Mon.. 21.July.2025
تدوينة حديثة أقطع فيها سلسلة الأيام البعيدة لأن كلّ الأدب في هذه المرحلة يئنّ ولا يُدهش.. هي مجرّد كلمات.
“قَلبي وعَقلي فما أدري لأيّهما، أُرخي الزّمام وأُلقي بالمقاليدِ”
جلست على عتبة بيتي في مساءٍ وحيد.. يآهـ، أيُعقلُ أن هذا قد كان كلّ ما قد كنتُ أنتظره..؟ مجرّد مساءٍ لايقطعهُ صوت..! كم تبدوا الأشياء لامعةً من بعيد..
تحسست صدري، إن فيه أنّةٌ وحنين يصرخان، يتشقق كما أرضٍ جدباء، كلّما نزلت من عينيّ دمعةً استشعرت أن الشقوق يضيء منها نور.. ذلك الضوء يحملني على البكاء بشكلٍ أغزر، وتلك المنافذُ للنور تتّسع.. وأشعرُ بأنني قد فقدتُ الخيط بين قوّتي ومرونتي، ضعفي او انحيازي، تماهيّ أو حدودي.. وكأنني صرت كلّي بيضاءَ من حُزن.. عيناي تبصران الأزرق ولكنّ أصداء قلبي ونفسي في بياضٍ كثيف.. يرى النور لا يطوله، يحسّه لا يحكيه، يختبره لا يكتبه.. يجرّبه ويتحسس حرارته ولكنه مالا يوصف..
لقد صرت الان الان فحسب؛ بعد الله لذاتي كلّها.. بين يديّ نفسٌ تتوق وقلبٌ يعقل وعينان تشتهيان المُطلق البعيد.. في رأسي كلمات وفي الحياة ما يكفي من الشعرِ والشعور وفي العالم، عالمنا العربيّ بؤسٌ لاتكفيه الكتابة ولن تحوزه.. ما أصغرنا أمام ذواتنا ياغزّة.. أمام مواقفنا.. لقمتنا غصّة وجُرحكِ عوراتنا الظاهرة أمام الله والعالم أما آلامكِ فهي أيامنا الاهثة في تحصيل الهباء..
أحسّ بأنني رغم نعمتي في نكبة، في بلاء في حسرةِ أن أكون صغيرةً جداً أمام مواقفي ورؤيتي وبصيرتي.. وكلماتي.. كلماتي البخيلة في حقّ التاريخ الذي يعيشهُ اخوتي.. شعوري بالذنب أكبر من أن تصفه الكلمات أو تقدرُ عليه المجازات أو تحرّكه الدوافع.. كلماتي كثيرة، كبيرة، مُبعثرة، شحيحة، جائعةً كطفلٍ نحيل في غزّة؛ لا تُسمنُ في معناها ولا تغني من جوع..
انني أمرّ على الأيام مرور الأوفياء.. وأرى الشجر كلّ يومٍ رؤية المودّعين وأستقبلُ مكاني استقبال الراحلين لأعزّ أبناءهم.. اولئك الذين يرجون أن يبقوا من بعدهم أثراً..
حتى أنني ماعدتُ يا صديقي أعرفُ تماماً ما أريد..
إن النماء القادم على أتراح إخوتي فناء،
إن الفوز المحسوب على هزيمة سندي خسارة،
إن توهّم فوزنا على الجبل بمجرّد الوصول لقمّته جهالة،
إن اللقمة لتقف، وإن الإباء ليتمنّع، وما يتبقى لنا يا صديقي من كلّ أقوالنا المتحجرشة وأفواهنا اللملقاة على الشوارع؛ تلك التي تتماها ولا تنتمي، سوى الشعر والأثر.. الأوّل يداوي المنسيّ فينا والآخرُ يطرقُ في البيانِ ليخبرنا كيف نتذكّر؛ علّ أفئدةً من ظلامها تفوق…