Fri.. 15.Dec.2023
في قصيدته “أرجٌ لريّا طلَّة ريّاهُ” يقول البحتريّ في أبياتٍ منها ما يقول:
“والعيشُ ما فارقتهُ فذَكرتَهُ،
لهفاً وليس العيشُ ما تنساهُ
ولو أنني أُعطي التجاربَ حقّها
فيما أرَت لرَجوتُ ما أخشاهُ
والشيء تُمنعُهُ يكون بفوتهِ
أجدى من الشيء الذي تُعطاهُ..”
يطرق الإلهام الباب أحياناً، وأحياناً يندفعُ من الشبّاك مع نسمةٍ عابرة.. أيام يتدفّق وأيام ينحسر.. تركضُ معه في آماد ويتعبُ ظهرك بالجرّ أياماً أخرى..
بالأمس كنت أخبرُ بأنني قد تعب ظهري بعضاً من الرقص من الحياة.. أحسّها أطالت الميل قليلاً في الفترة الأخيرة وطال معها ثقل انحنائي..
أنا أكتُب للحياة، للنور، للنسيم الصغير، لنجمة الليل الخافتة التي لم ينتبه لوجودها أحد.. للّيل وبعض نباتات الليل التي تعطي شذاها فيه بشكلٍ خاص ولا يشتمّها العابرين المسرعين على حيواتهم.. أكتبُ لمَيلان الأغصان الكريمة التي قد تحضنُ عامل النظافةِ وقايةً من المطر.. أكتُب لمقعدٍ حزين في المقهى، كان يضجُّ بالراحلين، وللأغنية الوحيدة التي كانت سرّ ضحكات صغيرةٍ على الأيام، تعيدها الأمّ والصغيرة راحلة..
أكتبُ للأمكنة المنسية والأمكنة المفقودةِ إلا من الذاكرة، فبعضها من الحرب يُكنس وبعضها من الزلازلِ يُرمم ولكنّه لا يبقى إلا في ذاكرة أصحابه، بخصوصيّته التي كانت وباطمئنانه قبل خرابه الذي كان..
أكتب للمنسيين وللأشياء المنسيّة..
للكلمة التي تغيّر مجرى حياة، للحكمة التي تعطي مساراً أخضرا، للفكرةِ التي تُحرر عقلاً محمّلاً بالقلق، للأفعال الرحيمة التي تعيد للبعض ثقتهم في الاخرين.. أكتُب لأني أحبّ كل هذا..
ونحنُ حينما نشعر فنكتب؛ نريد لكلماتنا أن تصل النهر والبحر، تداوي وتُضحك، ترافقُ عزلة وتؤنسُ وحدةً وتطيب بها مجالس.. لا نريد أن يخفي صاحبها قراءتها ولا نريده أن يعلن عنها بكشفٍ فتلوكها الألسنُ فتكون هباء.. لا نبتغي أن نكون للجميع ولكننا في ذات الوقت نريد لو نستطيع لمسَ ما في دواخلهم بكلماتنا فتكون دفئاً..
حينما تحتار في لساني وقلمي التعابير أو تدور في داخلي فكرةٌ لا أعرف من أياديها أين أمسكها أقول؛ أن الله هو سيّد الكلمات، يؤتيها أحياناً بكرمٍ ويسبغها عليك بنظمٍ شاعر، ويقصرها أحياناً حتى تعرف حين تثق بذاتك بإطلاقٍ أنها ليست منك، وأنها تنبعُ من وحي وتُكتبُ من قدر وتتنزّل من رضىً..
فاللهمّ مدداً في معنىً يرضيك.
Sat.. 16.Dec.2023
في كتابه داغستان بلدي، يخاطب رسول حمزاتوف القصيدة فيقول لها:
“قولي إذن أيتها العبقرية، من أي مصدر تأتي قوّتك؟ من أنتِ؟ الوجدان، الشرف، الشجاعة، أو لعلّك أنتِ الخوف؟ لأن من يخاف يغني أيضاً وهو يضرب في الليل لهيب لنفسه الشجاعة. أأنت السعادة أم الشقاء؟ المكافأة أم العقوبة؟ أأنتِ الجمال الذي خُلق لعذاب الناس؟ أم الألم الذي يلد فيه الجمال؟ أأنت ابنة العصر أو الحادثة؟ بنت الشرارة تلد في قرع الحجر بالحجر، بنت الحرب لا تزيد عدد الناس على الأرض ، ولكنها تزيد عدد الأبطال على الأرض.”
أتفهّم الآن حينما يُقال أن البعض قد يضعون قناعاً حينما يتحدثون عن الإلهام والرحلة والحياة والعيش.. حيث لا يبدوا في الواقع كلّ شيء قابلٌ للحماسة ولا مثيرٌ للرغبة، بل وفي غالب الأوقات تبدوا الاوقات بطيئة وقد نحتار فيما نفعل..
ولكن لأن هذا العالم مقلوب والناس مشغولون في تحصيل حاصلٍ واتباع ما يلهيهم عن التفكّر في المعاني، فقدَ الإمعان شكله والملل حِصّته من وقتنا، كذلك فُقد التفكّر والخلوّ والقرار في أيّ وجهةٍ تناسبنا أن ننعطف حتى صارت الكُتب تكتب في كيفية اتخاذ القرارات..
ابتعدنا عن ذواتنا حتى صِرنا نجهل ما يصلحُ لنا وكأننا غُيّبنا عنا، سُرقنا منا، أُلهينا فينا حتى صار انتباهنا لحالنا وأفعالنا ونواينا “وَسوسه” وشرودنا هو الطبيعيّ..
صديقي العزيز..
لا أخفيك.. هذه مرحلةٌ من الانتظار.. وهذا وقتٌ من التوقّف الرحيم أدرك فيه أن الصمت يعلّمك كيف تعيد كتابة الأحلام حينما يجتازها الوقت وتكون قد غفلت عنها.. حينما تريد أن تتجاوز وتتعدّى ما كان، لما سيكون..
وقتٌ لا أعلمُ حتى الآن مالذي سيأتي بعده لكنني على أتمّ الاستعداد أنه رحمة..
ثم إنني تمعّنت قليلاً في فكرة الخلوّ، التوقّف، والصبر البطيء..
ثم إنني أدرك الحال الآن.. ليس الفراغ هو ما يحتاج للملئ فينا، بل هي رغبتنا في السعيِ بالهمّة لما نريد.. عزيمة الإنسان في هذه الحياة هي عَلمهُ فيها.. ليس الحال هي أننا لانعرف ما نريد، بل هي في السعي لما نشعر أنه يناسبنا . أن نتقبّل ما كان ونُقبلُ على أقدارنا وأيامنا وأوقاتنا بصدور رحبه لا تخاف السكون أو الركود والتوقّف..
أليست جميع الاحتمالات تهطُل في الوقوف؟ أليست هي في الوقت الفاصلِ بين ما يحبّه الشخص وما يتوقّف عنه وما يتوق إليه..! أليست الحياة نعمة، نعمةً في أن نستقبلها كلّ يوم؟ وأنها تهطُل علينا كلّ يوم؟ وأن خلودنا هو خلود اللحظةِ فحسب؟ الفكرة والفؤاد وحسب..! أوليس تلك هي حريّتها وهي انتصارنا؟ أن نتملّك الوقت ونحصّل الزمن..! ونبطئ الإمعان ونحدّق في الصمت ونعرف خبايا جواباتها..!
كم تبدوا الخلوة حينها ذهباً.