Tue.. 30.Jan.2024
قال أبو حاتم :”العقل دواء القلوب، ومطية المجتهدين، وبذرُ حراثه الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، وعِدَّته في وقوع النوائب، ومن عدِم العقل لم يزده السلطان عزاً، ولا المال يرفعه قدراً، ولا عقل لمن أغفل عن أخراه ما يجد من لذة دنياه، فكما أن أشد الزمانة الجهل، كذلك أشد الفاقة عدم العقل.”
صديقي العزيز..
أتفكّرُ في كلّ الذي ينطوي عليه هذا القلب.. بين الفعلِ وردّت فعله.. انسجام هدوءه أو انتفاضةُ عجلته وخشيته من خلال أحاديث قد تطول وتتقاطع..
أتفكَر في كل الذي قد كان.. كيف كان ومن أين بدأ وما هو الذي يريد أن يوصلني إليه..! كان صوتاً مسموعاً أم همساً مختبئاً خلف الأصوات العميقة الساكنة فيّ، اخرج ياصغيري ولا تخف .. ثُم قُل ، وبهِ نرى إذاما يكون..
أتفكّر..
في كلّ الذي لم أقلهُ، وامتدَّ إليهِ منطقُ القلبِ قبل اللسان فخبّأتهُ.. منكَ، ومنها ومن كلّ أحد.. حتى صارت لي العُزلة تجليَة، وفسخُ أقنعة.. وهدوء.. يا لهذا الهدوء الغامر يا صديقي.. الصمت يحتضنني كما أم ويجعلني به أتعدّى عوالق الأيام ومن خلالِ رحمة ربي فيه وفضله.. أتجاوز.. يلهمني ولا يكبّلني، يعطيني ولا يرهقني بالملل.. وحيٌ يا عزيزي هو الصمت، رفقةٌ يا عزيزي هي العُزلة.. أجملُ صاحبين، أصفى رفيقين أتعللُ بهما فتزورني الفكرة ويُضحكني ما مضى ويهونُ في سبيلي القادم.. ذلك أنني وحدي أضيء.. نعم الآن أصبحتُ بلا خجلٍ أعترف أنني أحبّ اضائتي لي ونوع خفوتي بين الناس.. ليكون كلّ الضوء النابع من صيرورة الوحدة ونغم العُزلة لي وحدي..
هناك، يجري النهرُ ويهبُ النسيم وكما يقول محمد الشهاوي في أبياته:
“وهنالك يصفو النبعُ ويحلو الماءْ..
وتداعبُ كفُّ الخُضرةِ وَجْهَ الصحراءْ.”
وصحرائي وقفّري ياصديقي هو الزحام.. هو اللهوُ والناسُ والجمعُ وزخمُ الأحاديث العابرة.. تجفّ روحي وتتصحّرُ حينما أُجبرُ على وصلٍ لا يلمسني ومجلسٍ لا يألفني ومزيجٍ من العقول لا يُشبهني.. الوحدة هي هناك هناك لا في امتلائيَ هنا.. الوحدةُ أنلا أعلم ما أقول ولا مالذي بوسعه أن يساعدني.. هي أن تختلط الأصواتَ ولا تجدُ لها من مجيب.. هي الخوف بين الجموع ثم لا أحد يتحرّك لإنقاذي..
في العُزلة دوائي دائماً يا صديقي…
أتفكرُ بالشعراء حول العالم.. اولئك الذين وضع الناسُ على رقابهم وأكتافهم وزن الشعورِ والتعبير عنهُ كما يجب.. أفكّرُ في المجازات التي عليهم أن يشاهدوها كلّ يومٍ ليكتبوا الشعر، مرورُ الحياة الذي لا يكون عابراً، حاجتهم للزحام، للحزن، للألم، للضحك، للأصدقاءِ حتى يخلقون معنىً ما، بيتاً، شطراً، حُلماً جديداً أو سيلاً من كلمات.. الشعراء يُغوونَ الهائمين باللغةِ الواقفينَ على جبهةِ المشاعرِ من مكانٍ قصيّ، يحمونها ولا يدخلون معاركها.. اولئك هم نوعي من الناس..
أتفكرُ يا صديقي بالذي قد كان، هل لا يزالُ بالأثر..! ألسنا نتجدد كلّ يوم، نُخلقُ من جديدٍ كلّ يوم حسب ما نقوله ونكرره؟ ما أكبرَ تلك المعاني ياصديقي، أن تعود في نهاية الأيام أبيضا، أن تقوم في أول الأيامِ أبيضا، أن ترجع لما يُطوى عليه هذا القلب فيما بين البينينِ فتفرشهُ وتنفضه وتتركه ليغطّي أرض سمائكَ أو سماء روحك حتى تجمعهُ من جديد..
حينما أترك أو يتركني هذا الهذيان يا صديقي سئاتيك.. محمّلةً بالفراغ لتملأه والسكينة لأكونها لك والهدوء الجَلل في حضرةِ خوفك لنكون بخير.. حتى ذلك الحين أتركك لعميق التجارب، واتركني لعزلتي وهذياني حتى ألقاك.. بخير..
انتبه وكُن حيثما تكون؛ فأنا أحبك جداً..