هل فكّرت يوماً أن العصافير لا تحتاج إلى من يوقظها؟ وأن الكون كلّه يُشرق مع الشمس؟ وأن النهار يُحيي، والأرضُ تشرق وتبتسم وتحزن كما نُشرق ونبتسم ونحزن في مراحل ..!

لست أعلم متى يجب علينا أن نكون متفتّحين ومتى ننغلق للزرعِ قبل الحرث ونصبر تحت الأرض قبل أن نشقّ أسوارها ولكنني أعرف أن الجميع لا يفكّرون بالطريقة نفسها وأن البذور تختلف ليس بمراحلها فحسب، بل وحتى في وجهتها ومقدار غذائها الذي تحتاجه من الشمس، إذا كان ذلك كذلك فعلينا أن نحترم .. خُلقنا لذات الغاية ولكن الله لم يُلزم أيّاً منا بتوقيت هدايته المحدد .. سنمشي على هذه الأرض، سنُخطئُ ألف مرةٍ قبل أن نتوب، ثم سنعود ونتردد حتى نعي جذورنا جيّداً ويكون لنا أمام النفسِ باب نميز ملامحه مع تقدّمنا في العُمر والتجربة ..

هل فكّرت يوماً من أين يأتي الإبداع ؟ ولماذا بحجم الموتِ تُولد ولاداتٌ جديدة ؟ ولماذا اعتدنا أن نسمع الفجيعة ولا نطوي لها أياماً كاملةً من العزاء؟ ولماذا نحنُ لاهون جداً أمام نكباتنا؟ لا لشيء، بل هو خدرٌ لا يؤدّي أما الإبداع فهو وليدُ عملٍ بعد فراغ تأمّلٍ عميق والولاداتُ كما الموت سُنّةُ وجود الإنسان على هذه الأرض والدمارُ الحاليّ نتيجةُ بُعدٍ قديم واستسلامٍ مخزي أمام الحال والإخوة والأرض ..

أعتقد يا صديقي أنني أسرفت في محاولة مواساتك والحقيقةُ ليس بأنك معزولٌ عن المواساةِ ولكن لأنك مُبتلّ وكلّ أدواتي التي أستطيع من خلالها مساعدتك على الدفئ لا تبرر حقيقة أن واقعنا اليوم مخيف .. ولكن دع الخوف لي ، وتمسّك بحبل نجاتك الأخير ؛ قوّتك ووسام شرف نزاهتك البعيدة عن عالمٍ يحترق بطمعه ..

هل فكّرت يوماً أنك قد خطوت خطواتك الأولى على الأرض فاحتفل الوالدان؟ وتركت صدر أمك بعد الرضاعةِ فتولّت؟ وأنك كنت تحبو وتقف وتسقط؟ 

كنت أتفكّر اليوم في الذين يحتاجون للغير بشكلٍ نفسانيّ حتى يكونون على أرضهم في اتزانٍ شعوريّ .. شعرت أن مراحل الناس في نفوسهم تختلف في الطفولة والنُضج ليس تبعاً للجسد فحسب بل وأيضاً للصحة النفسية .. فقد كنت تحتاج من يثبّتك على الأرض حينما كنت طفلاً أو من يمسُك يديك لتشعر بالثقة أمام خطواتك في الحياة حتى تولّيت كبيراً فأسقطت عن جسدك وهم الرغبة في السَند البشريّ وحملت نفسك .. فتعلّم الشُكر على عدم الاتكال …

هل فكرت يوماً في الفن؟ 

وكيف أنه يجمع البشر ، كبيرهم وصغيرهم ناضجهم وطفلهم على طاولةٍ واحدة ؟ وأن تذوّقه جزءٌ من معانينا ..! وأن سِرّ الارض كامنٌ في إعمارها ..!

نحنُ ياصديقي دائماً على  بُعد خطوةٍ واحدة من الفهم، مسافةٍ واحدةٍ من المشي، طريقةٌ واحدةٌ من التفكير، مسافةٌ قصيرةٌ من الفن، حتى نكون في ذواتنا أرحَب …

أضف تعليق