Sat.. 25.Nov.2023
أتكوّر..
علّ الحياة اذاما عشتها تتدوّر،
علّ النسيم اذاما هب الهوى، عنّ تبعثري يتحوّر..
تتقلّب صفحات الأيام وتكبّرُ مع مضيّها قصتين، الأولى تُعنى بحجم الشعور والثانية تأتي على قدرِ تفاصيل الواقعِ ومابين الاثنين قصص وحكايا وكثير من الأسئلة بعضها يثير وبعضها يعبُر وبعضها يشكّل فينا انحنائات لم تكن لتعطي من جوهرها قامتنا الأسلم لولا عبورنا على جسر التفكّر والمحنِ والنقص حتى نرسوا من جديد..
أعود..
أرجع لترتيب نفسي في داخلي، أنفض عنها العوالق، أضبطُ موجتها على وقعِ الاستبطاء الخفيف الذي أحبه.. وأنا معها بين شدٍ من الوترِ وجذب، تريد الانعتاق مما تعلمه وأريد منها أن تعود لانضباطها المعهود على طقوسي.. أتبسّم ، لأن شيئاً مما قد كنت أكرهُ في طفولتي من القيد أراني الآن أختارهُ، ولكني في هذا الوقت أختارهُ بتمعّن ووعي الذي يعلم أن في الرجوع كنوزٌ لاتجدها في دهشة العابرِ وضجّة المتغيّرات الدائمة التي لا تجُد بين أصواتها صدى أنفاسك..
الصدى..
ذلك الذي قد نُسرف عمراً باحثين عن فحواه، من نحن وما نكون، كيف نسمعنا، وكيف يسمعنا الآخرون؟ كيف نريد أن يكون أو كيف نريد نحنُ أن نكون.. هل نسمّي الأشياء بأسمائها حقاً، وهل نريد؟ أم علينا أن نجدد لربما في التجديد ما يفيد، لكن ماذا لو كان التراكُم أولى من البناء الحديث الصغير في كلّ مكان..!
الموج البطيء..
شاهدتُه ياعزيزي مؤخراً.. كان عذباً نابضاً بالحياة، وكأنه النُقطة الأخيرة من امتدادٍ طويل لسفرِ هذا الماء حتى يكون زبدا.. عبَرت عليهِ قرونٌ من التعب ودهورٌ وشمسٌ وصار غيمةً ثم نزل إلى الأرض.. سافر طويلاً حتى يتقدّم ليلامس أطراف أصابع قدميّ الملهوفةَ شوقاً للبحرِ ودهشته منذ نعومتها.. الموج البطيء ياصغيري له صوت، وصوته يُشبهك اذاما كنت باحثاً عن حقيقة الطبيعة وحقيقة الحياة.. ذلك أنه قادمٌ من رحم الأرض، من بطنها وسطحها حتى قبّل ثغر اليابسةِ وارتطم بعد سفرِ الهواءِ بزَبده وماكان إلا ليعود، وتلك مثابرتنا مع الحياة، نرتطمُ ونعود..
القيدُ والطقس..
النفس يا صغيري لا تغترّ دوماً بهبةِ المألوفِ جداً والمتوقّعِ أو هي ماعادت تفضّلهُ في هذا الزمنِ الدعائيّ الهشّ الذي يغريها بالجديد من الأمرِ في كلّ مرحلة.. ولكن ثمّة ما يكونُ في الغوصِ والتحديق مايجعل السلامه، كلّ السلامة في الاستمرار، في العاديّ، في تبصّر النعمة ثم شكرها شكراً يليق.. حتى تسكنَ هذه الرغبة بالتملّك والامتلاك للجديد، هناك.. حينما نسافرُ من سكون، تنضب الدهشه ويحلّ محلّها شعورُ الابتسامةِ تجاه الجمال، ذلك أن العابرَ والمختلف لا يُمتلك، إنما هو وحيٌ وإلهام.. نعودُ لذكراه ولا نعود إليه بنفسه.. ليبقى الطقسُ والقيد هما حبلين نقيّد بهما الأيام ونبني من خلالهما الطريق الطويل لهذه النفس بحدود التقوى نحجّم جموحها ونباركُ خفّتها وندعوها للصلاح والتهذّب والعلمِ والتعلّم والحِلم والتحلّم حتى تغدوا سليمةً ومعافاة..
صديقي العزيز..
أشعُر أنني كُلّما أكبُر، أقدّر الموجود بشكلٍ أعمق.. أتحسس النعمة بروح أصفى، أبتلع الحياة بلقماتٍ أبطأ وأخفّ، أسري مع الزمن ولا أسابقه، أستنشقه.. أتطيّب به، أحتفي بجمالهِ ولكنني لا أرغب بتملّكه، أبارك العابرين عليّ ولا أحملهم معي، أضعُ حقائب السفرِ وأعود ولكنّ شيئاً مني لا يريد البقاء فيما تركت إن تركت وشيءٌ كبير مني يريد العودةَ كلّما فارقت مكاني وكأن الروح.. كأن الروح يا صديقي تعتاد وتستكين لما وُهبَت حينما تتفكّر أن الموجود هو كلّما تبحثُ عنه وهو كلّ ما ينقصها.. يكون هنا الغنى امتلاء الرضى لا رغبة التغيير..
اللهمّ شأناً وطريقاً يرضيك ونفساً تحبّك وروحاً طاهرةً ترتجي السلامة من جميع مافي الأرضِ لما في السماء.