن يوماً فيها كما نريد فأحلم أن تأتي على هُون وتعبرُ على هَونٍ ونكون فيها خفافاً؛ في النفوس وفي الوجود وفي أكواننا.. أن تتوائم فينا الرغبات مع الحاصل وتتسع فينا الأكوان مع المكوّنِ ونبقى سارحين في ملكوت الذِكر المتجدد الذي يقيمه هو ويأذنه مع كلّ يوم ونبضٍ وإدراك..
Tue.. 18.July.2023
“لا عجب أن يرسم الرسّامون، فالعالم مليءٌ بالأشكال، والألوان، والنور، والظلال، فهو قد خُلق إذاً ليُرسم، والإنسان ذو العين والروح خُلق ليَرسُم، ومن ثمّ فالرّسام وعالمُه خلق كل منهما للآخر.”
-علي عزة بيجوفيتش.
لا أخشى الأيام التي أغفوا فيها بمكتبة وأنام على كتاب وأستوحد مع فكرتي فيه، أخشى من اليوم الذي قد لايعني لي فيه الكتاب اهتمامي وأولويّتي.. والكتب لا تمنحنا الثقافة والاطلاع فحسب، بل هي تمدّنا بتجارب وحيوات وأسفار ما كُنا لنتعداها ونختبرها لولا أن أعطانا الله كرم أصحابها بالمشاركة.. حين ترى وتتبصّر تدرك أن الحياة لا تستقيم، وأن شخصاً في القديم الساحق قد يستولي عليه العيش فيكتب، وأنك في الحاضر الحاليّ يوخزك العيش، فتكتب.. وأنكما وإن لم تكونا على منوال الفصاحة سواء إلا أن المعنى مهنتكما منذ قديم الزمن، منذ قال جبريل لمحمد -صلى الله عليه وسلّم-: إقرأ.
لطالما تفكّرت بالكتاتيب القديمة في عهود السابقين، كيف يقال لأحدهم عن موضوعٍ لصديق أو رسالةٍ لحبيبة فيكتب فلان ويترجم ما يقال على لسان فلان ويُمضي حُكماً على فلان من الناس بالورق، كيف بوسعه أن يجمع الحيوات بكلمات والتجارب على ورق ويمضيها.. يآهـ كم لديه من القصص في رأسه يا ترى؟
بالأمس قد كنت أشاهد حفلاً موسيقياً أثناء ركضي، كان الحضور يزيدون عن الثلاثين ألفاً من المستمعين، ثم أخذت المغنية بالتحدّث وقالت لجمهورها: أراكم جميعاً.. إنني أرى تلك العلامات التي تبرزونها لي وأسمع أصواتكم، أشاهد أولئك الأصدقاء الذين عبروا مسافات الطريق ليصلوا إليّ في هذه الليلة، وأشاهد وجوه بعضكم وأنتم تغنون معي.. ولطالما أدهشني، كما تقول، لطالما أدهشني كمّ القصص الذي بوسعه أن يُحكى في لحظةٍ واحدة واختلاف الحيوات التي بوسعها أن تستمع لتجربة شخصٍ واحد وهو أنا.
أكملت حديثها بأن شكرتهم وتتمنى لهم أن يستمتعوا معها الليلة، ولكنها تركتني لأتفكر أنا بالمجهولات من حولنا..
تفكرت كم ممن يكونون حولي كلّ يوم، وأظنّ أني أعرفهم والحقيقة غير ذلك، وأظنّ أني أدركهم بالتصوّر الشكليّ ولكنهم في الدواخل تماماً يختلفون؟ ولو أننا عرفنا أعماق من حولنا لربما مارغبنا في الإستمرار أو لربما أدركنا أن أحكامنا قليلاً ما تكون صائبة في الآخرين، فلا خير مطلق ولا شرّ مطلق..
يقول علي عزّة بيجوفيتش في موضعٍ آخر :
“حين تكون قد عشت وتحمّلت كلّ شيء، وتعثّرت مئات المرات ثم نهضت من جديد، وتخلّيت عن كلّ الآمال الكاذبة والمواسات الزائفة وأطبقت على أسنانك لتحدّق في عين الحقيقة، حينها ستدرك أن الغاية الوحيدة للحياة هي النضال ضد الشرّ، وفي هذا النضال لا نستطيع أن نُقدم إلا القليل، إلا أن هذا هو الشيء الوحيد الذي تبقى لنا، وغير ذلك ليس هناك إلا الفتنة والسقوط إلى الأبد.”
ختاماً.. إن ما يجمع بين الكتاب والقلم والنور والظِلال والقصص وتقديرها والجوانيّ والبرانيّ في الناس من حولنا والخير والشرّ في الفكر والممارسة؛ هو الشعور بالروح والبصيرة في النفس. ولطالما كانت البصيرة علامة إنسانٍ حيّ، يعلم أمانته ويعيش لأجلها من حيث تكون هيَ مُحرّكه أمام ذاته وعجلته في الحياة، الشعور بالأمانة الذي يؤدي بك لأضيق الأماكن وأوسعها في نفسك ويُحيلك لتقول أكثر الجُمل إيلاماً على نفسك وأصدقها في المؤتمن. حين تكون ذاتك أمانتك لا تكون تعيش لمجرد أن تلهوا بل تبقى لأن بين يديك نفس مبصرة عملها بالحياة وإن قصُر وضعُف أثره هو أن تعيش حسبما تؤمن فيه. ورغم أن تلك حقائق نقرأها في كتب الأطفال أو لربما قيلت لنا كقيمة في أفلام طفولتنا، إلا أنها هي الحقيقة الباقية التي سترافقنا حتى نشيخ، أن تكون أفعالنا ما نؤمن بصحته في القلب؛ ذلك العهد يا صديقي..