Fri.. 11.Aug.2023
“إننا على سفر، لم يعد فمك بيتاً آمنًا قالت الكلمات.”
-منعم الفقير.
صديقي العزيز..
إلى هذه الأرض التي تُطوى حال الإرتحال فيكَ وإليكَ ومن أجلك.. من أجل جميع الذكريات التي خطوناها معاً والأخرى التي ارتخت أيدينا فيها من التعبِ قبل أن نعود لشدّ يدين بعضنا البعض، والمُضيّ قُدما..
إليكَ وإلى ذات الرحلة التي تخبوا دهشتها تارةً ويطيب عِطر نسيمها في مراتٍ أُخر.. لبحثنا عن التفاصيل المختبئةِ في الأيام، ثمّ محاولاتنا لاستجلابها على الأفكار التي نلتقطها لتعبّر عن حياةٍ ساريةٍ فينا.. وطوبى لمن أغمض عينيه فكفَته حياته الداخليةِ عن مطاردةِ الآخرين ومحاولات اللحاق بركبٍ لا يعلم سيره وسيَرَ نبلائه..
صديقي العزيز..
إن أكبر ما أخشاهُ في الحياة هي التُخمة، تخمة الحصولِ والوصولِ والمالِ والعلاقاتِ والأشياء.. أولئك الذين يكون بين عينيهم الكثير فيزهدون بالكثير، أن تأخذني الحياة بلحظةٍ فأنسى من أكون وعلى ماذا أحصلُ وكيف حصلت عليه ومن أيّ جهةٍ وبأيّ ثمن.. أخاف أن أنسى حجم الفضلِ والمتفضّلَ فأضيع في الطمع وأنسى الذي قد كان حُلماً وصار حقيقةً تروى وتُعاش..
صديقي العزيز..
وجدت في الشُكر مسلكاً يُفضي إلى طريقٍ قويم من الرضى.. أننا بطبيعتنا الإنسانية حينما نتفكر في المفقود نخاف من حياةٍ قد لا تبدوا كاملة، ولكننا حين التفكّر في الحال من بوّابة الوَهبِ الذي قد كان ولايزال، فنحن نراها من جانبٍ ممتلئ، نتهذّب، نتنازل عن أطماعنا الكبيرة مقابل حياةٍ تُشكَر، ترانا حال الابتغاء نسأل عن أسبابه ومواخذه فينا.. نفهم ذواتنا أكثر لأننا أصبحنا نحدّثها من مكانِ امتلاء لا مكان خوفٍ من الفقد، أو عَتب.. تعلّمت أن الحُكم على الفكرةِ ذنب، ولكن رؤيتها بوعيٍ وهي تعبر حِكمة، والله لا يؤاخذُ إلا بالقصدِ لا بالخطأ..
صديقي العزيز..
نعمة الإدراك ومعرفة الحدود وبناءِ وتعلّم الحقوق والسير برضىً من مكانٍ قويّ وقويم فينا لم ولن تكون أشياء نقابلها على طريق الحياة بل هي ما نحتاج بعد عون الله تقريره وبنائه في دواخلنا والإلتزام بسقايته كلّ يوم فحتى نُثمر نحتاج عُمراً من التشجير والعناية.. بلونٍ قد لا نختبره في الحال ولكن نراقبه بتعب، حتى يطرأ موقف أو تُقال عبارة أو نقرأ نصّاً أو نضطّر لمواجهة فنختبر تلك الجذور التي غرسنا والأيام التي زرعنا والأغصان التي شذّبنا، انفعالاتنا حال الأزمات أو الصفح فيها وعنها ما يهدينا كلّ جسور الوعي تلك بيننا وبين نوَى النوايا فينا..
سقاك الله يا صديقي ماءً زُلالاً وأَبان عن تجربتك إخضلالاً في الأيام وأينع حديقتك حُباً وكرامةً وحريَةً تطيلك ولا تُميلك..
وحتى ألقاك.. أرجوا يا صديقي أن تبقى بخير..
Mon.. 4.Sep.2023
يوصي الإمام أحمد ابنة وصية عظيمة يقول فيها: انْوِ الخير، فإنك بخير ما نويت الخير. وتعلّق الأستاذة أناهيد السميري على هذه الوصية بقولها؛ في النهاية إن تحمل الخير في قلبك وإرادته؛ تُوجَّه إليه.
لا استطيع التوقّف عن الدهشة في كلّ مرةٍ أفكر فيها وأقرأ القران وأجد أنه يحاكيني من جوانب تشبه معضلتي وروحي تماماً.. هل لك أن تتصوّر أن كتاباً عظيماً نزل منذ ما يقارب الألف وأربعمائة سنة، لا يزال يلمس المؤمنين..!
نعم، حتماً.. ففي الحياة أشياء خالدة، وتكون أكبر..
أريد أن ألتفت دائماً لأرى ما في جعبة هذا الخالد واستقي منه، ليس لرغبة الخلود ولكن لرغبة الاستقرار في النفس حيثما لا تشغلني الأمور العابرة عن اكتساب المعنى خلف كلّ ما يحدث ولا تغمسني في محيطٍ لا أنفكّ عنه.. هنالك اليابسة وهنالك الماء. وأنا أريد رغم أقداري أن أرسوا..
إن خَلق المعنى خلف كلّ يوم والتجدد رغم المجهول ورغبة الحياة وخِفّة القلب والفضول تجاه القادم ومعرفة المشاعر وتمييز الكلمات بالكتابة وصياغة المجاز بمحبّة وابتسامة وأَلقٍ أنيق؛ لم تكن يوماً بالنسبة لي أشياء عابرة.. لطالما أحببتُ استطالة ذلك النغم وارتضيتُ جوَلانه في نفسي بمحبّة، وأعطيت له آماداً بالتفكير.. وإني لأشعر أن الله يواسيني دائماً من خلال ما يضعهُ في صفحة النفس من تفكّر..
حينما أميل بالحياة للتفاسير، أضيع من حجم الفكرة في نفسي ولكن كلّما شاهدتها من طالعِ القَدرِ ورحمة الله كانت على روحي أخفّ وفي نفسي أوسع واستقبلتها بالحضورِ البسيط وابتسمت من أجلها وعليها وأبقيت في نفسي الأمل.. أحبّ لو أتذكر دائماً أني سأكون في حالي رغم كلّ شيءٍ فيها ومادُمت في نفسي فسأحاول أن أكون لها باب محبّةٍ لا باب خوف وأني لستُ عزيزةً بالماديّ ولا فقيرةً بالملموس أو شحيحةً بالمكان وأن تلك حالات لا تعني عمق النفس بشيء وأنها إذاما كانت عزيزةً في ذاتها متوسّعةً على العالم راغبةً بالسموّ؛ كان لها ذلك..
أحبّ لو أتذكر دائماً أدواري في هذه الحياة.. وأميّزها من دونما قلقٍ أو خوفٍ أو تأنيب، وأرعاني من خلالها دونما تعبِ الضمير.. اذاما كنتُ خيراً وكنت انوي الخير، فسأكون دائماً على حبل المحبّة مع الله. قد يكون ذلك هو كلّ ما هنالك..
أشعر أنني بخير حينما أتلمّس الألطاف الخفيّة، حينما أعود للشعر، حينما أرتوي من نهرٍ عذب، حينما يأسرني الجمال وتحاكيني الطبيعة وتتضح لي المفاهيم بشكلٍ جليّ.. أشعر أنني بخير حينما أرضى وأُرخي لملامحي أن تكون كما هي وطفولتي أن تفكّر ما تشاء وحينما لا يحدّني سقف الأيام والواقعيّ عمّا أتمنّ .. أحب الحياة حينما تكشف لي عن سرّها المكنون في السير مع ما يكون من دفقها، برقّةٍ وحضور..
لعلّي أكون دائماً في مكاني؛ هنا والآن فحسب..