صديقي العزيز.. 

لا مجال في الحياة للوقوف، لأن جميعُها ماضٍ.. فإذاما يوماً انتبهت وجدُتني أعيد التوكيدَ على قناعاتٍ صارت مع الأيام راسخةً وجزءً من اليومِ والقلبِ والممارسةِ والحياة.. ما عُدت أخجل من القول أن بعض أوراق الأحلام قد تطاير وبعضها يكون تحت يديّ مما أحاول الإبقاء عليه يا عزيزي، ليس لقُصر الهمّةِ بل لاستطالةِ أُفق الهمّ.. وكأنني قد كُنت أبحث عن غُصنٍ فأوتيتُ حقلاً وشجر، وصرت مشغولةً جداً بإنعاشِ كلّ زاويةٍ في المزرعة.. وهناك، عند الشجرة الكبيرة ياعزيزي توقّف نبضُ قلبي فعرفتُ من الدنيا حُباً شملني عن كلّ محبوباتي قبله وأرداني على ركبتيّ للاعتراف أنه هوَ هوَ قد كان غايتي في كلّ الأحلام والمنشودِ وما أبحثُ عنه .. علمت حين توقّفت أن سعيي سيتغيّر، وستكون السقايةُ لي حالاً بعدما قد كان لي من البحثُ عن درب الهُدى أحوال.. عليّ الآن الإلتزام بمهمّةٍ واحدة، وما دونها يأتي تباعاً.. جاء أم لم يأتي، وكيلي الله.. وذاك هو اختبار إيماني..

صديقي العزيز.. 

لقد تحررت حينما اعتزلت صراعهم ونجوتُ بنفسي.. كنت أظنّ أن كلّ شيء يهدأ حالما نُغلق الصوت جاهلةً بأن المتحدّث يستمرّ حتى ولو كان سكوته من اختياري ، كما قلت لك .. لاشيء يتوقّف في هذه الحياة، كُلها ماضٍ..

هل تعلم يا صديقي حجم أن تنتبه لشيءٍ واحد؟ أن تتعلّق أفكارك القلقه والخائفة والمُحبةُ والراجية والصغيرة والكبيرة والعاليةُ والهادئة، على طاقةٍ واحدة..؟

أن يستوي في ميزان عينيك كلّ ما هنالك، وتفتح النور على ما هُنا..؟ 

أن تتفحّص حجم ما يكبُر في داخلك ويموت كلّ يوم..؟

أن تأخذ بين يديك طفلَ الرغبات وتدفنه بالتراب لأنه ما عاد يخدمك؟

أتعلم حجم أن تختار وعيَك بينما يغرق الجميع في الاوعي وأن تدرك برد الحقيقة بينما يستمتع الآخرون بدفئ الزيف؟ 

هي أشياء يا عزيزي لا تقال، أعطيك منها الزُبد أو ما أستطيع توريته .. ولكنها في عُمق المحسوس، عمق المخفيّ، عمق الملموس.. هي في كلّ شيءٍ من حولي وفي جيوب الخفاء أيضاً.. هي اللعنةُ والحظّ والنعمة والنقمة والنور والظلام..

هي لأنها هيَ، وهي لأنها لا تتغيّر.. تدور، تربّي، تمضي، لا تتوقّف نعم .. لكنها لا تتغيّر..

أشتاق ياعزيزي لضوئك الحاضر في النور.. لجلال ابتساماتك، لجمال رقصتك التي تؤديها مع الحياة، للطافة الأشياء في عينيك، لاستصغارك للمواقف العابرة.. أحبّ فيك قوةً تختلطُ معها الرحمة وطفولةً تمتزجُ فيها الشهامة وروحاً أستطيع من خلال بوحكَ عناقها بالصوتِ والمعنى..

أعلم أنك الآن في البعيدِ مما يُشغل الأيام ويشعلها.. وأنا ياعزيزي في أيامي مدىً ورحمة وانغماس.. أحرّصك أن تبقى كمن تكون، أن تعلم أنها لا تتوقّف، أن ترى المُضيّ بقلبٍ سليم.. وحتى ألقاك لعناقٍ قديم، أتمنى أن تبقى بخير….

أضف تعليق