Mon.. 1.Jan.2024
“أتذكر جيداً كيف كان أبي يعلمني في الحقل كيف أجمع الأعشاب حزمةً حزمة عندما كنت صغيراً. وعندما أشدّ نطاق الحزمة بكل قواي، وأنا أعتمد على ركبتي كان ينصحني:
-انتبه يا رسول … لا تخنق العشب.
واليوم عندما تستعصي علي قصيدة وعندما يفرّ مني بيت رغم كل ما أبذل من جهود لإقراره في موضعه أراني أضرب ضربة صاعقة لأنهي القصيدة مهما كلّف الأمر. عندئذ أتذكر كلمات والدي: انتبه يا رسول. لا تخنق العشب.”
-رسول حمزاتوف/ داغستان بلدي.
هي كذاك يا رسول.. بالنسبة للشعر، وبالنسبة للكتابة.. فنحنُ ومهما حاولنا إجبار نفوسها على حضور الطقوس، إلا أن الروح عصيّة، والإلهام لا يهبطُ في البُقعة التي نريدها من الوقت دوماً بل وعلى العكس، قد يُباغتنا في أشدّ الأوقات حَرجاً عن الكتابة ونسياناً لها..
ابتسامة الدواخل على الأحاديث العابرة..
أجلسُ بسكون.. لاشيء يعبي هذا الفراغ الذي أسمع من خلاله صوت أنفاسي.. أُبارك لنفسي بدايةً جديدة، وأستدرِكُ جميع ماابتغي أن يكون في عامي الجديد حاضراً..
تصالحت مع الصباح والنور.. صارت الشمس مصدر طاقة وليست شعاعاً أفرّ منه.. صرت أرى الدفئ خلف الأشياء الظاهرة، أتذوّق التواقيت وأغوص في نفسي بشكلٍ أعمق..
ما أعد به نفسي الآن تجاه ما سيكون، أني أريد الهبوط على طقوسي بتذوّق، أن أحسّ بها بجميع حواسي كاملة.. أن أُحييها في نفسي خصوصاً حينما تحين ساعة الكتابة فالكلمات في نهاية الأمرِ لها حيواتٌ تستحقّ الإحتفاء والتأمّل، أريد أن أتذكّر النية التي دعتني للقيام بالأمور التي أؤمن بصحتها ومناسبتها لي فأنا أخشى أن أضيع في سرّ الواجبِ والخوف من عدم تمامهِ وأنسى سبب المحبة التي من انطلاقتها عرفت ما أعرفه..
ولأن الذكريات أبواب، ونحنُ حينما نهدأ، نبدأ بالتساؤلِ حول غايات القلق التي جعلتنا نتمم ما انتهى أمره -ككُل الأمور التي تعبر- بكلّ ذلك الشعور الضيّق من الرؤيةِ ونقول : لماذا كان لنا فيه نظرةٌ من القلقِ ولم نُدخله على ذواتنا من بوابةِ الرضى..!
أريد أن أدخل من باب الرضى حافيةً من جميع توقعاتي على عامي الجديد .. راضيةً بكلّ ما وهبني الواهب وماسيكون..
لا تحتاج الكتابة منا غزير التجارب ولكنها تحتاج من صاحبها الإبصار والانغماس في فكرةٍ واحدة.. أن نضعَ للكلمات أوزاناً وأجنحة، أن نُسافرَ ونلمس السماء والغيم ونصعدُ الجبال ونقارُب الطير وننتشي في الغسق.. أن نصعد رؤوس النخيل ونؤنسن ونجسّد الجمادات ونجعل لها شعوراً وحكايا وزوايا من النظرِ، بل وآراء..!
الكتابةُ يعني أن تحيا وفيما حولك حيواتُ في جميع الأشياء، ستسمعُ همسها حيناً وتتولّى عنك أحيانا ولكن صمتك لن يعني يوماً السكوت من داخلك..
هي أن لا يكون العابرون من البشرِ سوى قصصٍ تمتزجُ فيك، وتتطبّعُ فيها..
هي قهوتك حين تحلو وصباحُك حينما يُكرِم ومكتبتُك حين تفيض وصديقة عقلك وغريمتهُ في آنٍ واحد..
الكتابةُ هي نفسك.
وبعيداً عن جلال الصمتِ وفراغ الدواخل وعصيان الكلماتِ ووصف الطقوس.. أرجوا أن يكون هذا العام مباركاً وخفيفاً بحجم المساحة التي بَقيت، والأشياء التي تركت.
انتبه يا رسول… لا تخنق العشب.