صديقي العزيز ..
الحياة حال ذكرك وذكراك تقفُ بين ميزانين اثنين؛ أن تستوعبك، وتعرف حجمك. ثم كيف تُقيم شخصك بين الناس عالماً أن لا أحد بوسعه أن يسلب سلامك العميق ولا أنت بقادرٍ على ردّ فكرةٍ بالقلقِ في مواطن قلوب الناس.. أن تعرف حجمك يعني أن تنتبه، تؤدّي دورك كما تأتيك الحياة، دورك المرهون بوجودك، وجودك المرهون بالفضل وبالجمال .. أن تكون كما محبوبك، أن تكون جمالاً..

الحديث عن المعبود، المحبوب، الله.. حديثٌ يجعل قلمي البسيط يخشع .. شيءٌ في القلب يتدفّق، محبةٌ من نبعٍ ليس له منتهى.. سارٍ فيَّ ما حييت، مُطبوعٌ مع فطرةِ روحي، سخيٌ بحجم وساعة القلبِ في ساعة السحَر.. حُبٌ خافت.. ليس له شروط ولا عليه مطلوبات انما هي اتباعات، وأميال نقطعها مع كلّ يومٍ وليلةٍ وسجدةٍ وصلاة.. مسافات نحاول من خلالها تمرين هذا الحب، انعاش هذا القلب، تكوين تلك الثقافة بالمرونة المناسبة لجسدٍ محبوبٍ محمولٍ بالأمانةِ ويُحبُّ خلّاقه البديع ويسعى كلّ سعيه لمحبته..

السَوء يا صديقي بالحديث عن هذه المحبّة الواسعة يأتي بين صراعين اثنين، أولهما أن قلمك لن يفي وَساعة هذا الدِفقِ مهما وصفت واحتذقت واغترفت من بحر اللغةِ المتجذّر.. والثاني أن هل ستكونُ بساطة كلماتك على قدرٍ من الرؤية عزيزٍ كما كتب الأوّلون عن ذات المحبة…؟
أُعلل نفسي وأواسيها أن ما يأتي من القلبِ بالكلماتِ دوماً يصل.. أكتُب من ذات المنبع الحسّاس وقد يكون هو كلّ ما أحتاجه للتعبير عن هذا الفيض الرحيم والواسع..

صديقي العزيز..
أجهلُ كيف أُعمي عيني عن ابصار حقيقة الحياة والمئال والناسِ وذكري فيما بعدي.. أجهلُ كيف لا أجعلُ لكلّ ذلك ثمن، وأجهلُ الانغماس في الحياة.. الرضى بالمالِ مقابل الامعنى، والرضى بفقدِ أعزّ المملوكاتِ لأجلٍ لم يسمّى بعد.. أخشى النسيان يا عزيزي بقدرما أستوعبُ الحاضر والمهمّ والسامي في هذه الحياة.. ولا أكذبك فقد لانعملُ بما نعلم طيلة الأيام ولكن أليس يكفينا هذا العلم لنكون أكثر وعياً أكثر تهذّباً وأكثر تمعّناً في رؤية الحكمة العميقة على الحنَق العابرِ والعجلةِ الدائمة في النفس..!
هي التربيةُ يا صديقي..
ليست تربية الوالدين بل تربية النفسِ على مانراه لها جلالاً وعافية.. العلم لوحده لا يكفي، يأتي وقت العمل به حينما نتوكّل أولاً ثم نربي النفس ثانياً أن تبقى على مدار العلم لا مدار شهوتها.. كم أشتهي اللهوَ يا عزيزي ومالهُ خُلقت ولا تخلّقت..!

صديقي العزيز..
هذا الوجود منحة.. فيه الإدراك جائزةٌ وكنز.. إدراك كلّ ما هو، كل ما هنالك، كل ما يكون.. وهو ليس إدراك الوصول والعجز والنهاية بل وعيُ المنتبه الذي من خلاله يتفاعل مع قائماتِ ونائبات الدهرِ وتأويلات الأمور.. عليك كما بدأتك يا صديقي أن تعرف بالميزان مكانك.. مكانك فحسب، قصّتك الكاملة وانفتاحك على ماقد يكون؛ حتى تربّيك.

أضف تعليق