في نهاية الليل وفي وحدتي التي أشعلتها بالتفكّر؛ نظرت للمطرِ بسكونٍ غامر.. مطرٌ يشبه الكثافة الآسيوية لأمطار الغابات الاستوائية.. ينهمل على مدينتي ولم يتوقّف حتى هذا الصباح الذي أكتب منه الآن.. ولو كان لي أن أُثير صفةً واحدة للمطر لظلّ في ذاكرتي هو ال: حركة.. المطر يتحرّك، حركةٌ ثائرةٌ  تسمح للروح أيضاً أن تتحرّك، وفيما يبقى كلّ شيءٍ ساكن يحرّك المطر نفسه بنفسه جاعلاً الأرض تسيل مع اكتظاظ قطراته وزخم كثافته الوجوديه.. هو أيضاً صوت، وللثوريّ فينا بطبيعة حال هذا العالم الماديّ أصوات مدويه، فالمطرُ صوتٌ وحركة، وكأنه يخبرُ في وجوده عن ضرورة وجود تغيير، ضرورة وجود حياة، ضرورة وجود أثر.. لأن المطر لايكتفي حينما يأتي بإشعال حركة الكون من حولنا فحسب وتغيير طبيعة الماديّ الجامد فينا، هو أيضاً حينما ينقشع عن السماء يترك في الأرض نباتاً يهتزّ وأجساماً تزيد ألقاً وكأن الصوت والحركة لا ترتضيان إلا أن تتركا أثرا..

غزارة المطر رحمة.. غزارة الماءِ قد تكون خوفاً وقد تكون رحمة.. وحينما يتمّ تجريد الظواهر عن شكلها تبدوا حينها احتمالاتها بين رحمةٍ وحُب وبين حجابٍ وحقيقة..

ثم حينما استلقيت أتتني في الليلِ قبل المنام تقول لي: إن كلّ ما يؤلمني من أفعال الآخرين، ما يوخزني بالخيبة يصدرُ من ألمهم هم، من تجاربهم هم، من اختياراتهم هم.. ليس لبواعث ما يتصرّف فيه الآخرون مكانٌ يستقصدُ أن يؤلمكِ ولكنهم حينما لا يختارون الحُب فهم يغادرون لآلامهم هم.. فلا تضيقي من خياراتهم النابعة من ألم وخوف.. وكوني ركناً دائماً للحب وعليه فلتقوّمي أمرك..

ومابين المطرِ ورحمته وبين الأحباب المنشغلون سقط عنّي همّ الليل وأنا أردد؛ حركة وصوت، حركةٌ وصوت، حركةٌ وصوت.. ثم أثر.

شعورٌ بالاغتراب عن هذا العالم..

وما هي ياعزيزي الغربة؟

الغربة هي أن تستيقظ على حقيقةٍ مؤلمة، أن كلّ الذي قد كنت تحسبهُ حقيقةً قد انزاح وصار وهماً..

الغربة هي أن يقابلك هذا العالم بالسوء وتقابله بالمحبّةِ راجياً منه أن يتبدّل في واقعك على الأقل..

الغربةُ أن نشعر ونحِنّ ولكن يطيب لنا البُعد حتى لا نؤذي أو نؤذى..

الغُربةُ أن نكوّن حيواتٍ طويلة كثيفة عميقة وممتعة وتشبهنا، حيواتٌ في رؤوس الخيال وفي منطقِ الابتعاد عن كلّ مايكون هنا..

الغُربة هي أن نحملنا ونغطّي الألم بالأملِ راغبين بالإلتئام فينا بعيداً بعيداً عمّا لاندركهُ لما ندركه..

الغُربة هي أن يموت الأطفال.. أطفال غزة وسوريا واليمن ولبنان ونظلّ بعد هزّة موتتهم التي تركت الأرض موحشةً؛ صامتين..

الغُربة أن تتوقّع من هذا العالم أن يملأك وهوَ لم يُصنع لذاك..

الغُربةُ أن تبقى في الفكرةِ وحدك.

الغُربة نحنُ..

أضف تعليق