Thus.. 15.Feb.2024
“أعرف طريق المنزل، وأعرف الله، وأعرف اليدين التي تتحسّّس نهاية اليوم مواقف العائلة، تمامًا مثلما يضع المرء يديه على شيءٍ بقتنيه، ويُحبُّه.”
لو لم يتعب الرعاة على الجبال، لو لم يتألّم الراقصون، لو لم يسهر الرسّامون والنحّاتون على أعمالهم، لو لم يُقصي التأمّلَ في الحالِ شعراء العالم، لو لم يَقضي الممثلونَ أوقاتهم في اتقان التقمّصِ، ولو لم يهجرِ الكتّاب عوالمهم إلى العالمِ الداخليّ من القَصص.. لما كان هنالك فنون ولظلّ الإنسان يهذي بدواخل الروحِ ولا يألف كيف يترجمها، فالفنون تُرجمان للغةِ الروح..
صديقي العزيز..
نحنُ حينما نصبوا لحياةٍ بلا ألم نكون كمن يبتغي شعراً بلا معنى وأصواتٍ بلا اختلاف وذائقةٍ واحدة.. حينما نتقبّل الألم جزءً من تجربة الحياة الكاملة نتقنُ تماماً رقة استقباله وقت المجيء واستيداعه وقت رحيله.. وكأنما هو يأتي دائماً على غَررٍ ليُخبرك أن ما كنت فيه من لهوٍ لم يكن ليُخطئه..
مع الألم يا صديقي نميل، ننكفئ، نحاول، نسعى، نبحث وندور.. لست هنا حتى أمجّده ولكنه يصنع فينا أشياء ويكبّرنا في أشياءَ لولا حضورهِ بعد الله لما كانت لنا مخاضات وأطفال وعائلة من الانجازات الداخليّة تعلمناها وكبّرناها وزرعنا من رؤوسها أشجاراً فينا عالية.. لكلّ ألمٍ قصّته التي أحيَت في دواخلنا أشياء؛ كانت قوةً في المواجهةِ أو حياةً في الاحياة، أو زرعت فينا حِسّاً تجاه من نكون وكيف نختار أن نكون.. الألم مُعلّمك الذي قد لا يكون رحيماً ولكنه الذي لن يجعلك تنسى قيمة الدَرسِ في حياتك كلّها..
صديقي العزيز..
من يدركُ الحياة يعلم، أن أقاصي المشاعر واحدة.. رأسُ البهجةِ باطنه الألم ورأسُ الألم باطنه بهجةَ التحرر من الخوفِ حول أصعبَ ما قد يكون..
الدلالُ والقمعُ يُخرجانِ شخصيةً واحدة تميلُ ولا تكون..
في بطن الصراخ سكينةً وفي بطن السكونِ ضجيج..
من خلال فعلِ الهدوء ياصديقي أرفعُ صحنَ النفسِ عالياً بينما يدور حولي الأطفال ويجرّون من اهتمامي بإلحاحٍ حتى يحصلوا على قطعةٍ واحدة.. في الحياة، يدي التي تفصِلُ راحة النفسِ بالهدوء والصمت عن إلحاح الرغباتِ بالمواجهة؛ هي طريقتي في تجنّب تفرق قطعي وتبعثُر وجهها.. طبقي ثمين يصعبُ عليّ مشاركته مع أيّ أحد..
كرمُ النفوسِ يا عزيزيَ فنّ.. ألاحظه وأحاوُل أن يكونَ لنفسي عادةً وأتعلمه.. صدري واسعٌ للحياة رورحي تتوق دائماً لجلال المشاهدةِ ورقّةِ إبصار العُمق الغائب عن العيون العابرة..
هنالك اقتباسٌ يقول :
“لا أحبّ المنافسة .. حتى وإن كنت أعرف جدارتي، ولطالما كرهت الركض من أجل السباق، وأحببت المشي من أجل الفوز برفقة نفسي.”
لربما يا صديقي هو ذلك الذي نحاول التقاطهُ من الشعورِ حينما نتملّك أوقاتنا بحجمها كما تكون، بطبيعة جريانها الدائم، لربما نحنُ حينما رتّبنا في رؤيتنا الحياة استطعنا أن ننهضَ بعامِل الكسبِ على عامل اللهاثِ حتى صار نمطنا بطيئاً، بطيئاً جداً على سرعة الحياة.. لستُ أكرهه بل أعززه في داخلي كقوّةِ حضور.. أو هذا ما أحاوله على الأقلّ..
حتى يكون لنا يا صديقي الألمُ مرادفاً للأمل، والمشاعرُ حتميةٌ للنفس، وتتساوى في عينينا موازين الحياةِ والشعورِ والرضى بجميع ما نملكه ونكونه.. أرجوا يا صديقي أن تجد طريقتك في التعامُلِ مع كلَ هذا بلا خوفٍ ولا ريبٍ ولا تخّبط، وانما بامتلاء وثقة المتوكّلين الشاهدين..
حتى ألقاك.. أرجوا أن تكون بخير.