نعم نعم أتفهّم.. حسرتك خلف ذلك الشعور للكلمات التي كان يجبُ لها أن تقال، ثم لم تحدُث..

أعرفك، كنت تحبّ أن تتلبّس الصمت لأنك حينما حاولت المقاومة شعرت بإغراء الكلمة وهي تفوح من داخلك، علمت منبعها فأغلقت الباب، وصمتّ.

ورغم جميع ما يغريك في العشوائيّة والهروب، فضّلت أن تبقى مكانك هادئاً لأن التمرّد لم يكن يشبهك، ورغم أحلامك العالية.. كنت دائماً ما تنتظر اللحظة المناسبة التي يلتقي فيها القدرُ بالمقدورُ عليه منك وحينها ستفتح أعرَق الصناديق التي عندك، وستبدأ خطّتك الحالمة سطراً بسطر ومعنىً بمعنى..

ابتعدّت عن الطفولة بالزمنِ ولكنك لم تغادر رغبتك بأن تكون عَفوياً على الأيام.. وددت لو ترتقي بمن حولك حتى تكون أنت بأفكارك المجرّده حيّاً، فالمجلسٍ الذي تكون فيه كمن تكون، هو الهرَمُ فيما تحبّ..

أولَتْك الأيام قلباً صابراً ولكنني أعرفك.. كان ليُرضيك القليل على الكثير ولكُنتَ لو مُنحت الخيار لتغلق دوائرك الداخلية من أيّ خيبةٍ ومن كلّ تعثّرٍ بُغية أن تحمي ما فيك لمن يستحقّك؟ لفعَلت..

أدرك جيّداً يا عزيزي ما ضاع منك في لحظةِ صفاءٍ واصطفاء.. أدرك الجيّد والذي يكون أحسن منه، أدرك جهودك المسروفة ووجودك في دواخلك.. كنتُ حارسةُ الدهشةِ المخبوءة فيك، فكيف لي أنلا أعلم آماد كلّ الجروح التي تركت لها نفسك..! أسمعُ جميع أصواتك ولكنني لا أتدخّل وأنتظرك أن تأتي مشرّعاً لي عن نفسك حتى أُفصّلك، وأحكي لك عن جيوب الماورائيّ فيما واجهت وخبايا الألطاف مما كان لأريك معيَ الحكمة خلف كلّ شيء.. أنتظر منك أنلا تستلم لصوت القوّة لأن في بواطن الرحمةِ والعفو قوّةً من نوعٍ مختلف وسموّ من باطنٍ ناصع ومقدرةٌ من بابٍ ربانيّ روحانيّ لا يألفه البشريّ فينا..

وقد تسأل؛ لماذا يكون صوت القوّة؟ قد يكون صوت الخبرة .. قد يكون صوت ردّ فعل المواقف الصُلب، قد يكون صوت الردود في أوقاتها المناسبة أو قد يكون صوت الحسم، أتفهّم أنك تريد له أن يكون صوتاً ما.. يساعدك على شرور الناس.. إيجابياً بالمعنى وحساساً بالشعور، 

وأقول لك .. إن في اللين كنزٌ يذيب الحديد، وفي الصبر ما يشقّ الصخر من خلال قطرِ الماء وفي النور ما يُعمي كما فيه ما يَهدي.. أقطابُ الحياة مفترقةً وليست واحدة، ولكنك حينما تشاهد معاني كلَ تلك الأفكار من عُلٍ، تدرك أن في فهم الحال كصراع، مشهدٌ يخبر عن قلّة لا عن حكمة، (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيراً كثيرا)

تذكّر.. حينما تحصي عدد الواعين من حولك، اولئك الذين يكونون في نفوسهم على خير، وعلى الآخرين من غير ضرر.. تذكّر كم منهم من ربّى نفسه ليكون في منظورك بذلك البهاء، كم منهم من عانى وأمضى وصبر وشكر.. راقب أسمى الناس فيمن تقدّرهم، أليسوا حاملين لسَمْت الحكمة من خلال بوابة الصبرِ على الحياةِ لا الجَلد..! كم يبدون خِفافاً اولئك الذين يعاركونها بجَهدٍ لا يُرى.. كم يبدون وسيمين جداً بالعقول من يراقصونها ويَدَعونها لتمرّ، كم يكونون بالحكمةِ الصافية من يرونها من بعيدٍ وما انغمسوا.. 

أتمنّى أن تبقى في قلبك أكثر، وفي ذهنك أعمق وفي فؤادك أبصر وعلى التجربة أقدر وعلى الحِلكةِ أصبرَ.. ستكونُ بخير..

أضف تعليق