الغنيّ ليس حيثما يكون، بل كيفما يعامُل تفاصيله.

لطالما تقدّمنا خطوات طويلة في تحصيل الحاصل وتقويم المختلّ وبرهَنةِ التقادم، ولكننا ننسى أن التأصيل هو نقطة الصفرِ في كلّ أمرٍ وهو عنوان الفكرة. حينما نضيع نعود للفكرة، وحينما لا تكون فكرة لايكون الانطلاق إلا نسيمٌ تحرّك من غير مبتدأٍ وراح في مهبّ الريح..

صديقي العزيز..

تعالَ واقترب من بحر الحقيقة.. أعدك أن سيربُكك ولكنه سيشدّنا سوياً كما مصفوفةِ الحجر حينما يحجز الماء من التبعثر.. 

انظر معي للمدى، أخذنا الوقت طويلاً طويلاً قبل أن نرى، وها نحن نقترب والوصول يشبهنا، نحن هنا.. في هذه البقعة من المعلوم وهمّنا أن نكون كما عَلم، أن ندعوا وجوه المغتربين الباحثين على هذه الأرض.. أن نطرح غرورنا جانباً ونبدأ بفعلِ الذي قد كان ينتظرنا، لا شيء يغيّب وجه الحقيقةِ ولو ظلّت عنّا.. ولكن الجزم بوجودها هو البوصلة..

صديقي العزيز..

حينما تُمسك خيطك، ستبدوا كلّ الأشياء التي ظننتها يوماً تافهة، في محلّها الصحيح. وستعلم أن حياتك تأخذ مجراها على شكل الطبيعة الربّانيّة لا كما شاء لها البشر.. أنت دفقٌ عزيزٌ حينما تكون الفطرةُ منبعك والحقيقةُ وجهتك والوصول غايتك والأخلاق مسارك والعدلُ شعارك ونيّتك.

نحن بخيرٍ ياصديقي مادُمنا نحسّ ونقاوم عن مبدأ، عن حلقةِ هويةٍ لا تحيلنا للضعفِ ولكنها تحملنا للقوّة، نحن بخيرٍ حينما نستسلم، فنمدّ الكفّ ونغضّ الطرف ونقيم فينا تهذيب النفس كدليل وكعلامة..

وأنا أتمنى يا صديقي.. أن يكون أثرنا طيّباً على هذه الأرض يخبُر عن عبور مفكّرين حملوا همّ أن يكونون هُم.. لحموا قطعةً على قطعةٍ في الدرب حتى صار صعوداً.. تخابروا بالجديد فاستمعوا له وطربوا للصدقِ فحققوه وكانوا لمن حولهم أطواق نجاة ولمن بعدهم مراجعُ أجوبه.. مفكّرين عاشوا بهمّ الأسئلةِ ولكنهم كانوا مُخبرين عن غضاضة السموّ البشريّ. وملائيكية الوجود الأرضيّ الذي لا يكون شحيحاً حينما نختار أن نجعله بالإيمان ذو غاية..

يا الله.. أنت كفيل القوت والقوة والفكرة والكلمة والسؤال والجواب.. ارزقنا يا رب وبارك لنا فيما أعطيت وامنحنا صدق الإحساس وبلاغة الكلام وحُسن التواصل ومهارة الوصول انك قديرٌ مجيد.

يا رب.. 

أن نفهم حال العالم الذي نقوم عليه، ونكون فيه.. 

أن نعي حجم أدوارنا في الحياة وفي أيّ منها نكون..

أن نتعلّم قبل أن نصاب بالسفهاء منا..

أن تلهمنا صحّة اللسان مع حجم المواقف وحكمة التبدّي فلا نقول مالا نعلم ونعي مانقول ولا نؤذي فيما بينهما عبداً من عبادك..

برّئنا يا الله من ذموم خلقك وشياطين انسك وجنك..

صديقي العزيز..

البحر يتلعثم في موجٍ لطيف، يريد أن يحكي لي حكاية الشمس ولكنّ الليل خيّم، فصار بين انعكاسات أنوار الشوارع فضاءً متبتلاً خاضعاً لصنارات الصيادين، وهاجس الأحباب وزحام الزائرين.. تبدوا لي فيه حكايةٌ طويلة لم تروى بعد..

وللبحر قصّته مع الليل ولي أنا ياصديقي قصةٌ أخرى معه.. أيصحّ لي القول أني أشعر ببحر الخليج ينساب في داخلي؟ فكلّما شعرت بالغُربة تذكرت رقّة موجه فسكنت وعذوبةِ مداه فاطمئننت وصبري بشوقٍ إليه حتى الرحلة القادمة؛ فاستعدت ابتساماتي ورضيت..!

أحبهُ كيف يجمع الغرباء، كيف أن له في كلّ إنسانٍ منا حكاية ، كيف يعلم أسرار العالمين ولا يكشف سرّه، كيف تبدوا كلّ صورةٍ له مختلفه..! البحر لا يتوقّف على صورةٍ ثابتة، وإن كان هنالكَ مثلٌ حيّ للصيرورةِ لقُلت أن الماء على سطح الأرض، الجاري منه، يمثّل التغيير الواجب على هذا العالم..

التغيير .. التغيير .. ماهو الحميد منه اذاما كان كلّ شيء يتغيّر..؟

أن نغيّر ما في أنفسنا، حتى نكون أقوم.. 

ونشدّ على أحلامنا حتى نكون بالأملِ أقوى، 

وأن نستحسن الخسارة الحالية لأجل المكسب النهائيّ، 

وأن نكون بالمحبّة والنيّةِ أبلغ منا بالفعلِ والكلمات..

التغيير الذي يشدّ عضُد الإيمان فينا هو التغيير..

أضف تعليق