ماذا لو كان تأثيري مقدارَ قطرةِ ماءٍ على هذه الأرض ..! ماذا لو علمت أن قطرةً قطرةً تبدأ ببحيرةٍ ثم نهرٍ وبحر، ثم محيطٍ بوسعهِ أن يثور في الأعاصير.. ماذا لو كنتُ مجرّد قطرة، في ذلك السيل الكبير من الماء..! 

أتسمعُ ياصديقي صوت البحر ؟ أُحسّه يناديني ، وما أنا إلا قطرةٌ من ماء سقطت في لُجّة حياةٍ كبيرة بدئها لمسةُ أثر وختامها انسيابٌ أبديّ يُطلّ بسطحٍ مهيب وعُمقٍ لا يتوقّف..

صديقي العزيز..

للكاتبِ يبدوا الخيال جزءً من الحقيقة.. الحقيقة التي يريد أن يكون فيها، ولك أن تتخيّل كمّ العوالم في أمانياتِ نفسٍ واحدة..! أكوان وشخوص ومواضع ومشاعر غفيرة وكبيرة منسيّة ومذكورة، تفاصيل لا تخبوا على عين الشعراء في هذا العالم، عابرةً وقد تعني للبعض حياة، إن كلّ إيمائه ولفته وثقة وشخص وطفل وعينين ولسان وطريقة ولباس وتقليد وطقس وحيوان وشجرة وطبيعة وخُلق ونظرة وكلمة ومحاولة.. كلها كلها أبيات شعرٍ لمن يحسّها ويضيعُ في سبيل وصفها وتقديرها وتذوّقها بعمق .. هذه الحياةُ ياصغيري ليست سوى جُزءٍ من اللعبِ في هذا الخيال، وللعقلِ منّا نعمةُ الكلمات وملاذُ النسيانِ من التذكّر..

صديقي العزيز..

للحياة طريقتها في جعلنا نشاهد الأمور بانصاف وبدقّةٍ أجدّ ووضوحٍ أدقّ.. والوقت الذي لا يكشفُ لك طبيعة الناس من حولك هو وقتٌ زائف ترى فيه شكل التواصل ولكنك لا تعرف من خلاله قيمة الاتصال، والاتصال قد لا يكون بشكلٍ وديّ ومباشر مع الآخرين لنعرفهم حقّ المعرفة، ولكنه قد يكون من خلال التحليل ورؤيتهم كما يكونون.. بمنازلهم التي يكونونها ومواضعهم التي يبقونها في حيواتنا، فالرؤية التي تقرّبك لذاتك بالرحمة تكون معرفة ومحبة، والخوف الذي يجلبك للكراهية حجاب.. 

سواءً ياصديقي كنت قطرة ماءٍ أو خيالٌ في أمنيات كتاباتي أو جسراً فوق حقيقتي من باب الخوف الى رحمة المحبة.. فلتلعم دائماً أنك باقٍ رغم عبور آخرين، لأنك بالكلمات تُكتب وبها عندي تكون..

فمرةً ازرعهُ في ورقات نبتِ غُرفتك

ومرةً اجعلهُ في الكتاب قبل النوم 

ومرةً كوّمه تحت الوسادة وفي دفئ السرير

أو اجعلهُ مرتبطاً في مشاهداتك على أكتاف الآخرين

أو في عينيّ والديكَ وابتسامات الصغار

أو في دولاب ملابسك تحت الجورب الذي تحبّه بالتحديد..

أو اجعلهُ في غرفة تمرينك أو مشيتك اليومية على ساعتك التي تحسب دّقات الدقائق ونبضات قلبك

او اتركه على الماء الذي ينساب في استحمامتك حين تُطرقُ وتفكّر،

او اغرسه بين النجوم ليبقى.. 

المهمّ أن لا تصدّ عنه في اليوميّ بين أعمق تفاصيلك، 

المهمّ أن تعود إليهِ كلّما زاد إلحاح الحياة عليك أن تتخلّى عنه، 

المهمّ أن تجذبهُ من بحرِ إيمانك وتستعذب الصبرَ على كمّ الرزق المكثّف الذي يأتي في شبّاكك بعد طول صمتٍ واحتساب.. فالصيد يكونُ مختلفاً في كلّ فصلٍ ولكنه على أيّ حالٍ يقوم، في الجوع أو في الكفاية.. والبحرُ موّالٌ من قديم الشِقوةِ ولكنه مليءٌ وكريم..

وكلما أقتنعت أنك هالكٌ أو أن لليأسِ باب؛ ارجع إليه وفتّش عنه وأوجدهُ. 

فنحن بالأملِ نزرع ونرسوا وبالأملِ ننموا ونبقى وفيه وبه ومن خلاله نستجمع الدمَ ونقاوم العيشَ ونتبنّى طاقة الأمانةِ فينا ونحملها باشتداد، 

وسواءً طبخته فكان مُراً أو مالحاً أو أتقنت وصفتهُ أو أحرقته أو لم تحرقه، فهو على مائدة الحياة طبقاً واجباً، يجحفُ حقهُ الجوع ويفسدُه التخم.. ولكنه بالاتزان يبقى وحده هو زاد المتعبين في هذه الحياة. 

صديقي العزيز..

الآخرين لا يشاركون صَيدهم ولكنهم من خلاله يتقنون فنّ الحياة وفن أن يكونون هُم.. وأنا أرجوا أن تكون من حِصّتك الخاصّة، أنت.. وأنت فقط، لأن جميع ما تكونه، وجميع ما أنت فيهِ وما سيكون، يكونُ كافياً.. فكُن فيك واتّصل.

أضف تعليق