Sat.. 30.Sep.2023
“أليس صحيحاً أنه بقدر ما تكون الأزهار متنوّعه، تكون الباقة المصنوعة من هذه الأزهار أجمل، وبقدر ما تكون النجوم في السماء أكثر تكون أشدّ تألقاً؟ قوس قزح جميل لأنه جمع كل ألوان الأرض.”
“سبائك ذهب بين يدي، لكن هل لي يدان ذهبيّتان، يدان بارعتان؟ هل عندي ما يكفي من الموهبة ومن البراعة؟ كيف لي أن أفعل حتى أضع أغنيتي على راحتكم عصفوراً حيّاً نابضاً، كي تملأ أغنيتي قلوبكم دون استئذان ودون طلب، كما يملأ الحب القلوب؟”
-رسول حمزاتوف، داغستان بلدي.
لديّ لغةٌ وشعر، وعندي ما يكفي من القصص حتى أكتب، ولكن التوثيق يضيع بين المطروح من الألم وبين المقصود في الحكاية.. وما بين المقصود والموجود حقاً وبين الأدب؛ تضيع الكثير من الأجوبةِ وأنا بودّي لو كان للعالمِ صوتٌ بطيء يدعوني للتفكير قبل التسليم وللتدبير قبل الفعل وللمواصلة قبل اليأس وتذكّر البأس، أن نكون تلقائيين تماماً بحكمةٍ وبلا ندم، وطفوليين بلا خوف، أيحدثُ أن يكون..!
صديقي العزيز..
نستطيع أن نحيل المشاعر لأفكار، وكم يضحكني ويرهبني الإنسان الحديث في تبنّياته تلك حين يشيح نظرتهُ عن تكوينة المشاعر ليبتسم للشكّ وينقض اليقين، وكأنما يحتاج عُمراً كاملاً من الدوران حتى يتأكّد، وكأنما أرادوا لنا أن نقطع كلّ الأشواطِ قبل أن نرجع لفكرة البدءِ وحينها قد يكون الزمنُ ولّى والأمورُ التي فينا راغبةً بالبناء قد ثقلت وتبعثرت.. شيءٌ ما في كلّ هذا العبث يدعوك للتفكّر بالمئآلات، فداحة الأخطاء البشريّة على ذاتها.. وكأن الإنسان قد خُلق ليُفسد في الأرض التي قد سُخّرت له ويتركها لتكون غير قابلةٍ للعيش لمن بعده، هذا ما يحدث على الأقلّ في عالمنا، وأنا أشعر بالخجلِ لكوني جزءً من كلّ هذا.. وإني كلّما ارتقيت في منازل الأدب وحالميّة الوجود اغتالتني الحقيقة من كلّ جانب وكان الحُلم في عينيّ لا يعزوا سوى لطفولةٍ مفرطة غير راشدة في عالمٍ يتطلّب كلّ انتباهك..
يميل قلبي ويخفق لكلّ ما هو حقيقيّ وساكنٌ في هذا الكون.. الأمور التي تكون في محلّها صافيةً بالتكوين وحقيقيةً بالإرادة وكاملةً بالنقائص المحتمة.. وهو يخشى الأكيد ويباهي بسؤالاته..
من الذي زرع فينا الخوف قبل أن يهدينا لحن الغناء لهذه الحياة ؟ لأنني في كلّ الصعوبات دائماً ما تواسيني فكرة الفناء، وهو أغنية.. وحيثما يغدوا كلّ شيء أليس من الجدارة بمكان أن نعيش ما يكون هنالك بصفاء الرحلة، بيقين المراحل والمرحلة ؟
أمضي يا صديقي لما يؤكّد لي شعارات المراحل ويصعّد في نفسي الطيّب ويغنيني عن القُبح، هنالك ما يكفي من الشعث لكن ليس هنالك ما غني عن الترتيب.. أرنوا لذلك الصفاء المخفيّ خلف الأمور الصغيرة الرتيبة في اليوم العاديّ، أتحسس صداها قبل أن تستجيب وتهتزّ لغتي قبل أن تُمضي في الكتاب..
Tue.. 3.Oct.2023
أبصر خلف ما ترى، واهدأ لتسمع نوع الحركة من حولك، “التكامل عملية وليست حالة، فهو عبارة عن سعي وكدح يُنجز ولا يوهب.”
حينما أنظر للاختلاف فيما حولي وأشعر بالضيق، أتوجّه وحدي الى السماء.. لا أشعر حينها أني أريد آخرين يشابهونني في طريقة العيش أو في التفكير بقدرما أرغب بلجوءٍ مختلف لحركةٍ في الوجود من نوعٍ آخر.. تبصّرٍ من خلاله أستطيع بأن أكون شاعرة بكلّ ما للخاطر والإبصار أن يحمل في عين المشاهدة وانتباه السمع وبحجم ما تسعُ اللغة من جذور وكلمات ومجاز ومعاني..
لا أريد أن تتغلل إليّ حداثة مدينتي الصغيرة التي تحاول الاشتباه بمُدن العالم الحديث، حينما ألجأ للنخيل والمزارع القديمة فأنا أحاول من خلال الصمت حماية ماضٍ عتيق والإحساس بوجوده في كياني قبل أن يغطّون المعمّر من الأشجار بالحجر..
وأنا بقدرِ ما يلهمني شكل السيارة الفاخرة على موقفٍ للانتظار في الإشارة، أحبّ أن لايغيب عن عينيّ مشاهدة الدهّان المسنّ الهنديّ وهو على دبابه البسيط الذي يخرج منه الدخان ويملأ الانتظار بالصوت بينما يحمل مسطرتهُ بين رجليه المنقبضتين ولوحاً كان قد احتاجه في مشواره القصير ليضعهُ عرضياً في واجهة الدبّاب.. أما حكاية تفاصيل عينيه الرماديّتان وسُمرة الشمس المتربعةِ على وجهه فهي تخبُر عن سنوات في ذات المهنة وعلى شوارع مدينتي بالتحديد..
حينما أتحدّث عن كوني في مدينةٍ صغيرة تتشبّه بالعاصمة، فأنا أحكي عن أحياء قديمة ومناطق جديدة، عن مدينةٍ تجمع مهنة الفلاحة ومهنة التسويق الإلكترونيّ، عن طريقٍ فرعيّ أظللُ فيه سيّارتي بالنخيل ريثما أتناول وجبة غدائي وأميل فأشاهد البقر في شباك مزرعةٍ قديمٍ تحت الشمس.. أتحدثُ عن نخلةٍ تنموا بعشوائيةٍ مفرطةٍ مائلة فيجعلها صاحبها مكاناً لأكل الطيور الصغيرة ويردفها بغصنِ شجرةٍ كبيرة لينموا مع جذع النخلةِ ورقٌ صغير عضّ يلامس الجذع والعسف المدبب الصحراويّ في مفارقةٍ طبيعيةٍ لا أستطيع القول سوى بجمالها لعشوائيّتها تلك..
هنالك أشياء في وجودي وأحداث أنتبه لها وأراها ليس لمجرّد وجودها العابر ولكن لإحساسي أنا بالعبُور ذلك الذي يهوّن الكثير من التجارب في يومي وأمسي.. وحين التفكير بالغدّ؛ لا أجدُ سوى لفكرة الخِفّة من خلال العبور إلا اطمئناناً أن هذا الوقت، هذا العُمر، تلك الأشياء في التجربةِ الخالصة ستمضي وقد لا تكون بالمشاهدةِ لي وحدي فحسب، بل برأيي أن الكون مليئٌ بالفُرص وأن الله واسعٌ بالحِيَل لنا من كلّ جانب، ولكن تبقى البصيرة فيما نرى ونشاهد ونسمح له من تجربة.. الله يهبُك الجمال ويعطيك الخيار اذاما أردّت الاعتراف به من خلال التجربة.. ولقد مرّ على هذه العينانِ مشاهدٌ أقصى من العبارة وأحداث وقصص وأصدقاء أبلغ بالتأثير على قلبي من الوصف..
الآن أكون في مرحلةِ انتظارٍ واعترافٍ بالفضلِ من كلّ الجوانب.. حقيقٌ عليّ أن ألمس الحُب والتمكين والعمق واختلاف الأفكار وتلك النجاة الصغيرة بالأملِ المحمول على رضى التي تكون كنزي وعذابي في آن.. حقيقٌ عليّ أن أشاهد اختلافي من جانب الفضل لا من باب الحيرة والرهبةِ والخوف، وحقيقٌ عليّ أن أعترف بالوهبِ والموهبة..
أخيراً فيطيب لي الإقرار بديمومة شيءٍ واحد، وهو طفولتنا التي ما إن يغيب عنها انتباهنا فسنشيخ..